سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في العلاقة بين الإنسان والطبيعة والزراعة الحديثة، الحلقة (13)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية؛ الاربعاء 24 ديسمبر 2025م
هل فكّرنا يومًا في الريح باعتبارها فلاحًا؟
ليست تلك الريح التي تهدم وتقتلع، بل الريح التي تزرع… وتكتب سيرة الحقول قبل أن يلمسها إنسان. فالريح ليست مجرد حركة فيزيائية في الجو، بل كائن زراعي قديم، يشارك منذ ملايين السنين في بناء العالم الأخضر، ويؤدي أدوارًا لا يمكن لإنسان أو آلة أن تحلّ محلها.
الريح تسبق الفلاح، وتصل الأرض قبل أن تُمسك يدٌ بالمعول. وهي التي كانت، عبر التاريخ الجيولوجي الطويل، تنثر البذور على الجبال والوديان، وتخلق الحدائق الأولى التي نشأت دون تخطيط أو هندسة. إنها القوة التي علّمت الكوكب معنى “الانتشار” و“الهجرة النباتية”، وبدونها كانت النباتات ستبقى حبيسة مكان واحد، ضعيفة، مهددة بالانقراض عند أول طارئ.
أول درس: الزراعة ليست فعل الإنسان وحده
الفلاح المصري القديم كان يعرف ذلك intuitively، دون مختبرات أو قياسات. كان يقول: “الريح رسولة البذور”، لأن الريح تحمل الحياة من مكان إلى آخر، وقد تتسبب في ظهور نبات جديد في حافة حقل أو على جدار طيني أو في شق صخرة. كل ذلك ليس صدفة، بل جزء من هندسة بيئية عظيمة. واليوم، حين يدرس العلماء “البيولوجيا التطورية”، يجدون أن الرياح شاركت في تشكيل جغرافيا النباتات، بل في صياغة جينات من تحملها. فالنباتات التي تطورت لتعيش بفضل الريح صارت أخفّ، وأطول، وأقدر على إنتاج بذور صغيرة تُحمل بسهولة. والريح من جهتها تعاملت مع تلك النباتات كما يتعامل النحل مع الأزهار: علاقة تبادل خدمات لم يوقّع أحد عقدها.
الريح كمهندس للتنوع
لو استقرت النباتات في أمكنتها دون حركة، لكانت الأرض فقيرة في تنوعها. فالريح هي التي كتبت أول “خريطة للغذاء” فوق الكوكب. كل بذرة تحملها الريح كانت مرشحة لأن تصبح قصة زراعية جديدة، أو محصولًا مستقبليًا، أو نباتًا بريًا يهيئ تربة صالحة لنموّ محاصيل أخرى.
وتخيل معي تلك البذور المجنّحة التي نراها تتطاير حول الأشجار… إنها ليست لعبًا هوائية، بل آلات تطورّت عبر ملايين السنين لتجعل الريح شريكًا دائمًا لها. هذه الهندسة البيولوجية الدقيقة تعتمد على زاويا البذرة، ووزنها، وتجويفها الداخلي، وشكل جناحها. كل ذلك صُمّم ليمنح الريح فرصة حملها بعيدًا، وبثّ الحياة في أرض جديدة.
حين تصبح الريح مزارعًا صامتًا
في كل موسم، تعيد الريح ترتيب الحقول بطرق لا نلاحظها. تنقل بذور الحشائش من مكان لآخر، وقد تنشر نباتات نافعة في أطراف الحقول، أو تصنع حاجزًا نباتيًا طبيعيًا على حدود الأرض. وفي أحيان أخرى، تكون الريح هي من يوقظ مرجًا كاملاً من النوم، حين تحمل غبار الطلع من حقل إلى آخر، وتسمح بإخصاب النباتات التي تعتمد على التلقيح الهوائي. النباتات الحقلية الكبرى – كالقمح والشعير والذرة – ما كانت لتنتشر بهذه القوة لولا الرياح. إنها ليست مجرد رياح موسمية، بل رياح جينية أيضًا… تنقل الصفات الوراثية من حقل إلى آخر عبر حبوب اللقاح، وتخلق تنوّعًا خفيًا في نسل النباتات الزراعية، يلاحظه العلماء ويستفيد منه المربّون.
الريح التي تُخبر الفلاح بما لا يقوله العلم
الفلاح القديم كان يقف في أرضه، يرفع رأسه قليلاً، ثم يقول: “الحقل سيعطي هذا العام”. ما كان يراه ليس الغيم فقط، بل حركة الريح، واتجاهها، ونبرة صوتها. فالريح تسبق المطر، تنذر بالجفاف، تكشف مرض المحصول أحيانًا قبل أن يظهر، وتشير إلى مستوى الرطوبة الذي سيقرّر شكل الموسم. اليوم، ونحن نملك محطات جوية، وأقمارًا صناعية، ونماذج تنبؤ رقمية، نجد أن كثيرًا من تلك القراءات المتقدمة هي إعادة صياغة لما كانت الريح تخبر به الفلاح منذ آلاف السنين.
الريح بين القرءان والشعر والمختبر
يقول الخالق في قرأنه: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ فالرياح تُلقِّح السحب بالمطر، وتُلقِّح النباتات (تلقيح حبوب اللقاح). ويقول عز وجل ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، للرياح دور في تحريك السحب وتوزيع الأمطار، ولها ارتباط مباشر مع خصوبة الأرض. و ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ . و ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ فالرياح بشارة المطر وإحياء الأرض الميتة = إنبات وزراعة.
بينما في الشعر العربي القديم، الريح رمز للحياة حين تأتي، ورمز للفناء حين تغيب. وفي المختبر الحديث، الريح جزء من معادلة المناخ، وحامل للطاقة، ووسيط للغبار، لكن قبل كل ذلك… هي قوة زراعية. لقد بدت الرياح لنا دائمًا كحدث طبيعي، لكن الحقيقة أن الرياح تشكل جزءًا من “الاقتصاد الزراعي” للكوكب. ليست مجرد ناقل مادي للبذور، بل محرّكًا للتطور، ومؤثرًا في الإنتاج، وضامنًا لاستمرار سلسلة الحياة.
ماذا لو توقفت الرياح؟
سؤال تبدو إجابته خيالية، لكنها تكشف سرًا كبيرًا: من دون الرياح تتوقف حركة الغازات في الجو، يتغير المناخ، تختنق النباتات، وتنهار أنظمة التلقيح الطبيعي، وتموت آلاف الأنواع التي تعتمد عليها في التكاثر.. بمعنى آخر: تتوقف الزراعة كما نعرفها.
خاتمة… الريح التي نغفلها
ليست كل زراعة تُرى بالعين. هناك زراعة تبدأ قبل أن يحرث الفلاح أرضه، وقبل أن يشتري بذوره. زراعةٌ تبدأ حين تهبّ الريح…تُخبر الأرض أنها لم تُخلق وحدها، وأن ثمة قوة خفية تمشي فوقها، تنثر الحياة، وتكتب رسائل لا تُقرأ إلا ببصيرة الفلاح.
الريح ليست مجرد طقس… إنها فصل من فصول الحكمة الزراعية.
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز