هلا صبحي مراد:
• تفكيك الترابط بين مواد الاتفاق (6 و7 و8 و9) أعاد تشكيل النظام المناخي على أساس القوة لا العدالة
• غياب التمويل الكافي، تجميد التكيف، هشاشة أدوات الخسارة والضرر، وتحريف أسواق الكربون عن غاياتها
• الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية يعيد تعريف الإخلال بالتزامات المناخ كمسؤولية قابلة للمساءلة القانونية
• عشر سنوات تُظهر فجوة خطيرة بين الاعتراف السياسي بالتغير المناخي وإرادة التنفيذ الفعلي
• التمويل، والتكيف، والخسارة والضرر… التزامات قانونية جرى تحويلها إلى خيارات تفاوضية انتقائية
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم هلا صبحي مراد، خبيرة في سياسات البيئة والمناخ، المملكة الأردنية الهاشمية، 14 ديسمبر 2025
حين اعتمد اتفاق باريس في 12 كانون الاول 2015 لم يقدم بوصفه إعلان نوايا اخلاقية، بل كاتفاق دولي قائم على التزامات تعاقدية واضحة وان كانت متفاوتة وقد وزعت هذه الالتزامات عبر مواد مترابطة شملت التكيف بوصفه هدفا عالميا في المادة 7 والاعتراف بالخسارة والضرر في المادة 8 والتمويل في المادة 9 والتعاون الطوعي بما في ذلك اسواق الكربون في المادة 6 بعد عشر سنوات لم يعد الخلل في صياغة النص ولا في طموحه، بل في اخلال ممنهج بتنفيذه وفي فصل متعمد بين مواده افرغها من مضمونها القانوني والوظيفي.
المادة 7 لم تترك مجالا للتأويل فهي لم تتعامل مع التكيف كاستجابة ظرفية ولا كمساحة تقديرية بل كهدف عالمي قائم بذاته مرتبط بالعدالة والانصاف واخذ احتياجات الدول النامية بعين الاعتبار غير ان ما جرى في التطبيق كان تحويل هذا الهدف الى التزام شكلي يقاس ولا يمكن تمكينه ويرصد ولا يربط بالتمويل ويذكر ولا يقترن بالمساءلة اعتماد 59 مؤشرا عالميا للتكيف بعد عشر سنوات مثل لحظة اعتراف متأخرة لا لحظة تنفيذ حقيقية اذ صممت هذه المؤشرات بوصفها طوعية وغير ملزمة وغير قابلة للاستخدام كأساس للمحاسبة وهو ما لا يمكن اعتباره قصورا اجرائيا بل تقاعسا عن تنفيذ واجب منصوص عليه صراحة.
هذا التقاعس يصبح اكثر وضوحا عند قراءة المادة 9 التي حملت الدول المتقدمة واجبا صريحا في توفير الموارد المالية للدول النامية مع اعطاء اولوية واضحة للتكيف بما يتناسب مع احتياجاته المتزايدة غير ان الواقع القائم اظهر ان تمويل التكيف ظل محدودا وغير كاف ومائلا بنيويا نحو التخفيف وغالبا في دول قادرة اصلا على الوصول الى الاسواق فيما تم دفع الدول الاكثر هشاشة نحو القروض او التمويل المشروط وهنا تحول التمويل من اداة تنفيذ الى اداة تفاوض ومن التزام تعاقدي الى خيار سياسي انتقائي الامر الذي افرغ المادة 7 من مضمونها وقوض مبدأ المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة.
في هذا السياق تبرز المادة 8 الخاصة بالخسارة والضرر بوصفها المجال الاكثر حساسية والاكثر كأشفية للإخلال فقد اقر الاتفاق صراحة بان هناك اثارا للتغير المناخي لا يمكن التكيف معها وان خسائر حقيقية تطال الاراضي والموارد وسبل العيش والحياة نفسها وتم تفعيل هذا الاعتراف من خلال الية وارسو الدولية التي انشئت اساسا كآلية للتعلم وبناء المعرفة والتنسيق وتبادل الخبرات لا كآلية تمويل او جبر وهو ما جعلها عاجزة بطبيعتها عن الاستجابة لحجم الضرر المتحقق وعلى الرغم من هذا القصور الهيكلي لم يتم الانتقال لسنوات نحو اداة مالية ملزمة ولم يقر صندوق للخسائر والاضرار الا في COP28 في دبي وبعد عقود من التأثير المناخي المتراكم وحتى بعد اقرار الصندوق بقيت المشكلة قائمة اذ لم تتم تعبئته ماليا بما يتناسب مع حجم الاضرار ولم ترس اليات تمويل مستقرة وقابلة للتنبؤ ولم توضح معايير الوصول العادل للموارد وبذلك تحول الاعتراف بالخسارة والضرر الى التزام مؤجل وترك المتضررون في فراغ قانوني بين الاعتراف السياسي وغياب الجبر الفعلي.
هذا الخلل البنيوي يتعمق عند النظر الى المادة 6 التي كان يفترض ان تشكل اداة للتعاون الطوعي الداعم لتحقيق اهداف الاتفاق لا بديلا عنها غير ان مسار المفاوضات والتنفيذ حول اسواق الكربون حول هذه المادة الى مساحة لتأجيل الخفض الحقيقي للانبعاثات ونقل الاعباء الى دول ومجتمعات اقل قدرة على الاعتراض تحت غطاء التعاون التقني وحين تستخدم اليات السوق لتجاوز الالتزامات لا لدعمها فان ذلك يشكل اخلالا بمبدأ حسن النية في تنفيذ الاتفاقات الدولية ويقوض العلاقة بين التعاون والعدالة التي يفترض ان تحكم النظام المناخي.
الفصل القائم في التطبيق بين المواد 6 و7 و8 و9 لا يستند الى نص الاتفاق، بل يتناقض معه صراحة فالالتزامات صيغت كوحدة واحدة لا يمكن تجزئتها ولا يمكن تنفيذ مادة بمعزل عن الاخرى فلا تكيف بلا تمويل ولا اعتراف بالخسارة دون جبر ولا تعاون بلا عدالة غير ان ما جرى عبر مسار مؤتمرات الاطراف حتى COP30 هو تحويل كل مادة الى مسار منفصل يخضع لموازين القوة السياسية وهو ما حول الاتفاق من إطار تعاقدي متكامل الى منظومة ادارة ازمة تفتقر الى الانصاف.
في هذا السياق يكتسب الراي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية اهمية مفصلية فهو لم يخلق التزامات جديدة، بل اعاد التأكيد على واجبات قائمة تشمل منع الضرر العابر للحدود وحماية الحقوق الاساسية واتخاذ التدابير المعقولة والمتناسبة في ضوء المعرفة العلمية المتاحة ومع توفر البيانات واعتماد مؤشرات التكيف وتوثيق الاضرار يصبح التقاعس عن التمويل العادل او الاصرار على القروض او استخدام اسواق الكربون لتأجيل الخفض سلوكا قابلا للتوصيف القانوني لا مجرد اخفاق سياسي
بعد عشر سنوات على باريس لم يعد النقاش يدور حول تحسين الصياغات او تمديد الجداول الزمنية، بل حول المساءلة عن الاخلال فأما ان يعاد ربط مواد الاتفاق كوحدة التزام واحدة قابلة للإنفاذ او يستمر الاتفاق كإطار، يدير الخسارة بدل منعها في هذه اللحظة لم يعد التكيف ترفا ولا التمويل منة ولا التعاون سوقا، بل واجبات قانونية مؤجلة وتأجيلها لم يعد محايدا، بل مكلفا وقابلا للمساءلة.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز