حين تعانق المعرفةُ قِيمَها ويستعيدُ العِلمُ رسالته
• سيف السويدي: المعرفة ليست ملكية خاصة، بل مسؤولية مشتركة.
• عماد سعد: هذا المحفل لم يكن مجرد مؤتمر… بل كان لحظة إنسانية عميقة. لحظة تُذكّرنا أن العلم بلا إنسانية يصبح آلة صمّاء، وأن الفكر بلا قيم يتحول إلى ممارسة تقنية بلا بوصلة، وأن الجامعة بلا دور مجتمعي تصبح مجرد مؤسسة تعليمية مكرورة.
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد، 01 ديسمبر 2025
في أواخر نوفمبر 2025، كانت العاصمة التركية أنقرة على موعد مع حدثٍ لا يشبه المؤتمرات العابرة ولا الندوات الروتينية؛ كان المشهد أقرب إلى عرس معرفي يلتقي فيه أهل الفكر والبحث والوقف والمؤسسات الأكاديمية في فضاء واحد، تحت عنوان يشي بالكثير: «اقتصاد المعرفة في ضوء الدراسات البينية: قراءة تكاملية بين الجامعات والمؤسسات الوقفية».
ذلك هو المحفل العلمي الدولي السابع عشر…20 – 25 نوفمبر 2025 بنسخته الحضورية والالكترونية، الذي تنظمه مؤسسة أريد العلمية الدولية، برعاية جامعة أريد العلمية الدولية للدراسات العليا، حيث بدا العلم وهو يعود إلى جذوره الأخلاقية، ويستعيد تلك الهالة التي كانت تحيط به حين كان فعلاً إنسانياً بامتياز، لا مجرد إنتاج نظري يوضع على الرفوف.
أولاً: تنظيم يليق بالعلم… وانضباط يليق بالمعرفة
منذ اللحظات الأولى، بدا واضحاً أن المنظمين وعلى رأسهم سعادة الدكتور سيف السويدي رئيس مؤسسة أريد العلمية الدولية، لم يديروا محفلًا فحسب، بل نسجوا تجربة إنسانية تُشعر كل مشارك بأنه جزء من سردية أكبر. كانت اللوجستيات دقيقة، والحركة بين الجلسات سلسة، والفعاليات موزعة كما لو أن لكل خطوة فيها موسيقى داخلية تضبط الإيقاع. هذا الانسجام التنظيمي لم يكن مجرد تفاصيل إدارية، بل كان رسالة ضمنية مفادها: إن احترام العلم يبدأ باحترام الزمن، واحترام الباحث، واحترام التجربة الكاملة.
حضور الباحثين والخبراء من أكثر من خمسة عشر دولة منح المحفل طابعاً كوزموبوليتياً دافئاً، حيث تتلاقى لهجات متعددة، وتتشابك تجارب متنوعة، دون أن تطغى هوية على أخرى؛ الجميع سواسية أمام الفكرة.
ثانياً: فكرٌ يعيد ترتيب الأسئلة قبل ترتيب الإجابات
في قلب كل جلسة، وكل ورشة، وكل نقاش، كان هناك سؤال خفيّ يُعاد طرحه بصيغ متعددة: كيف نعيد للمعرفة معناها وللعلم دوره؟ لم يعد ممكناً الاكتفاء ببحوث تنظيرية أو مقاربات مجتزأة؛ العالم يتغيّر، والتحديات تتشابك، ولم يعد أي تخصص قادراً على الإجابة وحده. وهكذا جاءت الدراسات البينية، لا كترف أكاديمي، بل كضرورة وجودية في زمن لم تعد فيه الحدود بين العلوم إلا وهماً ورقياً.
لقد كان شعار المحفل مرآة لهذا التحول: الاقتصاد في خدمة المعرفة، والمعرفة في خدمة الإنسان، والوقف في خدمة الاستدامة العلمية. إنه مثلث يُعيد تعريف العلاقة بين العقل والقيمة، بين العلم والغاية، بين الجامعة والمجتمع.
ثالثاً: علمٌ يتنفس الحياة… ويتحرر من جمود الأوراق
لم تكن الأوراق العلمية مجرد عرض لنتائج، بل كانت حكايات بحث محفوفة بشغف أصحابها. برزت أبحاث جديدة تربط البيئة بالاقتصاد، والحوكمة بالقيم، والمعرفة بالعدالة، والتكنولوجيا بالإنسان.
كانت هناك تلك اللحظة التي يدرك فيها المستمع أن البحث لم يعد “عملية أكاديمية”، بل أصبح صوت مجتمع يبحث عن حلول، ويسعى إلى فهم ذاته، ويواجه أسئلة وجودية تتعلق بالمناخ، الهوية، التنمية، والهشاشة الاجتماعية.
ولعل الأجمل أن توصيات المحفل لم تكن شعارات للاستهلاك الإعلامي؛ بل جاءت واقعية، قابلة للقياس، قابلة للتنفيذ.
توصيات تُشبه حياة الناس، وتلامس مخاوفهم، وتستجيب لقلقهم على مستقبل المعرفة ومصير الأرض.
رابعاً: إنجاز يتجاوز الحدث… ويُعيد بناء الثقة
ما يميز هذا المحفل أنه لم يسعَ لأن يكون “استعراضاً أكاديمياً”، بل منصة لتجديد الثقة بين الباحث ومجتمعه، بين الجامعة ومحيطها، بين الفكر وصنّاع القرار.
لقد أعاد إحياء فكرة قديمة–جديدة: أن المعرفة ليست ملكية خاصة، بل مسؤولية مشتركة، هذا ما أكده دائماً سعادة الدكتور سيف السويدي في كافة المناسبات، وأن العلم لا يكتمل إلا إذا خرج من قاعات الجامعات إلى مساحات الحياة.
من خلال الشراكات، وتلاقي المؤسسات الوقفية مع الجامعات، انفتح باب واسع أمام نموذج عربي جديد يجعل من التمويل الوقفي سنداً لحيوية البحث العلمي واستدامته، بعيداً عن تقلبات السياسة والسوق.
كما أسّس المحفل شبكة عربية معرفية عابرة للحدود، تسمح بتبادل الخبرات، وتفتح المجال لتعاون طويل الأمد، سواء في البيئة، أو التنمية، أو العلوم الإنسانية، أو الابتكار.
خامساً: خلاصة إنسانية… العلم يحتاج إلى قلب أيضاً
في نهاية فعاليات المحفل، وبينما تُطوى الملفات وتُجمع الملاحظات، بقي في الأجواء إحساس واحد: أن هذا المحفل لم يكن مجرد مؤتمر… بل كان لحظة إنسانية عميقة. لحظة تذكّرنا أن العلم بلا إنسانية يصبح آلة صمّاء، وأن الفكر بلا قيم يتحول إلى ممارسة تقنية بلا بوصلة، وأن الجامعة بلا دور مجتمعي تصبح مجرد مؤسسة تعليمية مكرورة.
لقد نجح المحفل العلمي الدولي السابع عشر في أن يضع الإنسان في صدارة المشهد، وأن يعيد للعقل مكانته، وللقيم حضورها، وللمعرفة روحها. وهذا، في رأيي، هو جوهر الإنجاز الحقيقي.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز