من مرحلة “الاحترار العالمي” إلى مرحلة “الغليان العالمي”..

المنطقة العربية في “عين العاصفة” الحرارية  

شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية , 22 ديسمبر 2025. 

 

لم يكن عام 2024 عاماً عابراً في روزنامة المناخ العالمي، بل كان “نقطة تحول” مفصلية، خاصة في منطقتنا العربية التي أثبتت البيانات الحديثة أنها باتت تقع في قلب “التنور” العالمي. بينما كنا ننشغل بتفاصيل حياتنا اليومية، كانت أجهزة الرصد الجوي والأقمار الصناعية تسجل بصمت أرقاماً تدعو للرعب، وتؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا انتقلنا من مرحلة “الاحترار العالمي” إلى مرحلة “الغليان العالمي”.

في هذا التقرير العلمي المفصل، وبناءً على أحدث إصدارات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) في ديسمبر 2025، والدراسات الرائدة من الأكاديمية الصينية للعلوم، نغوص في عمق الحقائق العلمية لنكشف كيف أصبح عام 2024 هو العام الأكثر حرارة في تاريخ العرب، ولماذا تغلي محيطاتنا بصمت، وكيف باتت تقلبات الطقس “قاتلاً خفياً” يتربص بصحة البشر.

المنطقة العربية.. بؤرة الاحترار العالمي المتسارع 

في سابقة هي الأولى من نوعها، أصدرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) تقريرها النوعي بعنوان “حالة المناخ في المنطقة العربية 2024”. هذا التقرير لم يكن مجرد سرد إحصائي، بل وثيقة تاريخية تضع صناع القرار والشعوب أمام مسؤولياتهم.

تغطي المنطقة العربية مساحة شاسعة تبلغ حوالي 13 مليون كيلومتر مربع، تمتد من المحيط الأطلسي غرباً إلى الخليج العربي شرقاً. ووفقاً للتقرير، فقد شهدت هذه الرقعة الجغرافية في عام 2024 أعلى درجات حرارة مسجلة في تاريخها على الإطلاق.

تشير لغة الأرقام -التي لا تكذب- إلى أن متوسط درجة الحرارة السنوي قد ارتفع بمقدار 1.08 درجة مئوية مقارنة بمتوسط الفترة المرجعية الحديثة (بين عامي 1991 و2020). قد يبدو الرقم “واحد فاصلة صفر ثمانية” صغيراً للوهلة الأولى للقارئ غير المتخصص، ولكن في علم المناخ، هذا الرقم يعادل “حمى” شديدة تصيب جسد الكوكب، وتكفي لقلب الموازين البيئية رأساً على عقب.

تسارع يفوق المعدل العالمي بمرتين 

النقطة الأخطر التي يجب التوقف عندها ملياً، هي “وتيرة الاحترار”. يوضح التقرير أن معدل ارتفاع درجة الحرارة في المنطقة العربية بلغ 0.43 درجة مئوية لكل عقد منذ عام 1991.

هذا يعني علمياً أن منطقتنا تسخن بسرعة تعادل ضعف سرعة ارتفاع الحرارة على مستوى العالم. نحن لسنا مجرد متأثرين بالتغير المناخي، بل نحن في مقدمة الضحايا. إن هذا التسارع يفوق ضعف المعدل الذي كان سائداً في الفترة بين 1961 و1990، مما يشير إلى أننا نتدحرج ككرة الثلج – أو بالأحرى كرة النار – نحو مستقبل أشد حرارة.

مفارقة التطرف المناخي.. بين “العطش” و”الطوفان” 

يعيش العالم العربي مفارقة مناخية عجيبة، حيث يجتمع النقيضان في آن واحد: الجفاف القاتل والفيضانات المدمرة. وتضم المنطقة 15 دولة من أصل 20 دولة هي الأكثر معاناة من ندرة المياه في العالم، مما يجعل أي تذبذب في المناخ بمثابة تهديد وجودي.

شهد صيف 2024 موجات حر متعددة وممتدة بشكل غير مسبوق. في بعض مناطق الجزيرة العربية والشرق الأوسط، سجلت موازين الحرارة 50 درجة مئوية واستمرت هذه المعدلات القياسية لمدة وصلت إلى 12 يوماً متواصلة في بعض الحالات.

هذا الارتفاع الجنوني لا يهدد فقط “الراحة الحرارية” للإنسان، بل يضغط بشدة على:

شبكات الطاقة: التي تعمل بأقصى طاقاتها لتوفير التبريد.

المحاصيل الزراعية: التي تحترق أو تذبل قبل نضوجها.

الموارد المائية: التي تتبخر بمعدلات متسارعة.

جفاف الشمال وفيضانات الجنوب 

في الوقت الذي كانت فيه الشمس تحرق الأرض، استمر الجفاف في أجزاء واسعة من شمال أفريقيا (المغرب، تونس، الجزائر) للسنة السادسة على التوالي، مما أدى لتراجع مخزون السدود إلى مستويات حرجة.

وعلى النقيض تماماً، ضربت “فيضانات مفاجئة” دولاً لم تعتد على غزارة الأمطار بهذا الشكل العنيف. رأينا مشاهد الدمار في ليبيا، المغرب، الصومال، ولبنان، وحتى في دول الخليج التي شهدت هطولات مطرية تعادل ما يسقط في سنوات، في غضون ساعات قليلة.

التفسير العلمي: إن الهواء الساخن (نتيجة الاحتباس الحراري) يمتلك قدرة أكبر على حمل بخار الماء (كل درجة مئوية زيادة ترفع قدرة الجو على حمل الرطوبة بنسبة 7%). وعندما تتهيأ الظروف للهطول، تفرغ السحب حمولتها دفعة واحدة كقنابل مائية، مسببة فيضانات عارمة، خاصة في التربة الجافة التي تفقد قدرتها على امتصاص المياه بسرعة.

المحيطات.. “خزان الحرارة” الذي يوشك على الانفجار 

إذا غادرنا اليابسة وتوجهنا صوب البحار، فإن الصورة تبدو أكثر قتامة. المحيطات هي “مكيف الهواء” لكوكب الأرض، حيث تمتص أكثر من 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن غازات الدفيئة. لكن، إلى متى ستصمد؟

16 زيتاجول.. طاقة تفوق الوصف

وفقاً لتقرير صادر عن معهد فيزياء الغلاف الجوي التابع للأكاديمية الصينية للعلوم (CAS) في أواخر 2024، اكتشف فريق دولي من علماء المناخ أن المحيط العالمي امتص في عام 2024 كمية حرارة قياسية إضافية بلغت 16 زيتاجول.

ما هو الزيتاجول؟

لتقريب هذا المفهوم للقارئ العادي:

  • الجول (Joule) هو وحدة قياس الطاقة.
  • الزيتاجول هو رقم واحد وأمامه 21 صفراً!
  • الطاقة الحرارية الإضافية التي امتصتها المحيطات في 2024 (16 زيتاجول) تعادل تقريباً 140 ضعف إجمالي الكهرباء التي ولدها العالم بأسره في عام 2023.

تداعيات غليان المحيط 

أدى هذا الامتصاص الهائل إلى ارتفاع متوسط درجة حرارة المحيط بمقدار 0.07 درجة مئوية. قد يبدو الرقم ضئيلاً، لكن نتائجه كارثية:

  1. وقود الأعاصير: الحرارة هي وقود العواصف؛ كلما زادت حرارة سطح البحر، زادت قوة وتدمير الأعاصير (كما شهدنا في بحر العرب والمحيط الهندي).
  2. ارتفاع المنسوب: المياه تتمدد بالحرارة (Thermal Expansion)، مما يساهم في ارتفاع مستوى سطح البحر وتهديد المدن الساحلية العربية (مثل الإسكندرية والبصرة).
  3. موت الشعاب المرجانية: تبييض المرجان (Coral Bleaching) في البحر الأحمر والخليج العربي نتيجة الإجهاد الحراري.

“التقلبات الحادة”.. القاتل الصامت الجديد 

اعتاد الناس الخوف من “الاحتباس الحراري” كارتفاع مستمر للحرارة، لكن دراسة حديثة من جامعة “نانجينغ” الصينية كشفت عن عدو جديد ومختلف: التقلبات الحرارية.

ليس الحر فقط.. بل “التذبذب” هو القاتل 

خلص العلماء إلى أن وتيرة وشدة التقلبات الحادة في درجات الحرارة تتزايد يوماً بعد يوم. والمقصود هنا هو التغير السريع والمفاجئ بين درجات حرارة مرتفعة ومنخفضة في فترة زمنية قصيرة.

أوضح البروفيسور “شو جونغ فنغ” أن الاحتباس الحراري يقلل من السعة الحرارية لسطح الأرض ويؤثر على الغطاء السحابي، مما يؤدي إلى تباينات حرارية “حادة” بين الأيام المتتالية.

التأثير الصحي المباشر 

تؤثر هذه “الأرجوحة الحرارية” بشكل مباشر على صحة الإنسان، حيث يعجز الجسم عن التكيف السريع. وقد أثبتت الدراسات في الصين والولايات المتحدة ارتباطاً قوياً بين هذه التقلبات وزيادة الوفيات الناجمة عن:

أمراض القلب والأوعية الدموية: (الذبحات الصدرية، السكتات الدماغية) نتيجة الإجهاد الحراري على القلب.

أمراض الجهاز التنفسي: (تفاقم الربو، والالتهابات الرئوية).

وتشير التوقعات إلى أن هذه التقلبات ستزيد بنسبة 17% من حيث التواتر و20% من حيث الشدة بحلول عام 2100، مما يهدد مناطق يعيش فيها 80% من سكان الأرض. لهذا، يدعو العلماء الآن لتصنيف “التقلب الحراري اليومي المتطرف” كنوع جديد ومستقل من الظواهر الجوية الخطرة.

ماذا يخبئ لنا المستقبل؟

هل نتوقع انخفاضاً في درجات الحرارة قريباً؟ للأسف، الإجابة العلمية المختصرة هي: لا.

توقعات 2025: استمرار النهج التصاعدي

أفاد تقرير مرصد “كوبرنيكوس” (Copernicus) التابع للاتحاد الأوروبي أن عام 2025 من المرجح جداً أن يكون ثاني أو ثالث أحر عام مسجل في التاريخ، وقد يعادل في سخونته عام 2023.

ورغم احتمالية حدوث ظاهرة “النينيا” (La Niña) التي عادة ما تؤدي لتبريد طفيف، إلا أن كمية الحرارة المختزنة في الغلاف الجوي والمحيطات تطغى على أي تأثير تبريدي طبيعي.

تجاوز عتبة الـ 1.5 درجة مئوية 

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن هناك احتمالاً بنسبة 80% أن يتجاوز المتوسط السنوي لدرجة الحرارة العالمية عتبة 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، في سنة واحدة على الأقل خلال السنوات الخمس المقبلة (2024-2028).

هذا يعني أننا نقترب بشكل خطير من كسر “حاجز الأمان” الذي حدده اتفاق باريس للمناخ، ليس كمتوسط طويل الأمد بعد، ولكن كأحداث سنوية متكررة.

المواجهة والتكيف.. هل من أمل؟

أمام هذه الصورة السوداوية، يبرز السؤال الملح: ما العمل؟

لم يعد التخفيف (Mitigation) بتقليل الانبعاثات كافياً وحده، بل أصبح التكيف (Adaptation) ضرورة حتمية للبقاء.

  1. أنظمةالإنذار المبكر (Early Warning Systems)

أشار تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى بارقة أمل، وهي أن نحو 60% من الدول العربية تمتلك حالياً أنظمة إنذار مبكر متعددة المخاطر.

هذه الأنظمة ليست ترفاً تكنولوجياً، بل هي استثمار حيوي لحماية الأرواح. معرفة قدوم العاصفة أو موجة الحر قبل حدوثها بأيام تمنحنا الوقت اللازم للاستعداد والإخلاء وحماية الممتلكات.

  1. الأمنالمائي والحلول المبتكرة

استثمرت العديد من الدول العربية في إدارة الموارد المائية عبر:

  • التوسع في تقنيات تحلية المياه (مع ضرورة استخدام الطاقة النظيفة فيها).
  • بناء السدود لحصاد مياه السيول والفيضانات.
  • تحسين معالجة مياه الصرف الصحي لإعادة استخدامها في الزراعة والصناعة.
  1. المسؤوليةالفردية والمجتمعية

التغيير يبدأ من الوعي. علينا كأفراد تغيير نمط استهلاكنا، وترشيد استخدام الطاقة والمياه، وزيادة الرقعة الخضراء في مدننا لتقليل تأثير “الجزر الحرارية الحضرية”.

الطبيعة لا تفاوض 

ختاماً، إن التقرير الصادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ليس مجرد مجموعة من الأوراق والرسوم البيانية؛ إنه “رسالة استغاثة” من كوكب الأرض. إن ما شهدته المنطقة العربية في 2024 من حرارة وجفاف وفيضانات هو مقدمة لما قد يصبح “الوضع الطبيعي الجديد” إذا لم نتحرك فوراً.

وكما وصف أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، هذا التقرير بأنه “خطوة نوعية نحو تعزيز فهمنا الجماعي”، فإننا بحاجة لتحويل هذا الفهم إلى عمل. الطبيعة لا تفاوض، وقوانين الفيزياء لا تجامل أحداً. الكرة الآن في ملعبنا.. ليس لإنقاذ الكوكب فحسب، بل لإنقاذ أنفسنا ومستقبل الأجيال القادمة على هذه الأرض الطيبة.

حفظ الله بلادنا العربية، وكوكبنا الأزرق، من كل سوء.

***

هاشتاجات: 

#تغير_المناخ – #الاحتباس_الحراري –  #الطقس –  #المناخ – #حرارة_2024 – #المنطقة_العربية – #موجات_الحر  – #الجفاف –  #الفيضانات –  #غليان_المحيطات  – #المنظمة_العالمية_للأرصاد_الجوية #- الاستدامة  – #الأمن_المائي –  #أنقذوا_الكوكب – #العمل_المناخي –  #إنذار_مبكر –  #لا_للتلوث –  #علوم_وبيئة – #الوعي_البيئي – #الاستدامة – #علوم_البيئة – #موقع_بيئة_أبوظبي – #العالم_المصري – #الدكتور_طارق_قابيل.

***

الكاتب: 

د. طارق قابيل 

– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.

– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.

– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.

– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.

– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.

– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.

https://orcid.org/0000-0002-2213-8911

http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel

tkapiel@sci.cu.edu.eg

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

مصر تدشن حقبة “الابتكار الأخضر”.. فجر جديد للابتكار العربي يشرق من العاصمة الإدارية

قراءة بيئية واقتصادية في مخرجات المعرض الدولي لتسويق مخرجات البحوث والابتكار شبكة بيئة ابوظبي، د. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *