عماد سعد:
•من زاوية الأمن الغذائي تحمل الحمضيات رسالة مختلفة لكنها مكملة لبقية الرموز الزراعية على العملة. فهي تؤكد أن الغذاء لا يُختزل في الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية وحدها، بل يقوم أيضًا على الفواكه والخضار التي تضمن التوازن الغذائي والصحة العامة
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد (*)، دمشق، الجمهورية العربية السورية، 31 كانون الأول، ديسمبر 2025
على فئة الـ50 ليرة سورية، تحضر الحمضيات بوصفها رمزًا لواحد من أكثر الأقاليم البيئية تميّزًا في البلاد: الساحل السوري، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط بمرتفعات الجبال الساحلية، فتتشكل بيئة زراعية فريدة تقوم على الاعتدال المناخي، وتنوّع التربة، ووفرة الرطوبة النسبية. هذا المشهد الطبيعي لم يكن مجرد خلفية جغرافية، بل أسّس عبر القرون لنمط زراعي مختلف عن الزراعة الحقلية في الداخل، يقوم على البساتين، والتنوّع، وتعدّد الأصناف.
تاريخيًا، شكّلت زراعة الحمضيات جزءًا من الهوية الزراعية للساحل السوري، وارتبطت بالاقتصاد المحلي والأسري، حيث انتشرت البساتين الصغيرة والمتوسطة التي تجمع بين البرتقال، والليمون، واليوسفي، والغريب فروت، في نموذج زراعي يُجسّد العلاقة المتوازنة بين الإنسان والأرض. ولم تكن هذه الزراعة مجرد نشاط اقتصادي، بل نمط عيش يعكس ثقافة غذائية صحية، تقوم على الطازج، والموسمي، والمتنوّع.
بيئيًا، تمثل الحمضيات مثالًا حيًا على الزراعة البستانية متعددة الأصناف، وهي زراعة تقلّ فيها مخاطر الانهيار البيئي مقارنة بالزراعة الأحادية. فتنوع الأشجار يحدّ من انتشار الآفات، ويحافظ على خصوبة التربة، ويُسهم في استقرار النظم البيئية المحلية. كما أن هذه البساتين تشكّل موائل طبيعية للطيور والحشرات النافعة، ما يعزّز التنوع البيولوجي ويقوّي قدرة النظام الزراعي على التكيّف مع التغيرات المناخية.
ومن زاوية الأمن الغذائي، تحمل الحمضيات رسالة مختلفة لكنها مكملة لبقية الرموز الزراعية على العملة. فهي تؤكد أن الغذاء لا يُختزل في الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية وحدها، بل يقوم أيضًا على الفواكه والخضار التي تضمن التوازن الغذائي والصحة العامة. فالحمضيات، بما تحمله من فيتامينات ومضادات أكسدة، ترتبط مباشرة بالصحة الوقائية، وبنمط غذائي يقلّل من أعباء الأمراض المزمنة، ويعزّز جودة الحياة.
وفي زمن الأزمات المناخية والاقتصادية، يكتسب هذا الرمز بعدًا إضافيًا. فالتنوع الزراعي يُعد أحد أهم استراتيجيات التكيّف مع التغير المناخي، إذ يُقلّل من المخاطر المرتبطة بتقلبات الإنتاج، ويمنح المجتمعات المحلية مرونة أكبر في مواجهة الصدمات. وفي هذا السياق، تبدو الحمضيات على فئة الـ50 ليرة بمثابة تذكير بأن الاعتماد على محصول واحد، مهما بلغت أهميته، يظل خيارًا هشًا أمام تقلبات الطبيعة والأسواق.
أما في أفق سورية الجديدة، فيمكن قراءة هذا الرمز كدعوة لإعادة الاعتبار للزراعة المتنوعة، وللاقتصاد الزراعي المحلي القائم على سلاسل قيمة قصيرة، تقلّل الفاقد، وتعزّز دخل المزارعين، وتحافظ على البيئة في آن واحد. فالمستقبل الزراعي لسورية لا يقوم على الاستنزاف أو التوسع غير المحسوب، بل على استثمار ذكي في التنوع، وجودة الإنتاج، وربط الزراعة بالصحة، والبيئة، والاقتصاد المحلي.
هكذا، تصبح الحمضيات أكثر من مجرد فاكهة مرسومة على ورقة نقدية؛ إنها صورة عن غنى الأرض السورية، ورسالة بأن التنوع ليس ترفًا، بل شرطًا أساسيًا للاستدامة، والاستقرار، وبناء علاقة متوازنة بين الإنسان وبيئته في مرحلة التعافي وإعادة البناء.
(*) عماد سعد
خبير سوري في التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي
info@abudhabienv.ae 00971506979645 https://abudhabienv.ae/
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز