عماد سعد:
• حضور الزيتون على العملة السورية الجديدة يحمل، في هذا السياق، رسالة مزدوجة: رسالة وفاء للماضي الذي صان هذه الشجرة وحماها عبر القرون، ورسالة إلى المستقبل تدعو إلى إعادة بناء العلاقة مع الأرض على أسس من التكيّف لا الاستنزاف، ومن الصبر لا الاستعجال. فهو تذكير بأن القوة ليست في الإنتاج الكثيف قصير الأمد، بل في الاستدامة طويلة النفس.
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد، دمشق، الجمهورية العربية السورية، 30 كانون الأول، ديسمبر 2025
أما الزيتون، الذي يتصدّر فئة الـ200 ليرة سورية، فهو ليس مجرد شجرة مثمرة، بل كائن حضاري حيّ، اختزل عبر آلاف السنين علاقة الإنسان السوري بأرضه، وبالزمن، وبفكرة البقاء نفسها. فمنذ حضارة أوغاريت الكنعانية (بالألف الثاني قبل الميلاد) التي صدّرت زيت الزيتون إلى حوض المتوسط، مرورًا بتدمر الآرامية التي جعلته جزءًا من تجارتها وطقوسها، وصولاً إلى القرى الساحلية والجبلية في اللاذقية وطرطوس وحمص وإدلب ودرعا، ظل الزيتون عنصرًا ثابتًا في المشهد السوري، لا يزول بزوال الدول ولا ينكسر بتقلب العصور.
الزيتون في الوجدان السوري ليس مجرد مورد اقتصادي، بل ذاكرة جماعية. شجرة تُورّث كما تُورّث الأرض، وتُذكر بأسمائها، وتُربط بالعائلة والبيت والهوية. حولها دارت طقوس الحصاد، وتشكّلت العلاقات الاجتماعية، وتكوّنت ثقافة الاكتفاء البسيط القائم على الزيت والخبز والزعتر. ولهذا لم يكن غريبًا أن تصبح شجرة الزيتون رمزًا للصبر، والسلام، والجذور العميقة التي لا تُقتلع بسهولة.
بيئيًا، يمثّل الزيتون اليوم أحد أهم نماذج الزراعة المتكيفة مع التغير المناخي. فهو شجر قليل الطلب على المياه مقارنة بمحاصيل أخرى، قادر على النمو في الأراضي الهامشية وشبه الجافة، ويتحمّل موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة. جذوره العميقة تُسهم في تثبيت التربة والحد من الانجراف، وتلعب دورًا مهمًا في مكافحة التصحر، بينما تُشكّل بساتينه نظمًا بيئية صغيرة تحتضن التنوع الحيوي المحلي.
وفي زمن تتسارع فيه آثار الاحتباس الحراري، يصبح الزيتون أكثر من محصول تقليدي؛ يتحول إلى خيار استراتيجي للزراعة المستدامة، وإلى تجسيد حيّ لفكرة “الحلول القائمة على الطبيعة”، حيث لا تُواجَه الأزمات البيئية بالتقنيات الثقيلة وحدها، بل بالحكمة المتراكمة في التجربة الزراعية التاريخية.
حضور الزيتون على العملة السورية الجديدة يحمل، في هذا السياق، رسالة مزدوجة: رسالة وفاء للماضي الذي صان هذه الشجرة وحماها عبر القرون، ورسالة إلى المستقبل تدعو إلى إعادة بناء العلاقة مع الأرض على أسس من التكيّف لا الاستنزاف، ومن الصبر لا الاستعجال. فهو تذكير بأن القوة ليست في الإنتاج الكثيف قصير الأمد، بل في الاستدامة طويلة النفس.
وفي سورية الجديدة، يمكن للزيتون أن يكون أحد أعمدة التعافي البيئي والاقتصادي معًا. فإعادة إحياء سلاسل إنتاج الزيت، ودعم صغار المزارعين، وتحسين تقنيات العصرنة دون الإضرار بالطبيعة، كلها مسارات قادرة على خلق قيمة مضافة، وتعزيز الأمن الغذائي، وفتح آفاق تصدير مستدامة، دون التضحية بالموارد أو الهوية.
الزيتون، إذن، ليس رمزًا للماضي فقط، بل بوصلة للمستقبل. شجرة تقول إن الصمود لا يعني الجمود، وإن البقاء لا يتحقق بالقسوة على الأرض، بل بالتكيّف معها. وفي اختياره رمزًا نقديًا، كأن سورية تُعلن أن طريقها إلى النهوض لن يمر عبر القطيعة مع جذورها، بل عبر الإصغاء العميق لحكمة أشجارها القديمة.
(*) عماد سعد
خبير سوري في التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي
info@abudhabienv.ae 00971506979645 https://abudhabienv.ae/
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز