القمح… من مهد الزراعة إلى رهان السيادة الغذائية (02 – 06)

عماد سعد:
• القمح رمز يتجاوز الاقتصاد نحو معنى أعمق للسيادة الغذائية والتنمية المستدامة
• يبدو اختيار القمح رمزًا على العملة السورية الجديدة بمثابة رسالة متعددة الطبقات: رسالة إلى الماضي، تُعيد الاعتبار لدور سورية الحضارة كمهد للزراعة؛ ورسالة إلى الحاضر، تُذكّر بأهمية حماية الموارد الطبيعية؛ ورسالة إلى المستقبل، تدعو إلى بناء نموذج تنموي قائم على السيادة الغذائية والزراعة المستدامة.

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد (*)، دمشق، الجمهورية العربية السورية، 30 كانون الأول، ديسمبر 2025
حين تتصدر سنابل القمح فئة الـ500 ليرة سورية، فإن الأمر يتجاوز استحضار محصولٍ زراعي أو عنصرٍ اقتصادي، ليصل إلى استدعاء لحظة تأسيسية في تاريخ الإنسانية جمعاء. ففي هذه الجغرافيا السورية، وعلى ضفاف الفرات وفي سهول الجزيرة السورية، شهد العالم واحدة من أعظم التحولات في مساره الحضاري: انتقال الإنسان من نمط الصيد والترحال إلى الزراعة والاستقرار. هنا دُجّن القمح لأول مرة، وهنا بدأت فكرة الادخار الغذائي، وتقسيم العمل، وبناء القرى، ثم المدن، فالدولة.

لم يكن القمح في تاريخ سورية مجرد غذاء يومي، بل كان أساس العقد الاجتماعي غير المعلن بين الإنسان والأرض. فهو المحصول الذي علّم الإنسان الصبر على الفصول، والانتظار، والاعتماد على دورة الطبيعة، كما علّمه معنى الوفرة والندرة، ومعنى التخطيط للمستقبل. ومن رحم القمح وُلدت أولى الحضارات الزراعية التي أنجبت الكتابة، والقانون، والعمارة، والطقوس، وكل ما نعرفه اليوم بوصفه “حضارة”.

وفي الذاكرة السورية، ظل القمح السوري مرتبطًا بالكرامة والأمان. فالخبز ليس مجرد منتج، بل قيمة ثقافية واجتماعية، ورمز للاستقرار الأسري والوطني في سوريا. ولهذا لم يكن غريبًا أن تصبح مسألة القمح، عبر التاريخ الحديث، قضية سيادية بامتياز، وأن يُنظر إلى الاكتفاء الذاتي منه بوصفه أحد أعمدة الاستقلال الحقيقي.

بيئيًا، يحمل القمح السوري (البعلي) دلالة عميقة في عصر التغير المناخي والاضطرابات البيئية. فهو محصول شديد الارتباط بدورات المطر، وحرارة الأرض، وجودة التربة، ويُعدّ مؤشرًا حساسًا على صحة النظم البيئية الزراعية. تراجع إنتاجه أو اضطرابه غالبًا ما يعكس خللاً أعمق في العلاقة بين الإنسان والبيئة، سواء بسبب سوء إدارة المياه، أو استنزاف التربة، أو اختلال المناخ.

ومن هذا المنظور، يبدو اختيار القمح رمزًا على العملة السورية الجديدة بمثابة رسالة متعددة الطبقات: رسالة إلى الماضي، تُعيد الاعتبار لدور سورية الحضارة كمهد للزراعة؛ ورسالة إلى الحاضر، تُذكّر بأهمية حماية الموارد الطبيعية؛ ورسالة إلى المستقبل، تدعو إلى بناء نموذج تنموي قائم على السيادة الغذائية والزراعة المستدامة.

فالاعتماد على الإنتاج المحلي للقمح لا يخفف فقط من هشاشة الأمن الغذائي، بل يحدّ أيضًا من الانبعاثات الكربونية المرتبطة بسلاسل الإمداد الطويلة والاستيراد، ويُعزز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود، ويوفر فرص عمل مستقرة، ويعيد التوازن بين الريف والمدينة. وفي عالم يشهد أزمات غذائية متكررة، يصبح القمح رهانًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الطاقة أو المياه.

في سورية الجديدة، لا يعود القمح مجرد محصول استراتيجي، بل يتحول إلى رمز لحق أصيل: الحق في الغذاء، والحق في الأرض، والحق في تقرير المصير الغذائي بعيدًا عن التبعية والارتهان. إنه استدعاء واعٍ لجذرٍ حضاري قديم، ومحاولة لزرع مستقبل تُبنى فيه السيادة من الحقل، وتُصان فيه الكرامة من سنبلة قمح.

(*) عماد سعد
خبير سوري في التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي
info@abudhabienv.ae 00971506979645 https://abudhabienv.ae/

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الحمضيات… تنوّع بيئي وصورة عن غنى الأرض (05 – 06)

عماد سعد: •من زاوية الأمن الغذائي تحمل الحمضيات رسالة مختلفة لكنها مكملة لبقية الرموز الزراعية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *