ثورة في “صون الطبيعة”..

الإمارات تنجح في استنساخ “الذئب العربي” وتعيد كتابة مستقبل الأنواع المهددة بالانقراض

شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 05 ديسمبر 2025

في لحظة فارقة من تاريخ كوكبنا، حيث تعزف سيمفونية الحياة الفطرية لحنها الجنائزي الأخير تحت وطأة الأنشطة البشرية الجائرة والتغيرات المناخية المتسارعة، وينزف التنوع البيولوجي أثمن كنوزه بصمت مريب، تبرز التكنولوجيا الحيوية لا كمجرد ترف أكاديمي، بل كفارسٍ نبيل يمتطي صهوة العلم الحديث لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان. ولم يعد الحفاظ على الطبيعة في عصرنا الراهن مجرد شعارات رومانسية أو محميات مسيجة، بل أضحى معركة وجودية تتطلب أسلحة غير تقليدية، وحلولاً جذرية تنبع من فهم عميق لأسرار الشفرة الوراثية التي أودعها الخالق في كائناته.

وفي الوقت الذي يواجه فيه العالم تحديات بيئية جسيمة، تتسارع فيها وتيرة انقراض الأنواع وفقدان التنوع البيولوجي، تبرز التكنولوجيا الحيوية كطوق نجاة أخير، وأداة فعالة في يد حماة البيئة لاستعادة ما كدنا نفقده. ومن الصحراء العربية، التي طالما علمتنا دروس الصبر والتكيف والبقاء، ومن قلب مدينة العين، واحة التراث والأصالة، تنبثق بارقة أمل جديدة، ليست فقط للمنطقة، بل للعالم أجمع، حيث سطرت دولة الإمارات العربية المتحدة فصلاً جديداً في كتاب الحفاظ على الحياة الفطرية، معلنةً عن إنجاز علمي غير مسبوق في المنطقة. فخلال فعاليات الدورة الأولى للمعرض الدولي للصيد والفروسية بمدينة العين، كشف “مركز الإمارات للأبحاث البيولوجية” عن نجاحه الباهر في استنساخ “الذئب العربي”، الحيوان الذي طالما ارتبط بذاكرة الصحراء وتوازنها البيئي، والذي بات يواجه خطر الانقراض في مواطنه الطبيعية.

إن ما حققته دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم، ممثلة في مؤسساتها البحثية الرائدة، ليس مجرد نجاح مخبري عابر يُسجل في الدوريات العلمية، بل هو إعلان جريء عن دخول المنطقة العربية عصر “الإحياء البيولوجي” من أوسع أبوابه. إنها لحظة تاريخية يُسخر فيها أحدث ما توصل إليه العقل البشري في علوم الوراثة والهندسة الجينية لترميم التصدعات العميقة التي أصابت جدار النظم البيئية الهش، معيدةً الأمل في إمكانية استعادة التوازن المفقود بين الإنسان وبيئته.

عودة “حارس الصحراء”.. بارقة أمل بيولوجية
تجسدت هذه الفلسفة العلمية الرائدة في أبهى صورها خلال فعاليات الدورة الأولى للمعرض الدولي للصيد والفروسية بمدينة العين، واحة الأصالة والتراث الإماراتي العريق. فوسط حضور كثيف جمع بين الخبراء والمهتمين بالحياة البرية، أماط “مركز الإمارات للأبحاث البيولوجية” اللثام عن إنجاز علمي غير مسبوق في منطقة الشرق الأوسط، معلناً عن نجاحه الباهر في استنساخ “الذئب العربي”. هذا الكائن الأيقوني الذي طالما ارتبطت صورته بذاكرة الصحراء، وشكل جزءاً لا يتجزأ من توازنها البيئي الدقيق، والذي بات للأسف يواجه خطر الانقراض الحقيقي في مواطنه الطبيعية المترامية الأطراف.
لم يكن هذا الإعلان مجرد خبر صحفي عابر، بل هو تطبيق عملي ومباشر لعلوم الجينات المتقدمة في خدمة قضايا البيئة الملحة. وفي تصريحات خاصة لوكالة أنباء الإمارات “وام”، أكدت الدكتورة عفراء الظاهري، الطبيبة البيطرية والباحثة المتميزة بالمركز، أن المركز يعرض حالياً بفخر جراءً لذئاب عربية مستنسخة تبلغ من العمر شهرين فقط، تتمتع بصحة وحيوية كاملة.
وكشفت الظاهري عن التفاصيل المذهلة لهذا المشروع الطموح، الذي لم يتجاوز عمره الزمني ستة أشهر فقط، لكنه أثمر حتى الآن عن ولادة 5 ذئاب. هذه الجراء لا تمثل مجرد أرقام إضافية، بل هي نسخ وراثية دقيقة تهدف لرفد المخزون الوراثي المتناقص لهذا الكائن وحمايته من التلاشي الأبدي.

من المنظور العلمي والبيئي، يعد استنساخ الذئب العربي خطوة استراتيجية بالغة الأهمية. فالذئاب ليست مجرد حيوانات برية، بل هي ما نطلق عليه في علم البيئة “مفترسات عليا”، تلعب دوراً حيوياً لا غنى عنه في ضبط أعداد العواشب، والحفاظ على صحة الغطاء النباتي، وبالتالي ضمان استدامة النظام البيئي الصحراوي بأسره. إن إعادتها للحياة عبر الاستنساخ هو محاولة جادة لإعادة هندسة التوازن البيئي الذي اختل.

هذا المشروع الطموح، الذي لم يتجاوز عمره الستة أشهر، أثمر عن ولادة 5 ذئاب بصحة جيدة، تمثل نسخاً وراثية دقيقة تهدف لرفد المخزون الوراثي لهذا الكائن وحمايته من التلاشي. إن استنساخ الذئب العربي، علمياً وبيئياً، يعد خطوة استراتيجية لإعادة التوازن للنظم البيئية الصحراوية، حيث تلعب المفترسات العليا دوراً حيوياً في ضبط أعداد العواشب والحفاظ على الغطاء النباتي.

تكنولوجيا الاستنساخ.. دقة متناهية لحفظ عراقة التراث
لا يتوقف الإبداع العلمي في مركز الإمارات عند حدود الحياة البرية فحسب، بل يمتد ليشمل رموز التراث الإماراتي الأصيل المرتبط بالهوية الوطنية. إذ يستعرض جناح المركز تجارب ناجحة ومستمرة لاستنساخ الإبل، وتحديداً من فئة “المهجنات” ذات القيمة العالية المخصصة للسباقات.

وتشير النتائج المخبرية الموثقة إلى أن هذه النسخ المستنسخة، التي تصل أعمار بعضها إلى ثلاث سنوات، تمتاز بتطابق جيني وشكلي مع الأصل بنسبة مذهلة تصل إلى 99.9%. هذه الدقة المتناهية في نقل الصفات الوراثية تضمن الحفاظ على السلالات النادرة ذات الأداء المتفوق، والسمات الفسيولوجية المرغوبة، مما يفتح آفاقاً اقتصادية ورياضية واسعة، ويؤكد قدرة العلم على خدمة التراث والحفاظ عليه للأجيال القادمة.

“بنوك الجينات”.. سفينة نوح العصر الحديث
لعل أبرز ما يلفت الانتباه ويثير الإعجاب في استراتيجية مركز الإمارات للأبحاث البيولوجية، هو تلك النظرة المستقبلية المستدامة التي تتجاوز في مداها اللحظة الراهنة. حيث أعلنت الدكتورة عفراء عن توفير خدمة استراتيجية تتمثل في “حفظ العينات الحيوية”.

تتيح هذه التقنية المتقدمة تجميد المادة الوراثية (DNA) والخلايا للحيوانات – بما فيها الأنواع المهددة بالانقراض أو حتى تلك التي نفقت – في ظروف معملية فائقة البرودة (Cryopreservation) تضمن حيويتها لعقود طويلة. إن هذه الخدمة بمثابة “بوليصة تأمين” شاملة للتنوع البيولوجي؛ فهي تشبه بناء “سفينة نوح” جينية حديثة، تضمن بقاء الشفرة الوراثية متاحة للاستنساخ وإعادة الإحياء في المستقبل، متى توفرت الظروف التقنية المناسبة أو دعت الحاجة البيئية لذلك، حتى وإن انقرض الحيوان تماماً من البرية.

سيادة علمية وخبرات وطنية خالصة
من الزاوية الوطنية والأكاديمية، يبعث هذا الإنجاز على الفخر والاعتزاز، حيث شددت الظاهري على نقطة جوهرية تتعلق بـ “السيادة التكنولوجية”. فقد أكدت أن جميع عمليات الاستنساخ المعقدة، بدءاً من استخلاص الخلايا وتنميتها، مروراً بعمليات نقل الأنوية الدقيقة، وصولاً إلى زرع الأجنة ومتابعة الحمل والولادة، تتم بالكامل داخل مختبرات المركز المتطورة وبأيادٍ وخبرات وطنية متخصصة، دون الاعتماد على أي أطراف خارجية في العملية الفنية ذاتها. هذا الاستقلال التقني لا يعزز فقط من الأمن البيولوجي للدولة، بل يرسخ مكانة الإمارات كمنارة إقليمية وعالمية للبحث العلمي المتقدم في مجالات التكنولوجيا الحيوية.

وبصفتي خبيرا في مجال التقنيات الحيوية، أقترح على المسؤولين التنفيذين والمهتمين بالحفاظ على البيئة في وطننا العربي بعض التوصيات:
1. التوسع في بنوك الجينات الوطنية: ضرورة الإسراع في إنشاء بنك جيني وطني شامل يضم عينات وراثية لكافة الأنواع الحيوانية والنباتية الفطرية في الجزيرة العربية، كأولوية قصوى للأمن البيئي القومي.
2. دعم الشراكات الأكاديمية: تعزيز التعاون بين مراكز الأبحاث المتقدمة والجامعات العربية لتدريب كوادر شابة في مجال التكنولوجيا الحيوية المطبقة على صون الطبيعة.
3. التوعية العامة بأهمية الاستنساخ البيئي: إطلاق حملات توعية لتثقيف الجمهور حول الفرق بين الاستنساخ لأغراض تجارية والاستنساخ كأداة لإنقاذ الأنواع، لضمان الدعم المجتمعي لهذه المشاريع.
4. دراسات “إعادة التوطين” : البدء في إجراء دراسات بيئية وسلوكية معمقة حول إمكانية دمج الحيوانات المستنسخة (مثل الذئب العربي) في بيئاتها الطبيعية مستقبلاً، والتحديات المرتبطة بذلك.

نحو عهد جديد من الوئام بين العلم والطبيعة
من الزاوية الوطنية والأكاديمية، يبعث هذا الإنجاز على الفخر، حيث شددت الظاهري على أن جميع عمليات الاستنساخ، بدءاً من استخلاص الخلايا وصولاً إلى ولادة الأجنة، تتم بالكامل داخل مختبرات المركز وبأيادٍ وخبرات متخصصة، دون الاعتماد على أي أطراف خارجية في العملية الفنية. هذا الاستقلال التقني يعزز من الأمن البيولوجي للدولة ويرسخ مكانتها كمنارة للبحث العلمي المتقدم.

إن ما شهدناه في مدينة العين ليس مجرد استعراض لمهارات مخبرية فائقة التعقيد، بل هو تجسيد حي وحقيقي لمفهوم “الاستدامة البيئية” عبر بوابة العلم. فمع النجاحات السابقة التي حققها المركز في الاستنساخ، والخطط المستقبلية الطموحة لاستنساخ أنواع أخرى مهددة بالانقراض، يثبت مركز الإمارات للأبحاث البيولوجية بما لا يدع مجالاً للشك أن العلم والتكنولوجيا يمكن أن يكونا الحليف الأول والأقوى للطبيعة في مواجهة تحديات العصر.
إن هذا الإنجاز يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية وعلمية لمواصلة هذا الدرب، مؤكدين أن الابتكار هو مفتاح الاستدامة الحقيقي، وأن الأمل في غدٍ أفضل لبيئتنا يكمن في معاملنا البحثية وعقول علمائنا.

الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الحلول القائمة على الطبيعة.. فلسفة حياة وتصحيح لمسار حضاري

طوق النجاة الأخير لاستعادة توازن الكوكب أم ستار جديد لـ “الغسيل الأخضر”؟ شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *