حين يتكئ الكوكب على أكتاف أناس يؤمنون بأن الخير فعلٌ يتجاوز الذات

بمناسبة اليوم العالمي للتطوّع 05 ديسمبر من كل عام

شبكة بيئة أبوظبي… قصة نجاح تُروى بلغة المعرفة والعمل

بقلم عماد سعد، محترف عمل تطوعي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي 05 ديسمبر 2025
في الخامس من ديسمبر من كل عام، حين يحتفل العالم باليوم العالمي للتطوّع، ينهض معنى آخر للإنسان، معنى يرفض أن يبقى حبيس الاحتفال الرمزي، وينبثق في تفاصيل الحياة اليومية كقيمة تتجاوز الجهد البدني إلى الفعل الروحي الذي يربط البشر ببعضهم وبالأرض التي تشبههم وتشبه أحلامهم. في هذا اليوم، لا نتأمل ما يفعله المتطوعون فحسب، بل نتأمل نوع الإنسان الذي يصبحه المرء حين يقرر أن يعطي دون أن ينتظر شيئًا، وأن يصنع أثرًا لا يحمل اسمه، بل يحمل ملامح العالم الذي يتمنى أن يتركه للأجيال القادمة.

ولعلّ أجمل ما في التطوع أنه يكشف عن جانب لا يمكن قياسه بالأرقام: تلك القدرة العفوية على رؤية الحياة من زاوية أوسع، زاوية يدرك فيها المتطوع أنه ليس فردًا يمرّ عابرًا على هذا الكوكب، بل جزء من شبكة أعمق تتصل فيها الطبيعة بالإنسان، والأرض بالقلب، والمعرفة بالمسؤولية. وهكذا يصبح التطوع البيئي، تحديدًا، واحدًا من أرقى أشكال العطاء، لأنه يلبّي حاجة الطبيعة إلى من يرمّم ضعفها، ويستجيب لاستغاثة الأرض التي أنهكتها سنوات من الاستغلال وفقدان التوازن.
حين نزرع شجرة، نحن لا نضيف غصنًا جديدًا إلى المكان؛ نحن نعيد إلى الهواء فرصة أن يتنفس، وإلى الأرض فرصة أن تستعيد ذاكرتها الخضراء. وحين نلتقط ورقة أو نفاية من شاطئ، نحن لا نزيل شيئًا من الطريق؛ نحن نعيد إلى البحر جزءًا من كرامته، وإلى الكائنات التي تعيش فيه جزءًا من حقها في الحياة. المتطوع البيئي، في جوهره، ليس عامل نظافة أو فاعل خير، بل هو فيلسوف صغير يؤمن أن العالم يمكن إصلاحه إذا اجتمعت له القلوب التي تعرف أن الطبيعة ليست ملكية خاصة، بل إرثٌ مشترك يجب أن نحفظه جميعًا.

وإذا كان التطوع البيئي يرمّم ما يتعرض للتلف في الطبيعة، فإن التطوع في نشر المعرفة البيئية يرمّم ما يتعرض للضعف في وعي الإنسان. فالمعرفة، في جوهرها، ليست ترفًا فكريًا؛ إنها شرط النجاة. وأمام تحديات تغيّر المناخ وشحّ المياه وتآكل النظم البيئية، لا يكفي أن نقوم بأعمال تحسين بيئية نفرح بها لساعات، بل يجب أن نغيّر أنماط تفكيرنا وعلاقتنا بالعالم. هنا يصبح المتطوع الذي يكتب مقالًا، أو يقدّم محاضرة، أو يُعدّ ورشة عمل، أو ينشر معلومة صحيحة على وسائل التواصل، جزءًا من جهد عالمي يشبه زرع الأشجار: فهو يزرع الوعي، والوعي إذا نما، يصنع حدائق من السلوك المسؤول.
ويأتي دور شبكة بيئة أبوظبي في هذه الرحلة كمشهد عربي نادر، يثبت أن العمل التطوعي يمكن أن يتحوّل إلى مؤسسة معرفية متكاملة تقود خطابًا بيئيًا رصينًا، وتمنح المجتمعات العربية مساحة للتعلّم والمشاركة والتأثير. فمنذ بداياتها، لم تكن الشبكة مجرد منصة إعلامية، بل كانت مشروعًا إنسانيًا يقوم على فكرة عميقة: أن المعرفة البيئية ليست سلعة نخبوية، بل حقٌ للجميع، وأن دور الإعلام البيئي لا يقتصر على الخبر والتحليل، بل على بناء ثقافة تجعل من حماية البيئة جزءًا من الهوية الفردية والجمعية.

ومع مرور السنوات، توسّعت مبادرات الشبكة لتصبح مرجعًا عربيًا في الإعلام البيئي، ولتحتضن عشرات المتطوعين الذين يكتبون، ويوثّقون، ويتابعون، ويُطلِعون الجمهور على أحدث ما يحدث في العلوم، والمناخ، والطاقة، والاستدامة. هؤلاء المتطوعون ليسوا مجرد كتّاب أو صحفيين، بل هم حملة رسالة يضعون بين أيدي الأجيال لغة جديدة للتعامل مع البيئة؛ لغة تجمع بين العلم والإنسانية، وبين الواقع والأمل.

شبكة بيئة أبوظبي لم تنجح لأنها كانت الأكبر أو الأغنى، بل لأنها كانت الأصدق في التزامها بأن تكون جسرًا بين المعرفة والعمل، بين الفكرة والممارسة، بين الخبر العلمي والمبادرة المجتمعية. وهذا ما جعلها منصة يثق بها الخبراء وصانعو القرار والطلاب والمتطوعون على حدّ سواء، لأنها منحتهم ما يحتاجونه: المعرفة، والفرصة، والإلهام.

وفي اليوم العالمي للتطوع، يمكننا أن نرى أثر هذه التجربة واضحًا: في المدارس التي أصبحت تدرّس مفاهيم الاستدامة، وفي الجامعات التي تطلق مبادرات المناخ، وفي المراكز المجتمعية التي باتت تنظم حملات تنظيف وتشجير وتدوير، وفي الوعي الجماعي الذي بدأ يتشكل تدريجيًا حول فكرة أن حماية البيئة ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل مسؤولية الناس… كل الناس.

إن التطوّع البيئي، في النهاية، ليس فعلاً جانبيًا نمارسه حين يسمح الوقت، بل هو شكل من أشكال الانتماء. والمتطوع البيئي ليس شخصًا يبحث عن دور، بل إنسان وجد في العطاء دليلاً على أنه جزء من هذا العالم، وأن الأرض ليست مجرد ترابٍ نمشي عليه، بل بيتٌ نعيش فيه، وعلينا أن نصون جدرانه قبل أن نحتفل بجماله.

ولعلّ أجمل ما يمكن أن نختم به هو تلك الحقيقة البسيطة التي يدركها كل متطوع: أنك حين تمنح الطبيعة شيئًا—مهما كان صغيرًا—فإنها تمنحك في المقابل إحساسًا عميقًا بأنك جزء من معجزة الحياة. وحين تنشر المعرفة، فإنك تمنح الآخرين ما هو أثمن من الشجرة والماء والهواء: تمنحهم القدرة على الفهم، والفهم هو الخطوة الأولى نحو التغيير.
في هذا اليوم العالمي للتطوع، نقول لكل من مدّ يده ليزرع، أو ينظف، أو يعلّم، أو يكتب، أو ينشر… أن أثره أكبر مما يتخيل، وأن العالم، رغم اختناقه، ما يزال يتنفّس بفضل أناس يؤمنون أن الخير ممكن، وأن الأرض تستحق.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

العطاء ليس وقتاً يُقاس… بل أثرٌ يبقى

عماد سعد: • العمل التطوعي مسؤولية ورسالة وطنية ومعرفة مستمرة في خدمة المجتمع والبيئة • …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *