أطفال حسب الطلب! العلم يطرق أبواب الخطر

رحلة نقدية حول تعديل الأجنة وتقنية كريسبر، وحدود تدخل الإنسان في خلق الإنسان

سلسلة “خواطر ور اثية” تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة، الحلقة رقم (12)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي(*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية؛ 14 ديسمبر 2025

حلم قديم بثوب جديد
لطالما حلم الإنسان بطفل كامل: قوي، جميل، ذكي، خالٍ من العيوب. في الأساطير القديمة، تخيل الإغريق أن الآلهة تصوغ البشر كما تشاء، وفي أدب الخيال العلمي ظهرت قصص عن أطفال خارقين يولدون في مختبرات سرية. لكن اليوم، لم يعد الأمر مجرد أسطورة أو خيال؛ فقد فتحت تقنيات تعديل الجينات، وعلى رأسها كريسبر (CRISPR)، الباب أمام إمكانية صنع “الطفل حسب الطلب”. غير أن هذا الحلم، كما يبدو، قد يحمل في طياته أخطارًا أخلاقية وعلمية تهدد معنى الإنسانية ذاتها.

كريسبر… مقص الجينات
تقنية كريسبر اكتُشفت صدفة أثناء دراسة بكتيريا تتصدى للفيروسات. وقد تحولت خلال عقد واحد إلى ثورة علمية، لأنها تمكّن العلماء من قص ولصق الجينات بدقة لم يسبق لها مثيل. فبضغطة مجهرية، يمكن حذف جين مسبب لمرض، أو إضافة جين يمنح مقاومة أو قدرة خاصة. هذه الأداة السحرية جعلت العلماء يتحدثون عن إمكانية تصحيح العيوب الوراثية في الأجنة البشرية قبل ولادتهم.

الوجه المشرق: علاج وإنقاذ
لا شك أن لهذه التقنية جانبًا إنسانيًا عظيمًا.
• يمكنها أن تمنع ولادة أطفال مصابين بأمراض وراثية قاتلة مثل التليف الكيسي أو ضمور العضلات.
• قد تساعد في القضاء على أمراض مستعصية تنتقل عبر الأجيال.
• يمكن أن تمنح ملايين الأسر حول العالم فرصة لولادة أطفال أصحاء بعد معاناة طويلة مع الأمراض الوراثية.
هنا يصبح “الطفل المصمم” حلمًا نبيلًا، حيث يتدخل العلم لانتشال الحياة من الألم.

الوجه المظلم: طفل حسب الطلب
لكن الخطر يكمن حين يتجاوز الإنسان حدود العلاج إلى التصميم حسب الطلب. تخيل أن الآباء يختارون لون العيون والشعر، وطول القامة، وقوة العضلات، أو حتى مستوى الذكاء. حينها يتحول الطفل من هبة إلهية إلى منتَج بيولوجي يخضع للذوق والسوق. وقد تظهر فجوة جديدة بين أغنياء قادرين على شراء “أطفال مثاليين”، وفقراء محكومين بما تمنحه لهم الطبيعة. إنها بداية عصر جديد من التمييز الجيني قد يكون أخطر من أي شكل من أشكال العنصرية التي عرفها التاريخ.

قضية الصين: جرس إنذار
في عام 2018م، أعلن عن ولادة أول طفلتين معدلتين وراثيًا في الصين، حيث استخدم الباحث “هي جيانكوي” تقنية كريسبر لتغيير جين يمنح قابلية للإصابة بفيروس الإيدز ( HIV). لكن بدلًا من الاحتفاء به، واجه موجة غضب عالمي:
• لم يكن التعديل آمنًا ولا ضروريًا.
• لم تُعرف آثاره الجانبية على الأجيال المقبلة.
• والأخطر أنه كسر الخط الأحمر الأخلاقي في التدخل في جينات الأجنة البشرية.
هذه الواقعة أظهرت كيف يمكن أن يتحول الحلم العلمي إلى كابوس أخلاقي.

أسئلة بلا إجابة
• من يملك الحق في تقرير الصفات التي يجب تعديلها؟
• من يضمن ألا يؤدي التدخل إلى أخطاء أو طفرات غير متوقعة قد تظهر بعد سنوات؟
• ماذا لو اختلفت المجتمعات حول معنى “الطفل المثالي”؟
هذه الأسئلة تكشف أن القضية ليست مجرد تقنية علمية، بل معضلة أخلاقية ودينية وفلسفية.

منظور ديني وفلسفي
من منظور إيماني، الإنسان خُلق مكرمًا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. والتدخل لتصحيح مرض وراثي قد يُفهم كجزء من تسخير العلم لخدمة الحياة. لكن تحويل الخلق إلى ساحة تعديل وتجميل بلا حدود قد يُعتبر تعديًا على الإرادة الإلهية، وإفسادًا للتوازن الطبيعي. الفيلسوف “فرانسيس فوكوياما” حذّر من أن “ما بعد الإنسان” قد يكون بداية فقداننا لإنسانيتنا ذاتها.

بين الحلم والخطر
العلم، كالسيف، سلاح ذو حدين. يمكن أن يصنع مستقبلًا أكثر صحة وعدلاً، أو يفتح أبواب كوارث لا يمكن السيطرة عليها. التحدي الحقيقي ليس في القدرة على تعديل الجينات، بل في الحكمة في استخدامها، ورسم حدود واضحة بين العلاج المشروع والتلاعب المرفوض.

كلمة ختامية
“أطفال حسب الطلب” عنوان يثير الخيال والجدل معًا. قد يعني أملًا في إنهاء الأمراض الوراثية، لكنه قد ينقلب إلى خطر يهدد معنى الأبوة والإنسانية. إنها مسؤولية العلم والمجتمع معًا أن يختاروا الطريق: هل نستخدم الجينات لبناء إنسان أكثر صحة؟
أم نسمح للطموح الجامح أن يحوّل البشر إلى منتجات تُباع وتُشترى؟
إن الإجابة ستحدد ليس فقط شكل المستقبل، بل جوهر الإنسان ذاته.

(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الحقول التي تغيّرت ألوانها

سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في العلاقة بين الإنسان والطبيعة والزراعة الحديثة، الحلقة (14). شبكة بيئة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *