هل يولد الإنسان بخير أو شر مبرمج في جيناته، أم أن الأخلاق مكتسبة من المجتمع والتربية ؟
سلسلة “خواطر ور اثية” تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة، الحلقة رقم (11)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية؛07 ديسمبر 2025
سؤال أزلي
منذ أن وقف الإنسان على الأرض وهو يتساءل : هل الخير والشر صفات يولد بها، أم يكتسبها من مجتمعه؟
الفلاسفة والمفكرون اختلفوا :
• أفلاطون رأى أن النفس تحمل بذور الفضيلة، وأن التربية تكشف عنها .
• أرسطو اعتبر أن الأخلاق ثمرة العادة والتدريب .
• أما في الفكر الإسلامي، فقد أكد القرآن أن الإنسان يولد على الفطرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، ثم تحدد اختياراته مساره نحو الخير أو الشر.
اليوم جاء علم الور اثة السلوكية ليضيف بعدًا جديدًا إلى النقاش: هل يمكن أن يكون للسلوكيات جذور في الجينات؟
الجينات والسلوك: إشارات مثيرة
دراسات حديثة أظهرت أن بعض الجينات ترتبط بالسلوكيات :
• جين MAOA المسمى “جين المحارب”، وُجد أن له علاقة بمستويات العدوانية .
• جينات مرتبطة بالدوبامين تؤثر في الميل للمجازفة أو البحث عن المتعة .
• جينات السيروتونين تؤثر في الاستقرار العاطفي والقدرة على التحكم في الانفعالات .
لكن العلماء يؤكدون أن هذه الجينات لا تحدد السلوك بشكل قاطع، بل تعطي فقط استعدادًا، بينما البيئة والتربية تصوغ النتيجة النهائية .
التوائم وتجارب الوراثة
أظهرت دراسات على التوائم المتطابقة أن هناك تشابهًا في بعض السمات السلوكية حتى إذا نشأوا في بيئات مختلفة .
لكن الفوارق الكبيرة تظهر أيضًا، مما يوضح أن الجينات والبيئة تتقاسم المسؤولية. فالإنسان قد يرث ميلا للعصبية, ولكن التربية القائمة على الهدوء والحب قد تحول هذا الميل إلى قوة إيجابية في الحزم والانضباط .
هل يولد الإنسان شريرًا؟
لا يوجد دليل علمي على أن الشر صفة جينية مطلقة. بل إن معظم الأبحاث تؤكد أن البيئة المليئة بالعنف والإهمال تزيد من احتمالية السلوكيات العدوانية، حتى لدى من يملكون جينات “محايدة “.
فالطفل يولد ببذور متعددة: للخير، للتعاطف، وللغضب أيضًا. والمجتمع هو من يروي هذه البذور ويحدد أيها سينمو .
الأخلاق بين العلم والدين
من منظور إيماني، يؤكد الإسلام أن الإنسان يولد على الفطرة السليمة، أي قابلية الخير والهدى .
قال الشعراوي :
“ الإنسان يولد صفحة بيضاء، يكتب فيها ما يشاء،فإن كتب الطاعة نال السعادة، وإن كتب المعصية ذاق الشقاء.” وهنا يلتقي الدين مع العلم: الجينات قد تمنح ميولا أو استعدادًا، لكن الإرادة والاختيار هما ما يصنعان السلوك الفعلي.
أمثلة و اقعية
• في التاريخ نجد قادة حملوا جينات القوة لكنهم استخدموها بطرق مختلفة :
o الإسكندر الأكبر قاد حروبًا للتوسع .
o عمر بن الخطاب استخدم القوة نفسها في نصرة الحق والعدل .
o هذا يوضح أن الاستعداد الوراثي قد يكون واحدًا، لكن القيم والبيئة تحدد الاتجاه .
• في الطب النفس ي، هناك أشخاص لديهم استعداد وراثي للإدمان، لكن من يعيش في بيئة صحية وداعمة قد لا يقع في هذا الفخ أبدًا .
الأخلاق المكتسبة… درع المجتمع
الأخلاق ليست فقط صراعًا بين الجينات والاختيار الفردي، بل هي أيضًا نتاج ثقافة جماعية . فالمجتمعات التي تضع قوانين رادعة، وتؤسس للتربية الأخلاقية، وتكافئ السلوك الإيجابي، تنجح في تقليل العنف والجريمة .
أما المجتمعات التي تهمل التعليم والقيم، فتترك الميول الوراثية دون توجيه، فتظهر السلوكيات السلبية بوضوح .
بين الفطرة والتجربة
يمكننا أن نلخص الرؤية هكذا :
• الجينات تمنح الإنسان بذورًا للسلوك (الطبع) .
• البيئة والتربية تسقي هذه البذور (التنشئة).
• الإرادة الحرة تحدد أي البذور ستثمر (الاختيار) .
وبذلك يصبح الإنسان مسؤولاً عن نفسه، لا ضحية جيناته فقط، ولا أسير بيئته وحدها.
كلمة ختامية
هل يولد الإنسان بخير أو شر مكتوب في جيناته؟
العلم يقول: يولد باستعدادات متعددة.
الدين يقول: يولد على الفطرة السليمة .
الفلسفة تقول: يُشكلِ سلوكه بالاختيار والتجربة.
النتيجة أن الأخلاق ليست قدرًا جينيًا، بل رحلة يصنعها التفاعل بين الور اثة والبيئة والإرادة .
وهنا يكمن سر إنسانية الإنسان: أنه ليس مجرد مجموعة جينات، بل كائن قادر على الاختيار، والتعلم، والتغيير، وصناعة معنى لحياته .
(*) د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة بكلية الزراعة، جامعة المنيا، الرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، بالقاهر الرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، عضو المجلس العالمي للنبات (GPC) ، عضو اتحاد كتاب مصر
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز