على هامش تخليد اليوم العالمي للمناخ …
ودعوة متجددة للتحرك الجماعي من أجل التحديات المستقبلية.
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور يوسف الكمري، أستاذ باحث – شبكة العمل المناخي بالعالم العربي، 10 ديسمبر 2025
يشكل اليوم العالمي للمناخ، الذي يحتفى به في الثامن من دجنبر من كل سنة، محطة سنوية لإبراز المجهودات المبذولة وللتذكير بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وطموحة لمواجهة تداعيات تغير المناخ، خاصة بعد مرور أسبوعين فقط على انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للأطراف ذي الصلة بالاتفاقية الإطارية بشأن تغيّر المناخ “كوب 30” في بيليم بالبرازيل، إذ يأتي هذا الحدث الدولي ليؤكد الحاجة الملحة للحد من الآثار المتسارعة للاختلالات المناخية، ولا سيما على الدول النامية.
في اليوم العالمي للمناخ، نسلّط الضوء على المجهودات التي بذهل المغرب في شأن السياسة المناخية، وما يعيشه من تحديات متسارعة مع تغيّر المناخ. فمع ازدياد موجات الحرارة وندرة الأمطار وتواتر فترات الجفاف والفيضانات، تتأثر النظم البيئية ومواردنا الطبيعية، مما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي والمائي ورفاه المجتمعات المحلية.
تتضح المظاهر الأولى لتغير المناخ بالمغرب في اضطراب معدل التساقطات وارتفاع معدل درجة الحرارة. الشيء الذي يؤثر بشكل سلبي على الموارد الطبيعية، والنظم الايكولوجية المتنوعة والمتعددة وعلى الإنتاج الزراعي (النباتات والحيوانات(. وإدراكًا منه لتداعيات تغير المناخ على النظم البيئية والقطاعات الاجتماعية والاقتصادية في السنوات الأخيرة، اعتمد المغرب نهجا طوعيا ومتكاملا وتشاركيا ومسؤولا في جهوده للتكيف والتخفيف، والتي تشكل إحدى الركائز الرئيسية لاستراتيجيته الوطنية للتنمية المستدامة (SNDD).
في سنة 1992، انضم المغرب إلى الجهود الدولية لمكافحة تغير المناخ من خلال التوقيع والمصادقة على الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، ومنذ ذلك الحين، انخرط المغرب جديا في المجهودات الدولية لمحاربة آثار التغيرات المناخية. فقد كانت المملكة المغربية أول بلد عربي إفريقي ينظم مؤتمر الدول الأطراف، كان ذلك سنة 2001 حيث احتضنت مراكش الدورة السابعة (COP7)، والتي قدم المغرب خلالها التقرير الوطني الأول. كما أعطت هذه الدورة دفعة قوية لتفعيل بروتوكول كيوطو (خصوصا آلية التنمية النظيفة). لذلك، يؤيد المغرب السعي المستمر لتنفيذ اتفاق باريس الذي ينص في مادته 4 (9) على الإبلاغ عن المساهمة المحددة وطنيا (CDN) كل خمس سنوات ابتداء من 2020. وقد بدأ المغرب خلال سنة2020) تحيين مساهمته المحددة وطنيا (CDN)، التي أنجزت في 19 سبتمبر 2016. وقبل انعقاد مؤتمر المناخ “كوب 30” في نونبر 2025 بمدينة “بليم” البرازيلية، قدّم المغرب رسمياً إلى أمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ مساهمته الوطنية المحددة الجديدة CDN 3.0 للفترة 2026-2035، في خطوة تبرز ارتفاع طموحه البيئي. ويسعى المغرب من خلال هذه الوثيقة إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 53% في أفق 2035، منها 21.6% بتمويل وطني، و31.4% رهينة بدعم دولي. وتعتمد المساهمة الوطنية 197 مشروعاً، 90 مشروعاً للتخفيف من الانبعاثات بكلفة 60 مليار دولار، و107 مشروعا يخص التكيف مع التغيرات المناخية بقيمة 36 مليار دولار، يخصص معظمها تدبير الثروات المائية والأمن الغذائي. كما تتضمن تحفيز مشاركة القطاع الخاص عبر الاستراتيجية الوطنية لتمويل المناخ 2030 والانفتاح على آليات سوق الكربون.
ويأتي هذا التوجه في ظل تزايد هشاشة المغرب أمام التغير المناخي، حيث يُتوقع أن تتجاوز درجات الحرارة 3 درجات مئوية بحلول 2050، مع انخفاض التساقطات وتفاقم الإجهاد المائي. وفيما يخصص التخطيط المناخي وعلى المستوى الوطني، وضع المغرب مخططه الوطني للمناخ 2020-2030 (PCN) الذي يهدف إلى إرساء أسس تنمية منخفضة الكربون ومقاومة لتغير المناخ، وأيضاً من خلال المخطط الوطني للتكيف(PNA).. وكجزء من تنفيذ سياسة المناخ على المستوى الإقليمي، عملت الوزارة الوصية على القطاع على وضع مخططات مناخية جهوية (PCR) لجميع جهات المملكة، مع الاستفادة من مزايا الجهوية المتقدمة.
وعلاقة بالإبلاغ عن المناخ، فقد قدم المغرب، في إطار التزامه بالاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ، ثلاثة بلاغات وطنية، أولها في عام 2001 (البلاغ الوطني الأول) (CNI) ، والثاني في عام 2010 (البلاغ الوطني الثاني (SCN)) والثالث في عام 2016 (البلاغ الوطني الثالث (TCN)) ، والرابع سنة 2020 (QCN)، والخامس سنة 2024 مندمجا مع تقرير الشفافية الأول (CN5&RBT1). في الوقت نفسه، نشر المغرب أيضًا تقرير التحديث الأول لفترة السنتين (BUR1) في عام 2016 والتقرير الثاني لتحديث فترة السنتين (BUR2) في عام 2019. ويقدم هذا التقرير معلومات عن قوائم جرد غازات الاحتباس الحراري، وعن تدابير التخفيف، وعن احتياجات والدعم المحصل عليه.
كما يشهد للمغرب الكفاءة فيما يخص الحكامة المناخية حيث تم إضفاء الطابع المؤسساتي على اللجنة الوطنية لتغير المناخ والتنوع البيولوجي (CNCCDB)، وإقرار مشروع قانون بشأن المناخ. يهدف إلى وضع المبادئ الأساسية والأهداف الوطنية وإطار حكامة متكامل وشامل لعمل مؤسسات الدولة فيما يخص مكافحة تغير المناخ.
وفي الأخير وعلاقة بمؤشر الأداء المناخي، فقد عزز المغرب مكانته كرائد عالمي في مجال الأداء المناخي، حيث احتل مرة أخرى المرتبة الثالثة في مؤشر الأداء المناخي برسم سنة 2026 حيث أكد التقرير الذي تم نشره مؤخرًا في المؤتمر الثلاثين للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP30) وضع المغرب ضمن الدول الخمس التي لديها سياسة مناخية قوية، إلى جانب الدنمارك والبرازيل والمملكة المتحدة والصين.
وبالفعل، يواصل المغرب مسيرته المتميزة في مجال الأداء المناخي ويشكل قوة إقليمية لا غنى عنها، سواء لالتزامه بالتنمية المستدامة أو لجهوده في إطار المجهود العالمي لمكافحة تغير المناخ. وتجدر الإشارة إلى أن تصنيف مؤشر الأداء المناخي (IPCC) 2026 تم وضعه بحيث لا يتم منح المراكز الثلاثة الأولى لأي بلد، نظراً لأن هذه المستويات لم يتم الوصول إليها بعد لتأكيد التوافق التام مع أهداف اتفاقية باريس. كما يعتبر مؤشر CCPI أداة مستقلة تحلل الأداء المناخي لـ 63 دولة، بما في ذلك الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (بشكل فردي وجماعي). ويستند إلى أربعة معايير رئيسية وهي انبعاثات الغازات الدفيئة، والطاقة المتجددة، والنجاعة الطاقية والسياسة المناخية.
في هذا اليوم العالمي للمناخ، ندعو الجميع كمؤسسات حكومية وقطاع خاص والمجتمع المدني إلى بذل المزيد من الجهود الفعلية والمشاركة في الحد من تداعيات التغيرات المناخية، فالتصدي للتغير المناخي مسؤولية مشتركة، وبناء مستقبل أكثر أمانًا يبدأ بتبني مقاربات تشاركية ومسؤولة. حماية المناخ اليوم لا يمكن اعتبارها خيارًا، بل ضرورة لضمان غدٍ أفضل للأجيال القادمة.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز