“وجبة ….. إبداع وابتكار (113) “القيادة المرنة والقيادة التقليدية “

القيادة في عالم لا ينتظر: من يتكيّف يعيش… ومن يتمسّك يسقط.

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 13 ديسمبر 2025.

في مشهد تتغير فيه التحديات أسرع مما يلتقطه التخطيط، وتتحول فيه التقنيات قبل أن تتكيف معها السياسات، لم يعد القائد يملك الانتظار أو التمسك بأسلوب واحد كما لو أنه حقيقة ثابتة، فالبيئات التي كانت تستقر لسنوات أصبحت تتقلب خلال شهور، وأحياناً خلال أسابيع، والأسواق التي كان يمكن التنبؤ بها أصبحت تنقلب فجأة، والمهن التي كانت تسير على خطوط مستقيمة أصبحت مليئة بالانعطافات، وفي وسط هذا الاضطراب، يظهر سؤال حاسم:
هل تستطيع المؤسسة أن تعيش بقيادة تقليدية ثابتة؟ أم تحتاج إلى قيادة مرنة تمتلك القدرة على التكيّف، وتعيد تشكيل أدواتها كلما تغيّر الواقع؟

العالم كان يسير بإيقاع أبطأ، والأسواق تتحرك كالموج الهادئ، والتغيرات تأتي تدريجياً، والنماذج الإدارية الكلاسيكية التي وضعها هنري فايول كانت تعمل بكفاءة لأن العالم كان قابلاً للتوقع، كان القائد التقليدي يعتمد على القواعد والهياكل والرقابة الدقيقة؛ الاستقرار كان هدفاً، والثبات كان قيمة، والاتساق كان أولوية لا تُمسّ.

إلا أن المؤسسة الحديثة تقف في قلب واقع جديد؛ واقع يتغيّر أسرع مما تُحدّث فيه أدلة السياسات، وأقوى مما تتحمله البيروقراطية، وأوسع مما تستوعبه الأساليب القديمة للعمل، فلم يعد دور القائد هو حماية النظام، أو حارس لتطبيقه، بل حماية قدرة المؤسسة على التكيّف، لتولد “القيادة المرنة” لا كنقيض للانضباط، بل كتطور طبيعي له، فالقائد المرن لا يلغي الخطة، لكنه يتعامل معها كوثيقة حيّة، ولا ينتظر اكتمال الصورة كي يتحرك، بل يتحرك كي تكتمل الصورة، ليملىء الفراغ، ويعيد ترتيب الأولويات بسرعة، ويقرأ التغيرات قبل أن تتحول إلى أزمات، ويعتبر التكيّف مهارة تنظيمية، لا استجابة مؤقتة.

وتشير نماذج القيادة التكيفية لدى رونالد هيفتز إلى أن القائد المرن لا يقود بالأوامر، بل بالوعي؛ لا يبحث عن الإجابة الجاهزة، بل يصنع فريقاً يعرف كيف يطرح السؤال الصحيح.

ويتجلى الفارق بين القيادة المرنة والتقليدية بوضوح أكبر عندما ننظر إلى قصص حقيقية صنعتها الشركات نفسها، ففي شركة (Netflix) التي تأسست عام 1997 في كاليفورنيا، كنموذج بسيط لتأجير أقراص (DVD) بالبريد، تتضح المرونة كأسلوب حياة، فقد كانت بدايتها شركة تقليدية مقارنة بما أصبحت عليه اليوم، وكانت قيادتها ترى العالم يتحرك، وترى أن الزلزال الرقمي قادم، وبهذا أثبتت أن المرونة ليست قراراً شجاعاً، بل قدرة مؤسسية، ففي عام 2007، نفذت الشركة واحداً من أعظم التحولات في التاريخ الحديث، وانتقلت إلى خدمة البث الرقمي، ثم بعد سنوات قليلة دخلت عالم إنتاج المحتوى نفسه، فلم تنتظر حتى يفرض السوق تغييراً قاسياً، بل أعادت تشكيل نفسها قبل أن تجبرها الظروف على ذلك، فتحولت إلى نموذج جديد تماماً لأنها امتلكت قيادة مرنة تتعامل مع الزمن كعامل استراتيجي، لا كخطر.

وعلى النقيض الآخر هناك قصص تصرخ، بأن القيادة التقليدية مهما كانت قوية، تسقط أمام زمن لا يشبه الأمس مثل شركة (Nokia)، التي تأسست عام 1865 في فنلندا، تحولت من شركة صناعية إلى أكبر مصنع للهواتف المحمول في العالم، وبحلول عام 2007، كانت تمتلك ما يقارب 40% من السوق العالمي، وبينما كان العالم ينتقل إلى الهواتف الذكية، كانت (Nokia) تتمسك وتتغنى بنجاحاتها السابقة، وتراهن على نموذج أثبت فعاليته سابقاً، لكنها لم تدرك أن المستقبل يصنع في مكان آخر، فالمشكلة لم تكن في التكنولوجيا، بل في قيادة لم تستطع إعادة تخيل نفسها، ولا تعرف ما هي المرونة وأهميتها، فبدأت حصتها السوقية تتراجع سريعاً حتى أعلنت عملياً خروجها من المنافسة بحلول 2013، فالشركة كانت قوية… لكنها غير مرنة، فالأقوياء ينهاروا لأنهم لم يتغيروا.

وأيضا نرى شركة (BlackBerry)، التي تأسست عام 1984 في كندا، بلغت ذروتها عام 2011 بأكثر من 70 مليون مستخدم حول العالم، وكانت رمز الأمان والتفوق في قطاع الأعمال، ولكن قيادتها اعتقدت أن ما نجح سابقاً سيظل ينجح لاحقاً، فقد تمسكت بلوحة المفاتيح التقليدية، وبشبكة رسائلها المغلقة، وبأسلوب تشغيل لم يعد يناسب عالم الهواتف الذكية، وتمسكت بمسارها الثاتب في الوقت الذي كانت تحتاج فيه إلى قفزة نوعية، فكانت تملك النجاح الذي لم يعرف كيف يتكيّف، فانزلقت تدريجياً إلى خارج السوق حتى توقفت في 2016، كانت لديها ميزة، لكنها لم تملك مرونة،

وهذه الأمثلة ليست حكايات شركات، بل حكايات قيادة، فشركة (Netflix)، لم تصبح عملاقاً لأنها كانت تملك فكرة أفضل، بل لأنها كانت تملك قيادة أكثر مرونة، أما في شركة (Nokia)، وشركة (BlackBerry)، لم تنهارا لأنهما فقدتا القدرة، بل لأنهما فقدتا المرونة.

ورغم ذلك لا يمكن القول إن القيادة التقليدية فقدت قيمتها نهائياً؛ فالبناء يحتاج إلى انضباط، والتنفيذ يحتاج إلى وضوح، والاستقرار يحتاج إلى نظام، لكن في عالم يتغير أسرع من الخطط، لم يعد السوق يكافئ القائد الأكثر تمسكاً بالقواعد، بل القائد الأكثر قدرة على إعادة كتابة القواعد عندما يتغيّر الواقع.

القائد المرن ليس قائداً خفيفاً، بل قائداً يعرف متى تكون الصلابة قوة، ومتى تكون عبئاً، والقيادة التقليدية تمنح المؤسسة القدرة على البقاء بثبات، بينما القيادة المرنة تمنحها القدرة على البقاء حيّة.

وفي عالم لا ينتظر أحداً، قد تكون المرونة هي الفارق بين مؤسسة تتفاعل، ومؤسسة تتقد، فالأسواق لا تسقط المؤسسات، بل يسقطها تمسكها بما كان ناجحاً عندما يتغير ما يجب أن يكون.

الكلمات المفتاحية:
القيادة المرنة، القيادة التقليدية، التكيف المؤسسي، التغيير التنظيمي، المرونة الإدارية، استراتيجيات التكيف، التحول الرقمي، إدارة التغيير، اتخاذ القرار، القيادة التكيفية، المؤسسات في عالم متغير، نماذج القيادة،Netflix ، Nokia، BlackBerry، الجاهزية المستقبلية، الاستجابة السريعة، المرونة كميزة تنافسية، فشل القيادة التقليدية، القدرة على التكيف في الإدارة.

(*) د. أنيس رزوق: عميد كلية الحوسبة والأعمال – سابقاً. أستاذ مساعد بجامعة العلوم الإبداعية – سابقاً، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، مقيم معتمد في التميز المؤسسي (EFQM)، خبير استراتيجيات القوة الناعمة، خبير ادارة مركز اسعاد المتعاملين، (7 STAR)، خبير حوكمة معتمد، خبير صناعة سيناريوهات المستقبل، خبير الجودة والتميز من الأكاديمية البريطانية.

المراجع العربية
1. عبد القادر، أحمد(2018) ، القيادة الإدارية وتحديات التغيير. القاهرة: دار الفكر العربي.
2. العسيري، محمد (2019)، القيادة الفعّالة في البيئات المتغيرة. الرياض: مكتبة جرير.
3. الهاشمي، عبدالله (2020)، التطوير التنظيمي والقيادة الحديثة. دبي: دار الكتاب الجامعي.
4. هيفتز، رونالد(2016)، القيادة التكيفية: كيف تواجه التغيير المعقد (ترجمة مركز الإمارات للدراسات). أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
5. فايل، هنري. (2014)، الإدارة العامة والصناعية (ترجمة يوسف عبد الله). القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
6. هاستينغز، ريد، وميير، إيرين (2021)، لا قواعد بعد اليوم: نموذج نتفليكس في الابتكار (ترجمة دار التنوير). بيروت: دار التنوير.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (114) “القيادة الرشيقة والقيادة الصلبة “

حين لا يكفي الثبات: كيف تعيد القيادة الرشيقة تعريف القوة المؤسسية؟ شبكة بيئة ابوظبي: بقلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *