الجبال… رواية الكوكب الصامتة: قراءة موسّعة في اليوم العالمي للجبال

• حين تتكلم الجبال… قراءة في علاقتها بالمناخ والحياة والإنسان

• كيف تحولت الجبال من خلفية المشهد الطبيعي إلى خط الدفاع الأخير عن توازن الكوكب؟

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي، 11 ديسمبر 2025
في صباح الحادي عشر من ديسمبر، حين تتردّد في أنحاء العالم عبارة “اليوم العالمي للجبال”، لا يكون الاحتفاء مجرد مناسبة بيئية عابرة، بل لحظة تأمل عميقة في واحد من أقدم الحضور الطبيعي على سطح الأرض. فمنذ أن أقرت الأمم المتحدة هذا اليوم عام 2003، صار الحديث عن الجبال يتجاوز دهشة الجمال إلى إدراك أكثر جوهرية: أن الجبال ليست مكوّنًا جغرافيًا ثابتًا بقدر ما هي منظومة حياة معقدة، تتحرك بصمت، وتؤثر بعمق، وتشكل سيرة المناخ وتاريخ الإنسان معًا.

حين نقترب من الجبال بوصفها كتلاً صخرية هائلة فقط، نخسر نصف القصة. فهذه المرتفعات التي تلامس السماء هي التي تحفظ في أحشائها الأنهار الجليدية، وتُهدي العالم أكثر من سبعين في المئة من مياهه العذبة، وتُنعش رئتي الكوكب بغابات تتربع فوق ارتفاعات لا تعرف عنها سوى الطيور والغيوم. إنها أشبه بخزائن كونية تحفظ توازن المناخ وتعيد تدوير الحياة دون أن تطلب شيئًا في المقابل. لكنها اليوم تواجه تحديًا وجوديًا يفرضه تغيّر المناخ، في وقتٍ يتباطأ فيه وعي البشر بأهمية هذه القلاع الطبيعية.

ولأن السؤال الحقيقي في عصر المناخ لم يعد: هل تغيّر المناخ حقيقة؟ بل: كيف نواجهه؟، يصبح لزامًا علينا أن نعيد النظر في الجبال التي تتآكل أطرافها وتضطرب أنظمتها البيئية. إن ذوبان الأنهار الجليدية في الهيمالايا، مثلًا، لا يعني فقط تقلّص كتلة من الثلج؛ بل بداية سلسلة من التغيرات الهيدرولوجية التي تصل آثارها إلى آلاف الكيلومترات، وتطال مدنًا كبرى تعتمد على الإمدادات المائية القادمة من تلك الجبال. وفي جبال الألب، يتقلّص الغطاء الجليدي عامًا بعد عام، ما يغيّر مسارات المياه الجوفية، ويهدّد السياحة الشتوية، ويزعزع استقرار الصخور التي كانت متماسكة بفعل التجمد الدائم.

أما في منطقتنا العربية، فإن الجبال تواجه تحديًا مزدوجًا: تغيّر المناخ من جهة، والتدخل البشري غير المنظم من جهة أخرى. فالممارسات التقليدية في الرعي والزراعة كانت يومًا ما جزءًا من نظام بيئي متوازن، لكنها اليوم، تحت ضغط السكان واتساع المدن، تحولت إلى عامل تدهور. الجبال التي كانت ملاذًا طبيعيًا للعرعر واللبان والبابونج باتت تخسر غطائها النباتي تدريجيًا، بينما صارت موجات الجفاف الطويلة تفرض واقعًا من هشاشة التربة وانهيارات السفوح.

ومن أخطر المؤشرات البيئية التي نعيشها اليوم ظاهرة “الهجرة العمودية” للنباتات، حيث تبحث الأنواع النباتية عن درجات حرارة أقل فيرتفع توزيعها إلى قمم أعلى. هذا التحرك الصامت، الذي وثقته دراسات في أوروبا وآسيا والأمريكيتين، نشهده أيضًا في العالم العربي. شجرة العرعر في جبال الحجاز وعسير لم تعد تنتشر في مناطقها التقليدية كما كانت، والبابونج الجبلي في بلاد الشام يتراجع كلما ارتفعت الحرارة، أما إكليل الجبل في شمال إفريقيا فقد بدأ رحلته الحذرة نحو المرتفعات الأعلى. هذه الهجرات النباتية ليست مجرد ظاهرة بيولوجية، بل إنذار مبكر على تغيّر جذري في النظم البيئية.

وفي خضم هذه التحديات، يظهر للجبال وجه آخر من الحكاية: قدرتها على إنقاذنا. فالجبال هي مهدُ المياه ومصدر استقرار المناخ. من جبال الأنديز إلى جبال الأطلس، ومن جبال الهيمالايا إلى جبال عُمان، نجد أن كل حضارة عظيمة في التاريخ نشأت قرب سلسلة جبلية أو استفادت من نظامها المائي. ليس من المبالغة القول إن المدن الكبرى، بما فيها تلك التي تقع على السواحل، مدينة للجبال التي تغذي أنهارها وتوازن رطوبتها وتحميها من أن تصبح ساحات للعواصف.

وإذا كانت الجبال تمنحنا الكثير، فإن علاقتنا بالسياحة الجبلية تكشف مدى قدرتنا على ردّ الجميل أو إلحاق الضرر. فعندما تُدار السياحة بروح بيئية، كما في محميات جبال الحجر في سلطنة عمان أو في مسارات جبال الأطلس في المغرب، تصبح الجبال مصدر دخل للمجتمعات المحلية، ومختبرًا حيًا للسياحة المستدامة. لكن حين تتحول السياحة إلى نشاط عشوائي، كما يحدث في الهيمالايا حيث تتراكم النفايات في أعلى نقطة على الأرض، أو كما في بعض سلاسل الجبال العربية التي تتعرض لاجتياح سيارات الدفع الرباعي، فإننا نصنع خللًا قد يستغرق تعويضه قرونًا.

إن تحقيق التوازن بين الاستفادة من الجبال وحمايتها يتطلب إعادة صياغة فلسفة التعامل مع الطبيعة. فالقضية لم تعد مجرد حماية مسارات أو منع تلوث، بل إعادة التفكير في الجبل باعتباره نظامًا حيًا، له قدرة محدودة على استيعاب الزوار، وله احتياجات بيئية يجب أن تُحترم. فكما نحدد للحياة البرية مواسم صيد، يجب أن نحدد للجبال حدودًا لا يجوز تجاوزها، وأن نعيد استثمار عوائد السياحة مباشرة في حماية الغابات، وترميم التربة، وتمكين سكان الجبال ليصبحوا شركاء حقيقيين في صون مناطقهم.

ولا يمكن الحديث عن حماية الجبال دون الاعتراف بالدور المحوري للمجتمعات الجبلية. هؤلاء السكان، الذين عاشوا لقرون في وئام مع الطبيعة، يحملون إرثًا من المعرفة حول الزراعة التقليدية وإدارة المياه والإنذار المبكر للحرائق، وهي معارف لا يمكن لأي مؤسسة حديثة أن تستبدلها. إن إشراكهم في صنع القرار ليس مجاملة اجتماعية، بل ضرورة بيئية.

أما التنوع البيولوجي في الجبال، فهو قصة ما زال العالم يتعلم فصولها. فبفضل اختلاف الارتفاعات والجيوب المناخية الدقيقة، تحولت الجبال إلى موطن لبعض أندر النباتات والحيوانات. إنها مختبر طبيعي يختبر قدرة الكائنات على التكيف، ويحفظ تاريخًا وراثيًا لا يقدّر بثمن. ومع ذلك، يظل هشًا، ويحتاج إلى هدوء قُدسي لا توفره السياحة العشوائية ولا النشاط الصناعي غير المنظم.

ولا تخلو المسؤولية الفردية من دورها هنا؛ فأبسط السلوكيات خلال الرحلات—كالالتزام بالمسارات المحددة، وعدم ترك أي نفايات، واحترام الحيوانات والنباتات—ليست مجرد قواعد، بل ممارسات تُحدث آثارًا تراكمية تحفظ للجبل مهابته ولمشهد الطبيعة توازنه.

وعلى الحكومات والمؤسسات أن تتبنى رؤية بعيدة المدى لإدارة الجبال: وضع استراتيجيات وطنية خاصة بالجبال، إنشاء محميات جديدة، دعم الزراعة التقليدية، تطوير بنى تحتية خضراء، واستخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد لمراقبة الانهيارات والحرائق. فإهمال الجبال اليوم يعني خسارة مصدر مائي رئيسي، ومستنبتًا للتنوع البيولوجي، ودرعًا طبيعيًا ضد الكوارث، وقبل كل شيء يعني خسارة سجلّ مناخي يحكي قصة الكوكب.
إن الجبال ليست صخورًا صمّاء، بل ذاكرة المناخ، ورئة الماء، وشرايين التنوع الحيوي، وعمود الحياة الذي يقوم عليه توازن الأرض. وحين نرفع بصرنا نحو القمم الشاهقة، لا ينبغي أن نرى مجرد منظر جميل، بل مسؤولية مشتركة تجاه واحد من آخر الملاذات التي تحمي الكوكب من هشاشته.
إن حماية الجبال اليوم… هي حماية للحياة نفسها. ومن يصون الجبال اليوم، يكتب مستقبلًا أكثر عدلًا واستدامة للأجيال القادمة.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الحمضيات… تنوّع بيئي وصورة عن غنى الأرض (05 – 06)

عماد سعد: •من زاوية الأمن الغذائي تحمل الحمضيات رسالة مختلفة لكنها مكملة لبقية الرموز الزراعية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *