التوائم الغرباء: أسرار التشابه المدهش دون صلة قرابة 

سلسلة “خواطر وراثية”، تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة ، الحلقة (14) 

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 28 ديسمبر 2025م 

في السنوات الأخيرة، لم تعد مفاهيم الهوية الجينية والتفرّد البيولوجي مسلَّمات ثابتة كما اعتدنا عليها، بل بات العلم يعيد طرحها في ضوء اكتشافات مدهشة تكسر الحدود التقليدية بين “النسخة الأصلية” و“النسخة المكررة”. ومن بين هذه الاكتشافات يبرز مفهوم “التوائم الغرباء”؛ وهم أشخاص لا تجمعهم أي صلة قرابة معروفة، ومع ذلك يتشابهون في ملامحهم الجسدية بدرجة مذهلة، بل – كما كشفت الأبحاث الحديثة – قد يتشابهون أيضًا في أجزاء من حمضهم النووي. 

 

التوائم الغرباء: ظاهرة بصرية تتحول إلى سؤال علمي 

بدأت القصة فنيًا قبل أن تصبح علمية. بدأ المصور الكندي فرانسوا برونيل (François Brunelle) رحلة بحث دولية عن هؤلاء الأشخاص الذين يشبهون الآخرين قبل ثلاثة وعشرين عامًا، ومنذ ذلك الحين، انصبّت مهمته على توثيق وتصوير أكبر عدد ممكن من هؤلاء الأشخاص. وقد تُوّج كل تلك السنوات من العمل الجاد والتفاني بمشروع بعنوان ” أنا لست شبيهًا” ، وهو عرض مذهل للهوية والعلاقات وما يعنيه حقًا أن تكون شبيهًا للآخرين. 

 

تتميز سلسلة صور برونيل بالأبيض والأسود بلمسة منعشة. فباستثناء الأشخاص أنفسهم، لا يوجد شيء غير مألوف في هذه الصور. إنها مجموعة بسيطة نسبياً – خلفية بيضاء، فيلم نيجاتيف أبيض وأسود، وأشخاص يشبهونهم تماماً، اختارهم برونيل من مختلف أنحاء العالم. وبهذا، تبدو الصور مذهلة وجذابة في آن واحد. ورغم وجود بعض التفاصيل الدقيقة التي لا تتطابق تماماً من حيث التشابه، إلا أن الأشخاص في الصور يبدون متشابهين بشكل لافت للنظر في معظم الأحيان. 

 

ما يثير الإعجاب حقًا في هذه الصور هو الوقت والجهد المبذولان في إنجازها. فبعد بحثٍ دام أكثر من عقدين عن هؤلاء الأشخاص الذين يشبهونهم، جمع برونيل مجموعةً ضخمةً تضم أكثر من 250 صورةً لأشخاصٍ من أكثر من 30 مدينةً حول العالم. إنه مشروعٌ لا يستنزف الوقت فحسب، بل يختبر أيضًا إرادة الفنان والشخص الذي يرسمه؛ فلكي يُنجز العمل، لا بد من بناء مستوىً معينٍ من الثقة بين جميع المشاركين. وبفضل خبرته كمصورٍ وعزيمته، حقق برونيل ما كان يصبو إليه تمامًا – لفترةٍ طويلةٍ جدًا. 

 

وبعد سنوات طويلة من توثيق هذا الموضوع تحديدًا، ما هي الخطوة التالية للمصور الكندي؟ يعمل برونيل حاليًا على نشر كتاب يضم صوره، ويأمل في إقامة معارض متنوعة لعرض أعماله على نطاق واسع. بالنسبة لأشخاص يصعب الوصول إليهم، جعل فرانسوا برونيل الأمر يبدو سهلًا وجذابًا. 

 

فرانسوا برونيل هذا مصور فوتوغرافي كندي مقيم في مونتريال، كندا. إلى جانب مشروعه الذي استمر 23 عامًا بعنوان ” أنا لستُ شبيهًا” ، يُعد برونيل أيضًا مؤلفًا، حيث نشر كتابه ” الأدوات السبع الأساسية للمصور المبدع”.  

 

هذا المشروع  هدفه توثيق التشابه المدهش بين أشخاص غرباء تمامًا عن بعضهم، لكنهم يبدون وكأنهم توأم متطابق. وعلى مدار سنوات، التقط برونِل مئات الصور لأشخاص من بلدان وثقافات مختلفة، ليكشف للعالم ظاهرة بصرية محيّرة: بشر متطابقون شكلًا، بلا قرابة أو نسب. 

لم يكن المشروع مجرد تجربة فنية أو فضول بصري، بل تحوّل إلى مادة ثرية للنقاش العلمي، خصوصًا في مجال الوراثة البشرية. فالسؤال الذي فرض نفسه بقوة كان: 

هل هذا التشابه محض مصادفة؟ أم أن وراءه أسبابًا جينية أعمق؟ 

 

من الكاميرا إلى المختبر: دراسة الحمض النووي 

ألهم مشروع برونِل فريقًا من الباحثين في علم الوراثة لدراسة الظاهرة من منظور بيولوجي دقيق. وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة في دورية Cell Reports، وهي من الدوريات العلمية المرموقة في علوم الخلية والوراثة. 

قام الباحثون بتحليل الحمض النووي لـ 32 زوجًا من التوائم الغرباء الذين تم اختيارهم من مشروع برونِل. واستخدم الفريق تقنيات متقدمة لمقارنة الجينومات، إلى جانب برنامج متخصص في التعرف على الوجوه لتحديد درجة التشابه الشكلي بين الأزواج المختلفة. 

وكانت النتيجة مفاجئة: الأزواج الـ 16 الأكثر تشابهًا شكليًا كانوا يتشاركون عددًا أكبر من المتغيرات الجينية مقارنة بغيرهم، رغم عدم وجود علاقة قرابة معروفة بينهم. 

 

ماذا يعني التشابه الجيني بين غرباء؟ 

يوضح عالم الوراثة مانيل إيستيلر (Manel Esteller)، أحد المشاركين في الدراسة، هذه النتيجة بقوله: “إن تعداد سكان العالم الحالي بلغ من الضخامة ما يجعل المنظومة البيولوجية تفرز بشرًا يحملون تسلسلات متشابهة من الحمض النووي”. 

هذا التصريح يلخص جوهر القضية: مع وجود أكثر من مليارات إنسان على كوكب الأرض، فإن احتمالات تكرار بعض التراكيب الجينية – خاصة تلك المسؤولة عن شكل الوجه والملامح الخارجية – تصبح واردة، بل متوقعة إحصائيًا. 

 

الجينات المسؤولة عن الملامح: هل هي محدودة؟ 

أحد الاستنتاجات المهمة للدراسة هو أن عدد الجينات المؤثرة مباشرة في ملامح الوجه ليس بلا نهاية. فهناك مجموعات جينية معينة تتحكم في شكل الأنف -المسافة بين العينين – عرض الفك -شكل الذقن -بنية العظام الوجهية. وعندما تتكرر هذه التركيبات الجينية نفسها، حتى في أشخاص لا تجمعهم صلة قرابة، فإن النتيجة تكون تشابهًا لافتًا في المظهر الخارجي. بعبارة أخرى، الطبيعة لا تبتكر ملامح جديدة بلا حدود، بل تعيد خلط القوالب نفسها بطرق مختلفة. 

 

هل نحن جميعًا نملك “توأمًا غريبًا”؟ 

أحد أكثر الجوانب إثارة في هذه الدراسة هو ما توحي به من احتمال أن يكون لكل إنسان تقريبًا توأم غريب في مكان ما من العالم. فكرة شاع استخدامها إعلاميًا، حتى إن كاتبة التقرير الأصلي علّقت بروح مرحة قائلة: “أنا على يقين من أن لدي واحدًا… مرحبًا أليكس!”  لكن خلف هذه الدعابة يكمن سؤال فلسفي عميق: 

 

إلى أي مدى نحن فريدون؟ 

الهوية بين الجينات والبيئة 

رغم التشابه الجيني والشكلي، تؤكد الدراسة على حقيقة جوهرية في علم الوراثة الحديثة، وهي أن الهوية الإنسانية لا تختزل في الجينات وحدها. فحتى التوائم المتماثلة وراثيًا (التوائم المتطابقة) يختلفون في الشخصية- السلوك – الميول – الخبرات الحياتية – الصحة العامةويرجع ذلك إلى تأثير العوامل البيئية، والتنظيم فوق الجيني (Epigenetics)، وأسلوب الحياة، والتجارب النفسية والاجتماعية .ومن هنا، فإن التوائم الغرباء – رغم تشابههم الجيني الجزئي – يظلون أفرادًا مستقلين تمامًا في هويتهم الإنسانية. 

 

أبعاد علمية وتطبيقات مستقبلية 

لا تقف أهمية هذه الدراسة عند حدود الفضول العلمي أو الإعلامي، بل تمتد إلى مجالات تطبيقية متعددة، من بينها: 

  1. الطب الشخصي: فهم التشابه الجيني قد يساعد في التنبؤ بالاستعداد لبعض الأمراض، خصوصًا تلك المرتبطة بصفات شكلية أو فسيولوجية معينة. 
  1. علم الجريمة والتعرف على الوجوه: تطرح الظاهرة تحديات أمام أنظمة التعرف البيومتري، التي تعتمد على ملامح الوجه باعتبارها فريدة. وجود أشخاص متشابهين جدًا قد يستدعي تطوير هذه الأنظمة لتكون أكثر دقة وتعقيدًا. 
  1. علم الوراثة السكانية: تساعد هذه الأبحاث في فهم كيفية توزيع الجينات عبر التجمعات البشرية، وكيف تتكرر بعض المتغيرات الجينية عبر القارات والثقافات. 

 

بُعد فلسفي: من نحن في عالم النسخ المتشابهة؟ 

تفتح ظاهرة التوائم الغرباء بابًا واسعًا للتأمل الفلسفي. فإذا كان من الممكن أن يوجد شخص آخر يشبهك شكلًا، ويتشارك معك بعض جيناتك، فهل هذا يقلل من فرادتك؟ 

الجواب، كما يؤكد العلم والفلسفة معًا، هو: لا. فالإنسان ليس وجهًا فقط، ولا شيفرة جينية فحسب، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الجينات والوعي والتجربة والزمان والمكان. 

 

خاتمة: حين تكشف الجينات عن دهشة الإنسان 

تكشف دراسة التوائم الغرباء عن وجه جديد من وجوه دهشة العلم، حيث تمتزج الإحصاءات الجافة بأسئلة الهوية، وتتحول الصور الفوتوغرافية إلى مفاتيح لفهم أعمق للوجود الإنساني. 

نعم، قد يكون لك توأم غريب يشبهك حد التطابق، وربما يتشارك معك بعض تسلسلات الحمض النووي، لكن رحلتك في الحياة، وخياراتك، وذاكرتك، ووعيك، ستظل لك وحدك. 

وهكذا، يذكّرنا العلم مرة أخرى بأن التشابه لا يلغي التفرد، وأن في قلب التشابه الأعظم يكمن اختلاف لا يُختزل… ولا يُستنسخ. 

 

المرجع: 

المرجع:ورقة بحثية نُشرت في دورية «سِل ريبورتس» Cell Reports 

Joshi, Ricky S. et al. )2022) Look-alike humans identified by facial recognition algorithms show genetic similaritiesCell Reports, Volume 40, Issue 8, 111257. 

لمزيد من المعلومات حول أعمال الصحفي “فرانسوا برونيل”، ومعارضه ومشاريعه القادمة، يُرجى زيارة موقعه الإلكتروني: www.francoisbrunelle.com/webn/ 

 

(*) دكتور قاسم زكي 

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بالقاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وعضو المجلس العالمي للنبات (GPC وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصرين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين. 

 

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الحقول التي تغيّرت ألوانها

سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في العلاقة بين الإنسان والطبيعة والزراعة الحديثة، الحلقة (14). شبكة بيئة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *