مصر تدشن حقبة “الابتكار الأخضر”.. فجر جديد للابتكار العربي يشرق من العاصمة الإدارية

قراءة بيئية واقتصادية في مخرجات المعرض الدولي لتسويق مخرجات البحوث والابتكار

شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 12 ديسمبر 2025
في خطوة استراتيجية تعكس تحولاً جذرياً نحو “الاقتصاد القائم على المعرفة” و”النمو الأخضر”، شهدت العاصمة الإدارية المصرية الجديدة – أيقونة المدن الذكية والمستدامة في المنطقة – انطلاق فعاليات المعرض الدولي لتسويق مخرجات البحوث والابتكار (IRC EXPO 2025). هذا الحدث، الذي حظي برعاية كريمة من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي وحضور رفيع المستوى لدولة رئيس مجلس الوزراء ولفيف من الوزراء، لم يكن مجرد منصة لعرض الاختراعات، بل كان إعلاناً صريحاً عن دخول مصر عصر “توطين التكنولوجيا النظيفة”.

ومن قلب العاصمة الإدارية الجديدة، التي تقف اليوم شامخة كشاهد حي على إرادة الدولة المصرية في عبور المستقبل، وتحديداً من داخل أروقة المعرض الدولي لتسويق مخرجات البحوث والابتكار(IRC EXPO 2025)، استطعت أن أرى بوضوح ملامح “الجمهورية الجديدة” وهي تتشكل، ليس بالحجر والأسمنت فحسب، بل بالعلم والمعرفة. إن ما شهدته خلال تجوالي بين أجنحة هذا المحفل العلمي العالمي، لم يكن مجرد معرض تقليدي للنماذج الأولية، بل كان “إعلان استحقاق” وتدشيناً لحقبة جديدة من “السيادة التكنولوجية”.

وبصفتي متابعاً للشأن العلمي والبيئي، أرى أن هذا المعرض يمثل نقطة تلاقٍ حيوية بين “المعمل” و”السوق”، وبين “التحديات البيئية” و”الحلول المبتكرة”. ولقد شعرت بفخر غامر وأنا أرى الفجوة التاريخية بين الأكاديميا والصناعة تتلاشى أمام عيني، بفضل رؤية سياسية واعية وإرادة إدارية مخلصة. وفي هذا المقال، أحاول رصد وتحليل الدور الاستراتيجي الذي تلعبه أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في هندسة هذا التحول، وكيف أصبح هذا الحدث منصة انطلاق للعمل العربي المشترك نحو مستقبل أكثر خضرة واستدامة واسلط الضوء على أبرز المخرجات التي تخدم أهداف التنمية المستدامة (SDGs) وتعزز من قدراتنا العربية في مواجهة التغير المناخي.

من “استهلاك التكنولوجيا” إلى “صناعة الحلول المستدامة”
أكد معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أيمن عاشور، أن مصر تمتلك اليوم “جيشاً من العقول” قوامه مليون باحث. هذا الرقم الضخم يمثل رأس مال بشري لا يقدر بثمن، يتم توجيهه الآن عبر مبادرة “تحالف وتنمية” لحل مشكلات الصناعة والطاقة والمياه. إن احتلال مصر للمرتبة 83 عالمياً ضمن أفضل 100 تجمع للعلوم والتكنولوجيا لعام 2025، وتصدرها المشهد الإفريقي في استثمارات الشركات الناشئة (2 مليار دولار)، يؤكد أن البيئة الاستثمارية باتت جاهزة لاستقبال الابتكارات الخضراء.

السيارة الكهربائية المصرية: نقلة نوعية نحو “الحياد الكربوني”
لعل أبرز ما لفت انتباه المعنيين بالبيئة في هذا المعرض هو تدشين نموذج السيارة الكهربائية المصرية منخفضة السرعة (LSEV). إن أهمية هذا الابتكار لا تكمن فقط في كونه “صُنع في مصر”، بل في أثره البيئي المباشر:
خفض الانبعاثات: التوسع في هذه المركبات داخل المدن الذكية يقلل بشكل كبير من البصمة الكربونية لقطاع النقل.
كفاءة الطاقة: خفض تكلفة التشغيل بنسبة تصل لـ 80% مقارنة بالوقود الأحفوري.
التوطين: استهداف مكون محلي 100% يعني أننا نمتلك تكنولوجيا “البطاريات” و”أنظمة الدفع النظيف”، وهي حجر الزاوية في الاقتصاد الأخضر.

الرمال السوداء.. كنز للطاقة المتجددة
في جناح المعاهد البحثية، برزت تطبيقات “النانو تكنولوجي” لاستغلال الرمال السوداء المصرية. العلماء المصريون لم يكتفوا بفصل المعادن، بل نجحوا في تحويلها إلى:
خلايا شمسية مبتكرة: تعزز من كفاءة إنتاج الطاقة المتجددة.
أنابيب نانو كربونية: مواد فائقة التطور تدعم صناعات الإلكترونيات الصديقة للبيئة. هذا التحول من تصدير “المواد الخام” إلى تصدير “المواد المتقدمة” هو جوهر الاستدامة الاقتصادية.

أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا.. قاطرة وطنية لـ “تسليع المعرفة”
لم تكن أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا (ASRT) يوماً مجرد جهة لمنح الدرجات العلمية أو تمويل الأوراق البحثية النظرية فحسب، بل ظلت على مدار تاريخها “بيت الخبرة الوطني” وحاضنة الابتكار الأولى في مصر. ولكن، المتأمل للمشهد الحالي، وتحديداً مع النجاح الباهر لمعرض (IRC EXPO 2025)، يلحظ تحولاً نوعياً في استراتيجية الأكاديمية تحت قيادة إدارتها الحالية، ممثلة في الأستاذة الدكتورة جينا الفقي، القائم بأعمال الرئيس. هذا التحول يمكن وصفه بـ “الانتقال من دعم البحث العلمي إلى إدارة الابتكار وتسويقه”.

إن الدور المحوري الذي تلعبه الأكاديمية اليوم يتجاوز الأدوار التقليدية؛ فهي تعمل بوعي استراتيجي لردم الفجوة العميقة التي طالما أرقت الاقتصادات النامية، وهي الفجوة بين “المعمل” و”المصنع”. ويتجلى هذا الدور في تبني الأكاديمية لسياسات جريئة تهدف إلى “تسليع المعرفة”، أي تحويل النظريات والمعادلات وبراءات الاختراع إلى منتجات ملموسة ذات قيمة اقتصادية، تساهم في الناتج المحلي الإجمالي وتوفر بدائل محلية للمستورد.

ويُحسب للدكتورة جينا الفقي وفريق عملها الدؤوب، تلك الديناميكية العالية في الإدارة، والقدرة على حشد وتنسيق الجهود بين مختلف أطراف منظومة الابتكار (الجامعات، المراكز البحثية، القطاع الخاص، والمؤسسات الصناعية الكبرى). إن تنظيم حدث بحجم (IRC EXPO 2025) ليس مجرد “تنظيم لوجستي”، بل هو تتويج لسنوات من العمل الشاق في برامج متخصصة أطلقتها الأكاديمية، مثل “التحالفات التكنولوجية”، ومكاتب نقل التكنولوجيا، والحاضنات التكنولوجية “انطلاق”.

لقد نجحت الأكاديمية في تغيير العقيدة البحثية لدى العلماء المصريين، من البحث من أجل الترقية، إلى البحث من أجل التطبيق. وما رأيناه في المعرض من نماذج للسيارات الكهربائية، وتطبيقات النانو تكنولوجي، وحلول الزراعة الذكية، هو ثمرة مباشرة لهذا الفكر الإداري المتطور الذي يؤمن بأن البحث العلمي هو “قاطرة التنمية” الحقيقية، وأن دور الأكاديمية هو تعبيد الطريق أمام الباحثين للوصول إلى الأسواق، وتذليل العقبات البيروقراطية، وتوفير التمويل اللازم للنماذج الأولية، لتصبح الأكاديمية بذلك الشريك الأهم للصناعة الوطنية في رحلة بحثها عن حلول مبتكرة ومستدامة.

اتحاد مجالس البحث العلمي العربية وتكامل العقول العربية
لم يكن تزامن انطلاق فعاليات المعرض الدولي لتسويق مخرجات البحوث والابتكار (IRC EXPO 2025) بالعاصمة الإدارية الجديدة، مع انعقاد الاجتماعات الهامة لاتحاد مجالس البحث العلمي العربية، مجرد مصادفة بروتوكولية، بل كان رسالة دلالية عميقة تؤكد أن “العلم لا وطن له، ولكن التحديات لها جغرافيا مشتركة”. هذا التزامن يذكرنا دائماً بحقيقة راسخة: أن التحديات البيئية والمناخية لا تعترف بالحدود السياسية؛ فندرة المياه، والتصحر، والاحتباس الحراري، هي هموم مشتركة تتقاسمها الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج.

من هنا، يكتسب المعرض الدولي لتسويق مخرجات البحوث والابتكار بُعداً قومياً عربياً يتجاوز النطاق المحلي. فالخبرات والحلول المبتكرة التي قدمتها العقول المصرية في أروقة المعرض، سواء كانت تقنيات متطورة وموفرة للطاقة في مجال تحلية المياه، أو حلولاً للهيدروجين الأخضر والطاقة الجديدة، أو أساليب الزراعة الذكية المقاومة للملوحة، لا تمثل رصيداً لمصر وحدها، بل هي “مخزون استراتيجي” ورصيد للأمة العربية جمعاء. إن هذه الابتكارات تمثل حلولاً جاهزة للتطبيق في بيئات عربية مشابهة تعاني من نفس التحديات.

وما زاد من زخم هذا البعد العربي، بقيادة معالي الأستاذ الدكتور عبد المجيد بن عمارة، هو المشاركة الفاعلة والمتميزة لمشروعات “التحالفات العربية”، التي جاءت لتؤكد أهمية العمل العربي المشترك في مجالات البحث والتطوير. لقد كان تواجد هذه المشاريع ضمن فعاليات المعرض بمثابة منصة حية لتبادل الخبرات، وعرض قصص نجاح لتكتلات بحثية ضمت علماء من دول عربية مختلفة عملوا سوياً لحل مشكلات إقليمية.

إن هذا المشهد التكاملي يدعو للتفاؤل، ويؤكد ضرورة المضي قدماً في تفعيل “الدبلوماسية العلمية” العربية. فالطريق نحو تحقيق التنمية المستدامة في عالمنا العربي يمر حتماً عبر توحيد الجهود البحثية، وإنشاء سوق عربية مشتركة للتكنولوجيا والابتكار، حيث تتكامل الموارد المالية للدول النفطية مع الثروات البشرية والعقول البحثية في دول أخرى، لنصنع معاً مستقبلاً آمناً ومزدهراً لشعوبنا، معتمدين على حلول نابعة من بيئتنا ومصممة بأيدي علمائنا.

التكنولوجيا الحيوية والأمن الغذائي العربي
لم يغفل المعرض تحديات التغير المناخي وتأثيرها على الزراعة. الشراكات التي تم استعراضها، خاصة مع الجانب الإيطالي، ركزت على استخدام التكنولوجيا الحيوية (Biotechnology) لاستنباط محاصيل مقاومة للجفاف والملوحة. هذه الابتكارات هي خط الدفاع الأول لمنطقتنا العربية التي تعاني من الشح المائي، وتضمن تحقيق الأمن الغذائي بطرق مستدامة.

تزامن المعرض مع اجتماعات هامة لاتحاد مجالس البحث العلمي العربية، وهو ما يذكرنا دائماً بأن التحديات البيئية لا تعترف بالحدود. إن الخبرات المصرية المعروضة في معرض (IRC EXPO 2025)، سواء في مجال تحلية المياه، أو الطاقة الجديدة، أو الزراعة الذكية، هي رصيد للأمة العربية جمعاء.

رهان على المستقبل.. وقيادة تستحق الإشادة
ختاماً، وبعد يوم حافل باللقاءات والمشاهدات الحية، لا يسعني إلا أن أسجل انطباعي الشخصي والمهني بكل تجرد وموضوعية: إننا أمام “نقلة نوعية” في الفكر الإداري للمنظومة العلمية في مصر. إن السياسة العلمية التي تنتهجها أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا حالياً، تحت القيادة الديناميكية والواعية للزميلة الفاضلة الأستاذة الدكتورة جينا الفقي، تستحق كل الإشادة والتقدير. لقد لمستُ في الأكاديمية روحاً جديدة، تتسم بالمرونة، والجرأة في اتخاذ القرار، والإيمان العميق بأن دور العالم لا ينتهي عند نشر الورقة البحثية، بل يبدأ منها. إن الدكتورة جينا وفريقها لم يكتفوا برفع الشعارات، بل نزلوا إلى أرض الواقع، وشبكوا الأيادي مع الصناعة، وفتحوا الأبواب للتحالفات العربية، محولين الأكاديمية إلى “خلية نحل” تضخ الابتكار في شرايين الاقتصاد الوطني.

إن المعرض الدولي لتسويق مخرجات البحوث والابتكار (IRC EXPO 2025) المنعقد بالعاصمة الإدارية الجديدة هو برهان عملي على أن مصر تمتلك العقول، وتمتلك البنية التحتية، والأهم من ذلك، تمتلك “الإرادة” لتحويل التحديات إلى فرص. وإن ما شهدناه في العاصمة الإدارية يبعث برسالة تفاؤل: نحن قادرون على تحويل التحديات البيئية إلى فرص اقتصادية. إن الاستثمار في البحث العلمي لم يعد ترفاً، بل هو طوق النجاة الوحيد لبناء مستقبل مستدام للأجيال القادمة. مصر اليوم تفتح ذراعيها لكل باحث ومستثمر عربي، لنصنع معاً مستقبلاً نظيفاً، ذكياً، ومزدهراً.

إنني أغادر هذا الحدث وكلي يقين بأن المستقبل الذي ننشده، والذي يقوم على اقتصاد المعرفة والتنمية المستدامة، لم يعد حلماً بعيد المنال، بل هو واقع يُصنع الآن بأيدٍ مصرية وعربية مخلصة. إن الرهان على العلم هو الرهان الوحيد الذي لا يخسر أبداً، ومصر اليوم تكسب الرهان.

الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الحلول القائمة على الطبيعة.. فلسفة حياة وتصحيح لمسار حضاري

طوق النجاة الأخير لاستعادة توازن الكوكب أم ستار جديد لـ “الغسيل الأخضر”؟ شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *