“وجبة ….. إبداع وابتكار (112) “الفكر الاستباقي للشيخ زايد … ونظرية القيادة بالمحبة “

القائد الاستثنائي …. ونظرية القيادة بالمحبة

الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، (طيب الله ثراه)،

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 01 ديسمبر 2025

قاد برؤية تتجاوز حدود اللحظة، لم ينظر إلى الواقع كصورة مؤقتة، بل كمساحة أولى لولادة مستقبل أفضل، هذا النوع من التفكير يعكس جوهر القيادة التحويلية التي تقوم على صنع رؤية قادرة على تحريك الناس وتغيير توقعاتهم عن أنفسهم، ومع ذلك، كانت تجربة الشيخ زايد أوسع من أي نظرية مكتوبة؛ لأنها لم تعتمد على الرؤية وحدها، بل على علاقة استثنائية بين القائد وشعبه، علاقة جعلت الولاء شعوراً داخلياً، والعمل مسؤولية مشتركة، والطموح التزاماً وطنياً لا ينطفئ.

كان يمضي في الصحراء كما لو أنه يمشي في صدر قصيدة. يرى ما لا تراه العين، ويقترب من المستقبل كما يقترب القلب من رجائه الأعمق، لم تكن الأرض عنده مجرد رمال صامتة، بل صفحة تنتظر أن يكتب عليها الوطن حروفه الأولى، ومن هنا بدأ طريقه؛ قائد يخطّ رؤية تتجاوز حدود الزمان، ويؤسس دولة كأنها تولد من فكرة، لا من جغرافيا؛ من يقين، لا من صدفة.

كان يرى المستقبل قبل أن يراه الآخرون، لم يتعامل مع الواقع الاقتصادي، الاجتماعي، والإنساني للدولة والمجتمع كحدود نهائية، بل كبداية يمكن أن تتسع كلما اتسع الأفق، وحين رفع راية الاتحاد، لم يرفعها بسلطة الحاكم، بل بطاقة المُلهِم الذي يشعر بأن المستقبل يحتاج إلى من يفتح له الباب، مارس ما تسميه النظريات الحديثة بالقيادة التحويلية: أن يقف القائد في مقدمة شعبه لا ليصدر أمراً، بل ليُوقظ فيهم القدرة على التغيير، جمع حكّام الإمارات كما تُجمع القلوب على كلمة واحدة، وصنع من التباين قوة، ومن الاختلاف جسراً، ومن العلاقة روحاً واحدة أصبحت اليوم جزءاً من تعريف الوطن.

وكانت مجالسه المفتوحة مشهداً يذكّر بمدارس الحكمة القديمة؛ حيث يجلس القائد بين الناس، لا يفصل بينه وبينهم إلا قلبه، الذي ينبض بالمحبة لهم، كان هذا المشهد تجسيداً مبكراً للقيادة التشاركية التي تُشرك الناس في الحلول، وتمنحهم دوراً أصيلاً في بناء وطنهم، لم تكن المجالس لقاءات عابرة، بل مساحة للحوار، ولصناعة التفاهم، ولتعزيز مفهوم أن التسامح ليس قيمة اجتماعية فحسب، بل أسلوب قيادة يفتح العقول، ويجمع المختلفين، ويحوّل المجتمع إلى شريك فعلي في القرار.

وفي علاقته بالإنسان والأرض، تتجلى أعظم دروسه، فقد وضع الإنسان في قلب مشروعه الوطني، مطبقاً بصورة فطرية ما تتحدث عنه نظريات رأس المال البشري التي ترى أن الإنسان هو الثروة الأعلى، ورأس الهرم في التنمية، أدرك أن الوطن لا يُبنى بالموارد وحدها، بل بالعقول والمهارات، والكرامة الإنسانية، ولذلك كانت المدارس تُفتح قبل المصانع، والمستشفيات تُشاد قبل الأبراج، والإنسان يُقدَّم على الحجر، كانت التنمية عنده روحاً تُزكّى، لا حجارة تُرصّ.

وعندما اتجه إلى الصحراء، كانت يداه تعملان كما يعمل شاعر يرسم الصور في الهواء، غرس الشجر، وحمى الطبيعة، وصنع المحميات، وبث الحياة في أرض ظنّ البعض أنها انتهت، هذا الحس البيئي السابق لعصره هو ما تشرحه علوم اليوم تحت مفهوم التنمية المستدامة، لكنه عند زايد كان أكثر من نظرية؛ كان علاقة محبة مع الأرض، ورغبة في أن يورّث الأبناء وطناً أجمل مما من كل الأوطان.

وهنا يظهر بوضوح النظام القيادي الذي أطرحه، (القيادة بالمحبة)، فلا يمكن تفسير نجاح الشيخ زايد بمفاهيم الإدارة وحدها، ولا يمكن فهم تأثيره بمجرد نماذج تنظيمية، فالقوة الحقيقية التي امتلكها كانت محبته لشعبه وأرضه محبة جعلت الناس يلتفون حوله كما يلتف النبات حول الضوء، محبة حولت التنمية إلى رسالة، والنهضة إلى التزام روحي، والوطن إلى علاقة قائمة على الثقة قبل القانون، هذا البعد الروحي هو ما جعل زايد قائداً استثنائياً؛ قائداً يصنع النموذج لا القواعد، ويخلق الولاء لا يفرضه.

ولأن الإمارات بُنيت على هذا النوع من المحبة، فقد أصبحت وطناً ليس لأبنائها فقط، بل لأكثر من (200) جنسية من ثقافات الأرض كلها، يعيشون في وئام واحترام وكرامة، ويجدون في الإمارات عدلاً يليق بالإنسان وفكراً استباقي متطور، لم يكن هذا الانسجام نتاج قوانين فقط، بل نتيجة نهج يقوم على التسامح والمحبة، ومفهوم عميق للإنسان، ورؤية ترى التنوع مصدر قوة، لقد أصبحت دولة العربية الإمارات نموذجاً عالمياً في إدارة التعدد، لا بقوة السلطة، بل بقوة القيم.

ولأن القائد الاستثنائي يترك أثراً استثنائياً، فقد امتد نهج الشيخ زايد إلى الدولة كلها، هنا تتحقق فكرة “تسلسل القيادة” أو (Leadership Cascading)، أي أن الاستثناء الفردي يتحول إلى ثقافة مؤسسية، فقد واصل الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، (طيب الله ثراه)، هذا النهج بروح الواثق الهادئ، حافظ على جوهر إرث والده، وعزّز العمل المؤسسي، ومدّ خطاً من الحكمة جعل الدولة أكثر ثباتاً ونضجاً.

ثم جاء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة (حفظه الله)، ليمنح هذا النهج جناحين جديدين، حمل المحبة ذاتها، وأضاف إليها عمقاً في الاستشراف، وقوة في القرار، وجمع حكمة القوة والإنسانية، فصارت الإمارات في عهده دولة استثنائية بكل معنى الكلمة، دولة تجمع بين الحداثة والهوية الوطنية، بين العلم والقيم، بين الأسس الراسخة والقدرة على ملاحقة الفرص وصناعة المستقبل.

واليوم، حين تتصدر الإمارات مؤشرات التعايش، وقوائم الازدهار والأمن وجودة الحياة، فهذا ليس إنجاز اقتصاد فقط، بل إنجاز إنسان بامتياز، إنها ثمرة مدرسة قيادية ممتدة: مدرسة الفكر الاستباقي، والقيادة التحويلية، والقيادة التشاركية، والتنمية المستدامة، ورأس المال البشري، وقبل كل ذلك القيادة بالمحبة.

وهكذا يظهر فكر الشيخ زايد كمعادلة تجمع بين العلم والروح: رؤية عميقة، إدارة واعية، قيم ثابتة، محبة صادقة، وتسامح يصنع وطناً يشبه العالم حين يحلم، إنها قصة دولة وُلدت من قلب قائد أحبّ شعبه… فبادلته المحبة دولة.

وتبقى القيادة بالمحبة نظرية قيادية جديدة تستحق مكانها في قاموس العلوم الإدارية؛ نظرية تؤكد أن القائد الذي يحب شعبه يصنع استثناءً لا يقتصر على ذاته، بل يتحول إلى نهج دولة، وإلى هوية وطن قادر على عبور الزمن.

 

(*) د. أنيس رزوق:
عميد كلية الحوسبة والأعمال – سابقاً. أستاذ مساعد بجامعة العلوم الإبداعية – سابقاً، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، مقيم معتمد في التميز المؤسسي (EFQM)، خبير استراتيجيات القوة الناعمة، خبير ادارة مركز اسعاد المتعاملين، (7 STAR)، خبير حوكمة معتمد، خبير صناعة سيناريوهات المستقبل، خبير الجودة والتميز من الأكاديمية البريطانية، 30 نوفمبر 2025.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (108) “الموظف الدجاجة والموظف السمكة”

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 2 اكتوبر …

تعليق واحد

  1. ربيع جاسم الحوسني

    حفظ الله بلادنا وحماها وحفظ قاداتنا ورحم الله المؤسسين شكرا دكتور على ابداعك وهذا عهدنا بك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *