رسالة الغياب… حين تتكلم الطبيعة بصمت (06 – 06)

عماد سعد:
• العملة الجديدة تحمل رسالة تقول إن التنمية لا تُقاس فقط بما يُنتَج، بل بكيفية الإنتاج، وبالأثر الذي يتركه على الأرض والإنسان. فاختيار الطبيعة والزراعة بدل الصناعة الثقيلة في الفضاء الرمزي للعملة يعكس ميلًا نحو نموذج تنموي أكثر تواضعًا أمام حدود البيئة، وأكثر وعيًا بدروس التغير المناخي، حيث بات واضحًا أن الكلفة البيئية للنمو غير المنضبط تفوق مكاسبه الاقتصادية على المدى الطويل.

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد (*)، دمشق، الجمهورية العربية السورية، 31 كانون الأول، ديسمبر 2025
لا تقلّ الرموز الغائبة عن الحاضرة قدرةً على التعبير. ففي الإصدار الجديد من العملة السورية، يلفت النظر ذلك الصمت البصري المتعمّد تجاه رموز اعتادت أن تملأ الخطاب التنموي التقليدي: لا مصانع ضخمة، ولا مداخن تنفث الدخان، ولا أبراج إسمنتية، ولا إشارات إلى نموذج صناعي ثقيل طالما قُدّم بوصفه مرادفًا للتقدم. هذا الغياب ليس فراغًا في التصميم، بل خطاب رمزي قائم بذاته، يحمل دلالة بيئية عميقة تتجاوز الشكل إلى المعنى.

على امتداد القرن الماضي، ارتبطت فكرة “التنمية” في كثير من الدول، ومنها سورية، بصورة المصنع، والآلة، والمدينة الصناعية، حتى وإن جاء ذلك أحيانًا على حساب البيئة، والمياه، والتربة، وصحة الإنسان. وكانت المداخن العالية تُقدَّم بوصفها علامات ازدهار، فيما تُهمَّش كلفة التلوث، واستنزاف الموارد، وتدهور النظم البيئية. أما اليوم، فإن تغييب هذه الرموز من العملة يوحي بتحوّل في السردية، أو على الأقل بمحاولة لإعادة التفكير فيها.

بيئيًا، يحمل هذا الغياب رسالة تقول إن التنمية لا تُقاس فقط بما يُنتَج، بل بكيفية الإنتاج، وبالأثر الذي يتركه على الأرض والإنسان. فاختيار الطبيعة والزراعة بدل الصناعة الثقيلة في الفضاء الرمزي للعملة يعكس ميلًا نحو نموذج تنموي أكثر تواضعًا أمام حدود البيئة، وأكثر وعيًا بدروس التغير المناخي، حيث بات واضحًا أن الكلفة البيئية للنمو غير المنضبط تفوق مكاسبه الاقتصادية على المدى الطويل.

كما يمكن قراءة هذا الصمت البصري بوصفه اعترافًا غير مباشر بأن مرحلة من التاريخ انتهت، أو على الأقل تحتاج إلى مراجعة. فالصناعة التي لم تُراعِ التوازن البيئي أسهمت، في كثير من الأحيان، في تلويث الأنهار، وتدهور التربة، وارتفاع الأمراض، وزيادة الهشاشة الاجتماعية. وفي المقابل، تبرز اليوم مقاربات جديدة للتنمية تقوم على الاقتصاد الأخضر، والصناعات النظيفة، والطاقة المتجددة، والزراعة المستدامة، وهي مقاربات لا تحتاج إلى مداخن كي تعلن وجودها.

ومن زاوية ثقافية، فإن هذا الغياب يعيد الاعتبار لعلاقة الإنسان السوري بأرضه، بوصفها علاقة تأسيسية سبقت المصانع والمدن الحديثة بآلاف السنين. فالحضارات التي قامت في هذه الجغرافيا السورية لم تنفصل عن الطبيعة، بل نشأت في انسجام نسبي معها، على ضفاف الأنهار، وفي السهول الخصبة، وعلى سفوح الجبال. وبهذا المعنى، فإن العملة الجديدة تستحضر ذاكرة أعمق من الذاكرة الصناعية الحديثة، ذاكرة الزراعة، والماء، والتربة، والعيش ضمن إيقاع الطبيعة.

وفي أفق سورية الجديدة، يصبح هذا الغياب بمثابة دعوة مفتوحة لإعادة تعريف التنمية، لا بوصفها سباقًا نحو التوسع والاستهلاك، بل كمسار توازن واستدامة. فالتنمية المنشودة هي تلك التي تُنقذ الأرض بدل أن تستنزفها، وتمنح الإنسان صحة وكرامة، لا دخانًا وأمراضًا. وحين تختار العملة أن تصمت عن الصناعة الملوِّثة، فإن الطبيعة تتكلم نيابة عنها، بلغة هادئة تقول إن المستقبل لا يُبنى بالضجيج، بل بالحكمة.

(*) عماد سعد
خبير سوري في التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي
info@abudhabienv.ae 00971506979645 https://abudhabienv.ae/

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

اليوم العالمي للتطوع

البيئة… التزام ومسؤولية بقلم عماد سعد، خبير الاستدامة، المسؤولية المجمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *