القطن… ثروة بيضاء بين المجد الاقتصادي والتحدي البيئي (04 – 06)

عماد سعد:
• وجود القطن على العملة تذكيرًا بأن التنمية في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بحجم الإنتاج وحده، بل بقدرتها على الصمود أمام الأزمات المناخية وحماية حقوق الأجيال القادمة في الماء والأرض.

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد، دمشق، الجمهورية العربية السورية، 30 كانون الأول، ديسمبر 2025
يحضر القطن على فئة الـ100 ليرة سورية بوصفه أحد أكثر الرموز تعقيدًا ودلالة في تاريخ الاقتصاد الوطني. فهو “الذهب الأبيض” الذي شكّل، منذ منتصف القرن العشرين، ركيزة أساسية للزراعة والصناعة معًا، وربط الريف بالمدينة، والحقل بالمصنع، والمنتِج المحلي بالسوق الإقليمية والدولية. في سهول الفرات والجزيرة السورية وحوض العاصي، تمددت حقول القطن، ونشأت حولها منظومة اقتصادية كاملة: محالج، مصانع غزل ونسيج، شبكات نقل، وأيدٍ عاملة وفّرت سبل العيش لمئات الآلاف من الأسر السورية.

في ذروة ازدهاره، لم يكن القطن مجرد محصول تصديري، بل كان عنوانًا لسياسة اقتصادية تسعى إلى تحقيق قيمة مضافة محلية، عبر تحويل المادة الخام إلى منتج صناعي. وقد أسهم ذلك في بناء قاعدة صناعية وطنية، عزّزت الاكتفاء الذاتي، ووفّرت فرص عمل، ورسّخت حضور سورية في أسواق النسيج الإقليمية والدولية. بهذا المعنى، يستحضر القطن على العملة ذاكرة مرحلة كان فيها التخطيط الزراعي والصناعي جزءًا من مشروع الدولة الحديثة.

غير أن الوجه الآخر لهذا الرمز لا يقل حضورًا اليوم. فالقطن يُعد من أكثر المحاصيل استهلاكًا للمياه، واعتماده الكثيف على الري جعله مرتبطًا بشكل مباشر بالضغط على الموارد المائية، خصوصًا في مناطق تعاني أصلًا من الجفاف وتقلّب المناخ. ومع تسارع آثار التغير المناخي، وتراجع الهطولات المطرية، وتزايد المنافسة على المياه بين الزراعة والاستخدامات الأخرى، بات القطن نموذجًا لمحصول يفرض إعادة التفكير في جدوى استمراره بالشكل التقليدي نفسه.

بيئيًا، يفتح ظهور القطن على العملة السورية سؤالًا جوهريًا حول العلاقة بين التنمية الاقتصادية وحدود الطبيعة. فهو يذكّر بأن النجاحات الزراعية السابقة، رغم أهميتها، جاءت أحيانًا على حساب الاستدامة البيئية طويلة الأمد، سواء من خلال الاستنزاف المائي أو التوسع الزراعي غير المحسوب. ومن هنا، يمكن قراءة هذا الرمز كدعوة ضمنية لمراجعة السياسات الزراعية، لا لإدانة الماضي، بل لاستخلاص دروسه.

في سياق سورية الجديدة، يتحول القطن من رمز إنتاج كمي إلى اختبار حقيقي للانتقال نحو الزراعة الذكية مناخيًا. فالمستقبل لا يكمن في التخلي عنه بالكامل، بل في إعادة تصميم منظومة إنتاجه: اعتماد أصناف أقل استهلاكًا للمياه، استخدام تقنيات الري الحديث، تحسين إدارة التربة، وربط زراعته بقدرات الموارد المائية الفعلية. كما يبرز خيار تقليص المساحات المزروعة مقابل رفع الكفاءة والجودة، بما يضمن عائدًا اقتصاديًا أفضل بأثر بيئي أقل.

اقتصاديًا، يمكن للقطن أن يستعيد دوره ضمن نموذج أكثر توازنًا، يربط الزراعة بالصناعة المستدامة، ويعزز سلاسل القيمة المحلية دون استنزاف الموارد. وبيئيًا، يصبح وجوده على العملة تذكيرًا بأن التنمية في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بحجم الإنتاج وحده، بل بقدرتها على الصمود أمام الأزمات المناخية وحماية حقوق الأجيال القادمة في الماء والأرض.

هكذا، فإن القطن على فئة الـ100 ليرة لا يستحضر فقط مجد “الذهب الأبيض”، بل يطرح سؤال المستقبل: كيف يمكن لسورية أن تحافظ على إرثها الزراعي-الصناعي، دون أن تكرّر أخطاء الاستنزاف؟ الجواب، كما يوحي الرمز، يكمن في التحوّل من منطق الكمية إلى منطق الحكمة، ومن الإنتاج السريع إلى الاستدامة العميقة.

(*) عماد سعد
خبير سوري في التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي
info@abudhabienv.ae 00971506979645 https://abudhabienv.ae/

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الحمضيات… تنوّع بيئي وصورة عن غنى الأرض (05 – 06)

عماد سعد: •من زاوية الأمن الغذائي تحمل الحمضيات رسالة مختلفة لكنها مكملة لبقية الرموز الزراعية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *