مجلة علمية مرموقة تسحب دراسة علمية بعد ربع قرن من التضليل
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 09 ديسمبر 2025
منذ فجر النهضة العلمية، وقر في الضمير الإنساني أن العلم هو الحرم المقدس للحقائق المجردة، وأن البحث العلمي هو تلك الأداة النزيهة التي تهدف لخدمة البشرية وحمايتها، بعيداً عن الهوى والمصالح الضيقة. وفي عالم البحث العلمي، تُعد “المصداقية” هي العملة الأكثر قيمة، و”النزاهة” هي الحصن الذي يحمي البشرية من الأخطاء القاتلة. لقد بنيت الثقة بين العالِم والمجتمع على أساس متين من المصداقية والأمانة. ولكن، ماذا يحدث عندما تتسلل قوى المال والنفوذ التجاري إلى هذا المحراب؟ وماذا يحدث عندما تتسلل أصابع الشركات العابرة للقارات إلى هذا الحصن؟ وماذا لو اكتشفنا أن بعض “الحقائق” التي استندت إليها حكومات ومنظمات دولية لعقود، لم تكن سوى “بضاعة مغشوشة” سُوّقت لنا بغلاف علمي براق؟ وفي النهاية: ماذا لو اكتشفنا أن دراسة علمية “أيقونية” استندت إليها حكومات ومنظمات دولية لمدة 25 عاماً لتبرير استخدام مبيد كيميائي واسع الانتشار، لم تكن سوى “مسرحية” مُحكمة التأليف والإخراج؟
اليوم، نحن أمام زلزال علمي وأخلاقي حقيقي. ففي سابقة تاريخية، أعلنت إحدى الدوريات العلمية المرموقة سحب ورقة بحثية كانت تُعتبر لسنوات طويلة “المرجع الذهبي” الذي يبرئ ساحة مبيد الأعشاب الشهير “راوند أب” ومادته الفعالة “الجلايفوسات” من تهمة التسبب في السرطان. كانت الدراسة تُستخدم كدرع واقٍ لشركة “مونسانتو” لنفي علاقة مبيداتها بالسرطان، وهذا القرار ليس مجرد إجراء تحريري روتيني، وليس مجرد حدث عابر في الأوساط الأكاديمية، بل هو انتصار للحقائق العلمية الدامغة على سطوة المال والنفوذ، وهو درس قاسٍ يعلمنا أن الحقيقة العلمية قد تتأخر، لكنها لا تموت. إنه جرس إنذار مدوٍ، يعيد إلى الأذهان تاريخاً طويلاً ومظلماً من محاولات الشركات الكبرى تطويع العلم وليّ عنق الحقائق لخدمة أرباحها، حتى لو كان الثمن هو الصحة العامة وسلامة البيئة.
عبر هذا التقرير العلمي المفصل، نغوص في تفاصيل “أوراق مونسانتو”، ونكشف خبايا “الكتابة الشبحية”، ونحلل تداعيات هذا الحدث الجلل على الصحة العامة والسياسات البيئية العالمية.
القصة الكاملة لسقوط “الدراسة الشبح”
إن ظاهرة “مصانع الشك” أو “تصنيع الشك” ليست وليدة اليوم، ولا تقتصر على صناعة المبيدات. فالتاريخ القريب يخبرنا أن “دليل التشغيل” الذي استخدمته “مونسانتو”، قد كُتبت فصوله الأولى في منتصف القرن العشرين في أروقة شركات التبغ الكبرى. وحينما بدأت الأدلة العلمية تتراكم في الخمسينيات والستينيات حول العلاقة السببية بين التدخين وسرطان الرئة، لم تقف شركات التبغ مكتوفة الأيدي. وبدلاً من الاعتراف بالحقيقة، أطلقت واحدة من أشرس حملات العلاقات العامة في التاريخ، مستعينة بـ “علماء للإيجار”. لم يكن هدفهم إثبات أن التدخين آمن، بل كان هدفهم “خلق الشك”، والقول بأن “العلم لم يحسم أمره بعد”، مما أدى لتأخير التشريعات التنظيمية لعقود، ودفع ملايين البشر حياتهم ثمناً لذلك. لقد انتقلت هذه العدوى لاحقاً إلى صناعات أخرى؛ من إنكار تأثير الرصاص في الوقود، إلى التشكيك في ظاهرة التغير المناخي من قبل شركات الوقود الأحفوري، وصولاً إلى صناعة الكيماويات الزراعية والمبيدات. القاسم المشترك في كل هذه الحالات هو استخدام “واجهة علمية” لإخفاء أجندة تجارية.
تكشفت خيوط هذه الفضيحة لأول مرة عام 2017، ضمن وثائق دعوى قضائية عُرفت بـ “أوراق مونسانتو”. أظهرت الرسائل الداخلية المسربة نقاشات بين مسؤولي الشركة حول كيفية الرد على تقرير الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC) الذي صنف الجلايفوسات كمادة “محتمل أن تكون مسرطنة”. وفي إحدى الرسائل الصادمة، كتب مسؤول تنفيذي في مونسانتو يقترح استراتيجية للرد: “يمكننا أن نطلب من العلماء وضع أسمائهم على البحث، ولكننا سنبقي التكلفة منخفضة عن طريق قيامنا نحن بالكتابة، وهم يوقعون بأسمائهم فقط.. هكذا تعاملنا مع ورقة ويليامز وكرويس ومونرو عام 2000”. هذا الاعتراف الصريح كان الدليل الدامغ الذي هدم مصداقية الورقة بعد ربع قرن.
في عام 2015. وفي 28 نوفمبر 2025، وعبر بيان شديد اللهجة، أعلن البروفيسور مارتن فان دن بيرغ، رئيس التحرير المشارك لمجلة “علم السموم التنظيمي وعلم الأدوية ” (Regulatory Toxicology and Pharmacology)، سحب الورقة البحثية المنشورة عام 2000، والتي حملت أسماء ثلاثة علماء هم: “ويليامز، وكرويس، ومونرو”.
وأكد “فان دن بيرغ”، عالم السموم البارز بجامعة أوتريخت، أن قرار السحب جاء نتيجة “مخاوف أخلاقية جسيمة” وشكوك عميقة حول صحة النتائج. وقال في بيان السحب: “لقد نُظر إلى هذه المقالة على نطاق واسع باعتبارها ورقة مميزة ومرجعية في الخطاب العلمي المحيط بمدى مسرطنة الجلايفوسات. ومع ذلك، فإن عدم الوضوح بشأن الأجزاء التي كتبها موظفو شركة مونسانتو يخلق حالة من عدم اليقين حول نزاهة الاستنتاجات.”
دور “حراس العلم”: حينما ينتصر الضمير العلمي ولو بعد حين
لم يكن قرار السحب ليصدر لولا جهود حثيثة قادتها المؤرخة العلمية ناعومي أوريسكس من جامعة هارفارد، والباحث ألكسندر كوروف. ففي يوليو 2025، نشر هذا الفريق تحليلاً دقيقاً أثبت أن هذه الورقة المشبوهة كانت لا تزال تُستخدم بقوة، حيث صنفت ضمن أعلى 0.1% من الدراسات استشهاداً في الأبحاث المتعلقة بالجلايفوسات.
الأمر المثير للقلق الذي كشفته “أوريسكس” هو أن معدلات الاستشهاد بالدراسة لم تتأثر تقريباً حتى بعد تسريبات 2017، وظلت تُستخدم في الوثائق التنظيمية الحكومية. تقول أوريسكس: “خوفي هو أن يستمر الناس في الاستشهاد بها. مع هذا السحب، آمل أن ينتشر الخبر بأن هذه الدراسة لا يجب استخدامها كمصدر موثوق للمعلومات بعد الآن”.
وبعيداً عن الشق الأخلاقي، أشار بيان السحب إلى كوارث علمية في متن الدراسة نفسها:
الاعتماد على دراسات الشركة: اعتمد المؤلفون فقط على دراسات وبيانات غير منشورة قدمتها شركة مونسانتو نفسها.
الانتقائية: تجاهلت الورقة عدداً كبيراً من الدراسات المستقلة المنشورة في مجلات محكمة، والتي كانت تشير إلى أضرار محتملة للمبيد.
غياب المؤلفين: المؤلف الرئيسي، غاري ويليامز (طبيب متقاعد)، لم يرد على استفسارات المجلة، بينما توفي المؤلفان الآخران، مما جعل الدفاع عن الورقة مستحيلاً.
الجلايفوسات والسرطان: الجدل المستمر
مادة “الجلايفوسات” هي المكون النشط في مبيد الأعشاب “راوند أب”، وهو المبيد الأكثر استخداماً في العالم، سواء في الزراعة التجارية أو الحدائق المنزلية. وتصنف الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية الجلايفوسات على أنه “محتمل السرطنة للبشر”. وفي المقابل،لا تزال وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) والوكالة الأوروبية للمواد الكيميائية ترى أنه “من غير المرجح” أن يكون مسرطناً، وهو موقف كان يستند جزئياً إلى الدراسات التي روجت لها الشركات، مثل الورقة المسحوبة.
تواجه شركة “باير” (المالكة الحالية لمونسانتو) آلاف الدعاوى القضائية من أشخاص أصيبوا بـ “لمفومة اللاهودجكين” (Non-Hodgkin lymphoma) – وهو سرطان يصيب خلايا الدم البيضاء. يعتبر سحب هذه الورقة دليلاً قوياً للمدعين. تقول المحامية روبن غرينوالد: “لم يعد بإمكان مونسانتو الاعتماد على هذه الورقة. هذا دليل آخر على أننا كنا على حق”. وقد حكمت هيئات محلفين بتعويضات بمليارات الدولارات لضحايا السرطان في قضايا سابقة، مما يعكس قناعة شعبية وقضائية متزايدة بخطورة المبيد.
الكتابة الشبحية: الوجه القبيح للتحريف العلمي
لكي نفهم فداحة ما حدث، يجب أن نعود إلى مصطلح “الكتابة الشبحية” (Ghostwriting) كأحد أخطر أشكال هذا التلاعب. وهي عملية يقوم فيها موظفو الشركة بكتابة الأبحاث وصياغة نتائجها بما يخدم مصالحهم، ثم يدفعون لعلماء أكاديميين مستقلين ظاهرياً لوضع أسمائهم عليها، ليكتسب البحث مصداقية زائفة. وفي العرف الأكاديمي، هذه ممارسة محرمة تماماً، وتعني أن يقوم طرف بكتابة البحث كاملاً، وتوجيه نتائجه، ثم يطلبون من علماء أكاديميين مستقلين وضع أسمائهم عليه ليظهر البحث وكأنه صادر عن جهة محايدة ومستقلة.
هذا النوع من الممارسات هو ما أشرت إليه بالتفصيل في كتابي “رحلة في عالم التحريف العلمي”. لقد حاولت في هذا المُؤلَّف تسليط الضوء على أن التحريف العلمي ليس مجرد “خطأ غير مقصود” يقع فيه باحث هنا أو هناك، بل هو في كثير من الأحيان “استراتيجية ممنهجة” تستخدمها كيانات ذات نفوذ هائل. في الكتاب، استعرضت كيف يتم التلاعب بتصميم التجارب، أو انتقاء البيانات، أو إخفاء تضارب المصالح، لخلق واقع علمي “موازٍ” يخدم الممول، وهو ما تجلى بوضوح في حالة دراسة الجلايفوسات المسحوبة.
درس في الأخلاق ومستقبل النزاهة العلمية
ختاماً، إن سقوط “ورقة مونسانتو” بعد ربع قرن من التضليل يحمل في طياته دلالات عميقة تتجاوز حدود قضية مبيد “الراوند أب”. إنه يمثل لحظة انتصار للحقيقة العلمية التي قد تُحجب لبعض الوقت، لكنها تأبى إلا أن تظهر في النهاية بفضل جهود المخلصين من الباحثين المستقلين والمحققين. إن سحب دراسة “ويليامز وزملائه” ليس مجرد نهاية لورقة بحثية، بل هو بداية لمرحلة جديدة من المساءلة والشفافية. إنها رسالة تذكير قوية لكل باحث وأكاديمي بأن “الأمانة العلمية” ليست شعاراً يُرفع، بل ممارسة تُرسي دعائم الثقة بين العلم والمجتمع.
إن صحة الإنسان وبيئتنا أغلى من أن تُترك رهينة لألاعيب الشركات الكبرى واستراتيجيات العلاقات العامة. ونحن إذ ننقل هذا الخبر، نؤكد على أهمية الاعتماد على العلم المستقل والنزيه في اتخاذ القرارات التي تمس حياتنا اليومية وغذاءنا. ربما تكون “ورقة التوت” قد سقطت اليوم عن مونسانتو، ولكن الأهم هو أن تظل أعيننا مفتوحة، وعقولنا يقظة، لحماية مستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة من أي تضليل علمي محتمل.
إن الدرس الأهم الذي يجب أن نستوعبه جميعاً – كعلماء، وصناع قرار، وجمهور – هو أن “العلم المُموَّل من جهات ذات مصلحة” يجب أن يُخضع دائماً لأقصى درجات التدقيق والشك المنهجي. إن كلفة التهاون في معايير النزاهة العلمية والإفصاح عن تضارب المصالح لا تُقاس بالمال، بل تُقاس بصحة البشر وسلامة منظومتنا البيئية.
ونحن إذ نضع هذه الحقائق بين أيديكم، نؤكد على أهمية الوعي العام، ودعم البحث العلمي المستقل، لضمان أن تظل قراراتنا البيئية والصحية مبنية على أدلة راسخة، لا على أوهام مدفوعة الثمن. لتبقى أعيننا يقظة، ولنحمي معاً قدسية العلم ومستقبل أجيالنا.
دمتم في رعاية الله، سالمين وواعين.
(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز