هل تختلف طريقة القيادة… أم يختلف الوعي الذي يقود بها القائد؟
شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 29 ديسمبر 2025
لا توجد مؤسسة، مهما بلغ حجمها أو نضجها، محصّنة بالكامل من الأزمات، فقد تأتي الأزمة في صورة خسارة مالية مفاجئة، أو خلل تشغيلي، أو أزمة سمعة، أو حتى فقدان اتجاه داخلي تفقد فيها المؤسسة بوصلتها، إلا أن التجربة تثبت أن ما يحدد مصير المؤسسة في تلك اللحظات لا يكون حجم الأزمة بقدر ما يكون نوع القيادة التي واجهتها.
في الظروف الاعتيادية، تتحرك القيادة في مساحة يمكن التنبؤ بها نسبياً، تُبنى الخطط على معطيات مستقرة، والقرارات تُتخذ بعد تحليل، والتحسين يتم بالتدرج، خطوة بعد أخرى، القائد هنا يعمل كمنسّق للنظام، يوازن بين الموارد، ويطور العمليات، ويثبّت النجاحات، ويمنح الفريق شعوراً بأن الأمور تحت السيطرة.
الزمن في هذه المرحلة حليف، والخطأ قابل للتصحيح، والتجربة جزء من التعلم، وهذا النمط من القيادة لا يقلل من شأنه شيء، بل هو العمود الفقري لأي مؤسسة مستقرة، فالقيادة في الظروف الطبيعية تصنع قيمتها عبر التنظيم الهادئ، وبناء العادات الصحيحة، وتحسين ما هو قائم دون الحاجة إلى صدمات أو قرارات جذرية.
لكن هذا المشهد المنظم، القائم على التحسين والتدرج، يتغير جذرياً عندما تدخل المؤسسة في أزمة حقيقية. في تلك اللحظة يضيق الوقت، وتتشوش المعلومات، وتصبح القرارات، مهما بدت صغيرة، حاسمة في مصير المؤسسة. لا يعود السؤال: ما القرار الأمثل؟ بل يتحول إلى سؤال أكثر إلحاحاً: ما القرار الأكثر أماناً الآن؟ هنا لا تقود المؤسسة بالعقلية نفسها التي أدارت بها أيامها العادية، بل تنتقل القيادة من منطق التحسين إلى منطق الحماية، ومن إدارة الأداء إلى صون الثقة ومنع الانهيار.
يتجسد هذا التحول بوضوح في واحدة من أشهر الأزمات المؤسسية في التاريخ الحديث، حين واجهت Johnson & Johnson عام 1982 أزمة هزّت قطاع الرعاية الصحية بأكمله. المنتج الذي كان رمزاً للثقة اليومية في ملايين المنازل، كبسولات Tylenol، تحوّل فجأة إلى خطر بعد اكتشاف حالات وفاة ناتجة عن تلاعب إجرامي أدخل مادة قاتلة إلى العبوات. لم تكن الأزمة تقنية ولا تسويقية، بل إنسانية وأخلاقية في المقام الأول. في مواجهة هذا الواقع، لم تنتظر القيادة اكتمال التحقيقات، ولم تختبئ خلف تعقيدات قانونية، بل اتخذت قراراً حاسماً بسحب المنتج بالكامل من الأسواق الأمريكية، رغم التكلفة الهائلة والخسائر الفورية. كان القرار صادماً بمنطق الإدارة الاعتيادية، لكنه كان منسجماً تماماً مع منطق القيادة في الأزمات؛ حماية الإنسان أولاً، ثم حماية الثقة، ثم حماية المؤسسة على المدى البعيد. لم تنقذ هذه الخطوة الشركة من الانهيار فحسب، بل أعادت بناء مصداقيتها بصورة أعمق، حتى أصبحت الأزمة نفسها دليلاً على أن القيادة حين تتغير بوعي، تستطيع تحويل الخطر إلى رصيد أخلاقي طويل الأمد.
وعلى الجانب الآخر من الفكرة، وفي سياق مختلف تماماً، تظهر تجربة Starbucks خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 مثالاً آخر على اختلاف القيادة عندما يتغير الظرف. لم تكن الأزمة هنا مرتبطة بسلامة منتج، بل بتآكل تدريجي في الهوية والمعنى. توسّعت الشركة بسرعة، وتحوّل التركيز إلى الأرقام، وبدأ جوهر التجربة التي قامت عليها العلامة يتلاشى، فانعكس ذلك تراجعاً في الأداء والثقة. في تلك اللحظة، لم تتعامل القيادة مع الوضع كأزمة مالية فقط، بل كأزمة اتجاه وثقافة. اتخذت قراراً بدا غريباً في منطق الإدارة اليومية: إغلاق آلاف المتاجر ليوم كامل، ليس بسبب خسارة مباشرة، بل من أجل تدريب الموظفين وإعادة الاتصال بجوهر التجربة التي تمثلها الشركة. لم يكن الهدف تحسين النتائج فوراً، بل إيقاف النزيف، واستعادة الهوية من الداخل، وبناء أساس يسمح بالعودة إلى النمو بثبات. هنا أيضاً، لم تكن القيادة في الأزمة صاخبة أو متسرعة، بل واعية بطبيعة اللحظة، تعرف متى تتوقف عن الجري، ومتى تعيد ضبط البوصلة قبل أن تضيع المؤسسة عن نفسها.
حين ننظر إلى ما حدث في تجربتي Johnson & Johnson وStarbucks، لا يبدو الفرق الحقيقي في الأدوات ولا في حجم الجرأة، بل في مستوى الوعي الذي قاد القرار. ففي كلتا الحالتين لم تتغير المؤسسة وحدها، بل تغيّر القائد في طريقته في قراءة اللحظة. لم يتعامل مع الأزمة بعقلية التحسين التدريجي، ولا حاول إدارتها بالقواعد نفسها التي نجحت في أوقات الهدوء، بل أدرك أن السياق تغيّر، وأن القيادة التي أنقذت الأمس قد تكون هي نفسها سبب الانهيار اليوم إن لم تتبدل.
هاتان التجربتان تكشفان أن القيادة في الأزمات ليست امتداداً للقيادة في الظروف الاعتيادية، بل انتقال واعٍ إلى مستوى مختلف من التفكير واتخاذ القرار. فالقائد في الأوقات المستقرة يبني النظام ويحسّنه، أما في الأزمات فهو مطالب بحمايته، حتى لو تطلب ذلك قرارات قاسية أو غير مألوفة. والأهم من ذلك أن هذا النمط لا يجب أن يستمر بعد زوال الخطر، لأن المؤسسة التي تبقى في حالة طوارئ دائمة تُنهك فرقها، وتشل قدرتها على الابتكار.
القيادة في الأزمات لا تعني أن يصبح القائد أكثر صخباً، ولا أن يتخذ قرارات استعراضية، بل أن يرى الواقع كما هو، دون تجميل أو إنكار، وأن يتحمل مسؤولية الاختيار في وقت لا يسمح بالمثالية. وحين تنتهي الأزمة، لا يكمن النجاح في الاستمرار بنفس الاندفاع، بل في القدرة على العودة بهدوء إلى نمط قيادة يبني ويوازن ويُعيد الثقة، دون أن يبقي المؤسسة أسيرة منطق الطوارئ.
وهنا يتضح أن السؤال ليس: هل نغيّر أسلوب القيادة؟، بل السؤال الأعمق: هل نغيّر وعينا باللحظة؟
القائد الذي ينجح في الظروف الاعتيادية قد يفشل في الأزمات إن لم يغيّر زاوية رؤيته، والقائد الذي ينقذ المؤسسة في لحظة الخطر قد يرهقها إن استمر بذات العقلية بعد زوال التهديد. الفرق لا يصنعه الأسلوب، بل الوعي الذي يختار الأسلوب المناسب في الوقت المناسب.
ولهذا، فإن القيادة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على إدارة الهدوء فقط، ولا بشجاعتها في العاصفة وحدها، بل بقدرتها على الانتقال الواعي بين الحالتين دون ارتباك أو عناد. وعندما تمتلك المؤسسة هذا الوعي القيادي، لا تصبح الأزمات نهايات محتومة، بل محطات اختبار تعيد تعريف النضج، وتكشف إن كان القائد يقود بالطريقة نفسها دائماً… أم يقود بالوعي الذي يفهم أن لكل لحظة قيادة مختلفة.
القائد الناضج هو من يعرف متى يقود بعقلية الإنقاذ، ومتى يعود بعقلية البناء، دون خلط بين الأدوات أو إطالة غير مبررة لحالة الاستنفار. وحين تتقن المؤسسة هذا الانتقال بين النمطين، لا تنجو من الأزمات فحسب، بل تخرج منها أكثر وعياً، وأكثر نضجاً، وأكثر قدرة على الاستمرار في عالم لا يرحم من يقرأ اللحظة بالأسلوب الخطأ.
القيادة في الأزمات، القيادة في الظروف الاعتيادية، الوعي القيادي، اتخاذ القرار تحت الضغط، إدارة الأزمات المؤسسية، القيادة الأخلاقية، التحول القيادي، الثقة المؤسسية، الانتقال من الطوارئ إلى الاستقرار، Johnson & Johnson، Starbucks، القيادة السياقية، القيادة التكيفية، الاستجابة للأزمات.
(*) د. أنيس رزوق
عميد كلية الحوسبة والأعمال – سابقاً. أستاذ مساعد بجامعة العلوم الإبداعية – سابقاً. مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، مقيم معتمد في التميز المؤسسي (EFQM)، خبير استراتيجيات القوة الناعمة، خبير ادارة مركز اسعاد المتعاملين، (7 STAR)، خبير حوكمة معتمد، خبير صناعة سيناريوهات المستقبل، خبير الجودة والتميز من الأكاديمية البريطانية.
المراجع العربية
1. العسيري، محمد قاسم (2018)، إدارة الجودة والتميز المؤسسي. الرياض: دار الرسائل العلمية.
2. الحارثي، ناصر بن عايض (2021)، المنظمات في عصر الاضطراب: كيف تقود في عالم متغير. الرياض: دار الرشد.
3. عبد العزيز، محمد عبد الرحمن (2020)، إدارة الأزمات واتخاذ القرار في المنظمات الحديثة. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
4. الزهراني، عبد الله بن حسين (2019)، القيادة في الظروف الاستثنائية وإدارة المخاطر. جدة: دار المنهج.
5. القحطاني، سالم بن سعيد (2017)، القيادة الإدارية: المفاهيم والتطبيقات المعاصرة. الرياض: مكتبة العبيكان.
6. مينتزبرغ، هنري (2010)، الإدارة: طبيعتها وأهميتها وممارساتها (ترجمة). القاهرة: المنظمة العربية للتنمية الإدارية.
7. إدموندسون، إيمي (2020)، الأمان النفسي في بيئات العمل عالية المخاطر (ترجمة). الرياض: مكتبة جرير.
8. شولتز، هوارد(2012)، إلى الأمام: كيف أنقذت ستاربكس روحها دون أن تفقدها.
9. كولينز، جيم (2015)، من جيد إلى عظيم (ترجمة). الرياض: مكتبة جرير.
10. كوتّر، جون (2014)، قيادة التغيير (ترجمة). القاهرة: دار الفجر.
11. هايفتز، رونالد (2012)، القيادة التكيفية: كيف تقود حين لا تكون الحلول واضحة (ترجمة). بيروت: الدار العربية للعلوم.
12. Harvard Business School Publishing. (2015). Crisis Management: Leading Under Pressure. Boston: Harvard Business School Press.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز