•الرموز الزراعية في النقد السوري وسردية التعافي البيئي.
•قراءة بيئية، حضارية في رموز القمح والزيتون والقطن والحمضيات والتوت على النقدي السوري الجديد.
•سورية تُعلن أن طريقها إلى النهوض لن يمر عبر القطيعة مع جذورها، بل عبر الإصغاء العميق لحكمة أشجارها القديمة.
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد (*)، دمشق، الجمهورية العربية السورية، 29 كانون الأول، ديسمبر 2025
منذ فجر الحضارات الأولى، لم تكن النقود في بلاد الشام مجرد وسيلة صمّاء لتبادل السلع أو قياس القيم الاقتصادية، بل كانت ـ على الدوام ـ وثيقة حضارية صامتة تنطق بما تختزنه الأرض من معنى، وما يختاره الإنسان ليعبّر عن ذاته، وذاكرته، وعلاقته بالمكان. ففي هذه الجغرافيا السورية التي شهدت ولادة الزراعة، وتدجين القمح، واستئناس الزيتون، وتشكّل أولى القرى المستقرة منذ الألف العاشر قبل الميلاد، لم يكن الرمز منفصلًا عن التراب، ولا القيمة معزولة عن الطبيعة.

لقد حملت النقود، عبر العصور المتعاقبة في سورية الطبيعية، إشارات واضحة إلى منظومة القيم السائدة: من صور الآلهة الزراعية في الحضارات القديمة، إلى رموز الخصوبة والماء، وصولًا إلى معالم العمران والسلطة في الأزمنة اللاحقة. وكانت الأرض، بما تمنحه من غذاء واستقرار واستمرارية، دائمًا في صلب هذه الرمزية، حتى حين غلبت السياسة أو السلطة على ظاهر الصورة.
وفي الإصدار الجديد من العملة السورية الذي تم إطلاقها مساء يوم الاثنين 29 كانون الأول/ديسمبر 2025، ضمن حفل خاص عقد في قصر المؤتمرات بدمشق بحضور فخامة الرئيس أحمد الشرع، ومعالي الدكتور عبد القادر الحصرية حاكم المصرف المركزي السوري، تعود هذه الوظيفة الرمزية إلى الواجهة بوعي لافت، وكأن الورقة النقدية تستعيد دورها كرسالة ثقافية وبيئية، لا كأداة اقتصادية فحسب. فاختيار العناصر الزراعية والطبيعية ـ القمح، الزيتون، القطن، والحمضيات ـ لا يبدو اختيارًا زخرفيًا أو اعتباطيًا، بل يحمل في طياته سردية متكاملة عن سورية الطبيعية بوصفها أرض إنتاج وحياة، لا مجرد مساحة صراع أو استهلاك.
إن هذه الرموز تختزن في داخلها تاريخًا سحيقًا من العلاقة العضوية بين الإنسان السوري وبيئته، علاقة تشكّلت عبر آلاف السنين من الزراعة، والرعي، والاستقرار، والصبر على تقلبات المناخ، وتوارث المعرفة البيئية جيلاً بعد جيل. وفي الوقت ذاته، تفتح هذه الرموز أفقاً لمستقبل مختلف، تُعاد فيه صياغة مفهوم التنمية على أسس أكثر انسجامًا مع الطبيعة، وأكثر احترامًا لحدود الموارد، وأكثر قرباً من الإنسان المنتج لا المستهلك فقط.
بهذا المعنى، لا تقدّم العملة السورية الجديدة صورة عن الماضي فحسب، بل تقترح سردية للمستقبل: مستقبل تُستعاد فيه قيمة الأرض، ويُعاد الاعتبار للإنسان السوري وللريف السوري، وتُفهم الاستدامة لا كشعار حديث، بل كامتداد طبيعي لحكمة تاريخية عرفت كيف تعيش مع البيئة لا ضدها. إنها عودة هادئة، لكنها عميقة، إلى الجذور… حيث تبدأ الحكاية، وحيث يمكن أن يبدأ التعافي الحقيقي.
(*) عماد سعد
خبير سوري في التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي
info@abudhabienv.ae 00971506979645 https://abudhabienv.ae/
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز