“وجبة ….. إبداع وابتكار (111) “القيادة الاستثائية والتميز الاستثنائي “

القائد الاستثنائي والمسار المستدام: كيف يبدأ التفوق، وكيف يعيش، وهل يستمر؟

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم الدكتور أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 01 ديسمبر 2025
في المؤسسات التي تتحرك داخل عالم سريع ومتقلب، يظهر القائد الاستثنائي يغير الإيقاع، يدخل إلى المكان فيحرّك المياه الراكدة، ويلمع كشعلة أولى تشق الظلام، ويعيد تعريف الاتجاه، ويعيد ترتيب الأولويات، ويمنح الفريق شعوراً بأن مرحلة جديدة على وشك أن تبدأ، حضوره يشبه دفعة طاقة تتسرب في أرجاء المؤسسة؛ صوته يصنع وضوحاً، وقراراته تفرض اتجاهاً جديداً، ووعيه يمنح الآخرين إحساساً بأن الممكن أكبر مما اعتقدوه.

القائد الاستثنائي لا يكتفي بإلهام الناس، بل يعيد تعريف الطريقة التي يعملون بها، يصنع الشرارة الأولى، ويكسر الروتين، ويرفع مستوى الجرأة والابتكار، ويغرس في المؤسسة وعياً جديداً يجعلها ترى نفسها من زاوية أعلى، وفي كثير من الأحيان، لا تستطيع أي مؤسسة أن تبدأ تحولها الحقيقي من دون قائد استثنائي يجبرها على مواجهة الواقع كما هو، ثم يدفعها إلى واقع آخر لم تفكر به من قبل.

والقائد الاستثنائي حين يكون في أفضل صوره يفعل شيئاً أكثر أهمية من مجرد التحفيز؛ فهو يرسخ مبادئ تتحول لاحقاً إلى جزء من (DNA) المؤسسة، يزرع ثقافة تصميم صارمة، ويخلق مستوى أعلى من الانضباط، ويعيد ضبط القواعد بحيث تصبح أعمق من شخصه، وهنا يتجلى دوره الأسمى: أن ينقل القواعد من (أنا) إلى (نحن)، وأن يجعل أثره ممتداً أبعد من وجوده، وأن يصنع الطريق، ويترك للنظام مهمة حراسته، بهذا المعنى، يصبح القائد الاستثنائي بداية التحول، لا نهايته.

ورغم هذه الصورة القوية، تظل الاستثنائية المرتبطة بشخص واحد استثنائية هشّة؛ تتألق ما دام موجوداً… وتختفي ما إن يغيب، وهذا هو الفارق الجوهري بين القيادة الاستثنائية والتميز الاستثنائي، القيادة الاستثنائية تعتمد على فرد، مهما كان عظيماً، بينما التميز الاستثنائي يعتمد على منظومة تستطيع أن تعمل بوجوده وبدونه.

ويتجسد هذا الفارق بوضوح في قصة (Apple) خلال فترة ستيف جوبز، فقد كان جوبز قائداً استثنائياً بكل معنى الكلمة؛ يرى ما لا يراه غيره، ويدفع فريقه إلى أقصى حدود الإبداع، ويحوّل الفكرة إلى منتج، والمنتج إلى معيار عالمي، لكن أثره الحقيقي لم يكن فقط في قراراته أو أفكاره، بل في منظومة التفكير التي تركها خلفه، لقد زرع ثقافة تصميم لا تُساوَم، ووضع نظاماً لاتخاذ القرار يلتزم به الجميع، وربط الإبداع بالانضباط في توليفة نادرة، وحين رحل، لم تنهار (Apple)، بل استمرت، لأن الاستثنائية لم تكن في الرجل وحده، بل في النظام الذي تركه.

وعلى الجانب الآخر، تقف حكاية (WeWork) في عهد آدم نيومان، مثالاً على الوجه الثاني للاستثنائية، كان نيومان قائداً ذا كاريزما طاغية، يعرف كيف يشعل الحماس، وكيف يجذب المستثمرين، وكيف يبني هالة حول رؤيته، لكنه لم يبني نظاماً يحمل هذه الرؤية، ولا ثقافة مستقرة، ولا بنية تشغّل المؤسسة بغيابه، وعندما خرج من المشهد، انهارت القيمة السوقية، وتراجعت الثقة، وكشفت الأزمة أن الاستثنائية كانت تسكن في القائد لا في المؤسسة، وحين يغيب السقف ينهار كل ما تحته.

وهنا تتضح الفكرة بأن القائد الاستثنائي قادر على إشعال الشرارة، ورفع الإيقاع، وتوسيع الخيال، وإعادة تعريف القواعد، دوره محوري، وأثره أساسي، ومن دونه قد لا تبدأ أي رحلة تغيير حقيقية، لكنه لا يستطيع أن يصنع وحده مؤسسة استثنائية ما لم يحوّل هذه الشرارة إلى منظومة تعيش بعده، وما لم يجعل الثقافة أكبر من صوته، والرؤية إلى ممارسة يومية، وما لم ينجح في نقل الاستثنائية من مقام الفرد إلى مقام النظام.

والحقيقية التي يجب أن تدركها المؤسسات، إن القيادة الاستثنائية تصنع البداية، وتغير الإيقاع، وترفع الأداء سريعاً، وتولد من شخص، أما التميز الاستثنائي فيصنع الاستمرار، وتبني نظام شامل، وتمنع السقوط عند غياب القائد الاستثنائي، ولا تولد إلا من منظومة مؤسسية.

فالقائد الحقيقي ليس كشخص يصنع الاستثناء بنفسه، بل كشخص يجعل المؤسسة قادرة على إنتاج الاستثناء من بعده، في أي وقت، وبأي فريق، وتحت أي إدارة.

وعندما تفهم المؤسسة هذا الفارق، يتغير مقياس النجاح لديها، فهي لا تبحث عن قائد يصنع الأعاجيب، بل عن قائد يبني أعمدة يحتمي بها الجميع، لا تبحث عن صوت واحد يستحوذ على الضوء، بل عن مؤسسة تستطيع أن تخلق الضوء من داخلها. فحينها يصبح الاستثناء جزءاً من طريقة العمل، لا حدثاً يعتمد على شخص؛ يصبح ميزة مستدامة، لا ظاهرة قصيرة العمر؛ ويصبح دليلاً على أن المؤسسة نضجت لتكون أكبر من أي اسم يقودها، مهما كان هذا الاسم استثنائياً.

(We Work)*
هي شركة أمريكية تأسست عام 2010 في مدينة نيويورك على يد آدم نيومان وميغيل ماكيلفي، وتخصصت منذ بدايتها في تصميم وإدارة مساحات العمل المشتركة للأفراد والشركات الناشئة والمتوسطة، اعتمدت نموذجاً يقوم على تأجير مساحات مكتبية كبيرة طويلة الأجل، ثم إعادة تصميمها وتقسيمها وتأجيرها للمستأجرين على شكل مكاتب مرنة وقابلة للتوسع، مما جعلها أحد أشهر رواد مفهوم “مساحات العمل المشتركة” عالمياً، وشهدت نمواً سريعاً في سنواتها الأولى، ووصلت قيمتها السوقية إلى نحو 47 مليار دولار عام 2019 بدعم من استثمارات كبرى، قبل أن تتراجع قيمتها بشكل حاد بسبب ضعف نموذج الحوكمة، والاعتماد المفرط على شخصية القائد المؤسس، والقرارات عالية المخاطر التي اتخذت دون وجود نظام مؤسسي يشرف عليها، وقد أصبحت أزمتها لاحقاً مثالاً شهيراً على خطر الربط بين نجاح المؤسسة وقائد كاريزمي واحد دون وجود بنية تشغيلية وثقافة قادرة على الاستمرار.

المراجع العربية
 د. خالد المصلح. القيادة التحويلية والتميز المؤسسي. دار الميمان، 2017.
 د. محمد عبد الغني حسن هلال. القيادة الإدارية: منظور كلي. دار الفجر، 2017.
 د. عادل المغربي. التميز المؤسسي وإدارة الأداء. مكتبة الأنجلو المصرية، 2021.

المراجع الأجنبية
• Collins, Jim. Good to Great. Harper Business, 2001.
• Bass, Bernard. Transformational Leadership. Routledge, 2006.
• Isaacson, Walter. Steve Jobs. Simon & Schuster, 2011.
• Harvard Business Review: Leadership & Organizational Excellence.

(*) الدكتور أنيس رزوق
عميد كلية الحوسبة والأعمال – سابقاً. أستاذ مساعد بجامعة العلوم الإبداعية – سابقاً، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، مقيم معتمد في التميز المؤسسي (EFQM)، خبير استراتيجيات القوة الناعمة، خبير ادارة مركز اسعاد المتعاملين، (7 STAR)، خبير حوكمة معتمد، خبير صناعة سيناريوهات المستقبل، خبير الجودة والتميز من الأكاديمية البريطانية.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (108) “الموظف الدجاجة والموظف السمكة”

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 2 اكتوبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *