من ذاكرة الأرض إلى أفق أكثر استدامة.. سردية سورية الجديدة
عماد سعد:
• إعادة البناء لا تختزل في الإسمنت والحديد، ولا في المدن وحدها، بل تبدأ من التربة التي تُزرع، والماء الذي يُدار بحكمة، والإنسان الذي يشعر أن له دوراً حقيقياً في مستقبل بلاده. إنها دعوة لإحياء العلاقة المنسية بين الإنسان وبيئته، باعتبارها شرطاً لأي تعافٍ حقيقي ومستدام.
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم عماد سعد (*)، دمشق، الجمهورية العربية السورية 01 كانون الثاني / يناير 2026
في عالمٍ تتسابق فيه الدول على نقش مظاهر القوة العسكرية، أو استعراض التفوق التكنولوجي، أو تسويق رموز الاستهلاك السريع على عملاتها، يطلّ الإصدار الجديد من العملة سورية الجديدة بخيارٍ مختلف، هادئ في ظاهره، عميق في دلالته. خيارٌ يعيد الاعتبار للقيمة الأقدم والأصدق في تاريخ الأمم ألا وهي الأرض.
الأرض التي تُطعم قبل أن تُصدّر، وتُداوي قبل أن تُستنزف، وتمنح الإنسان معنى للاستقرار والانتماء قبل أن تمنحه أرباحًا عابرة.
حين نتأمل الرموز الزراعية والطبيعية المرسومة على العملة السورية الجديدة مجتمعة، لا نقرأ مجرد صور لمحاصيل مألوفة، بل نقرأ سردية وطن تمتد من فجر الحضارات إلى أسئلة المستقبل. سردية تقول إن سورية، التي كانت يومًا مهد الزراعة الأولى في اللف العاشر قبل الميلاد، ومختبر العلاقة المتوازنة بين الإنسان والطبيعة، لا تزال قادرة على استعادة هذا الدور، وبناء نموذج تنموي أكثر إنسانية، وأكثر انسجاماً مع بيئتها وتاريخها.
إن حضور القمح، والزيتون، والقطن، والحمضيات، ليس استدعاءً حنينياً للماضي، ولا تزييناً بصرياً لورق نقدي، بل هو إعادة ترتيب للأولويات الوطنية. هذه المحاصيل تختصر قروناً من علاقة عضوية بين الإنسان السوري وأرضه، حيث لم تكن الزراعة نشاطاً اقتصادياً فحسب، بل كانت نمط حياة، وذاكرة جماعية، ونظام قيم، وأساساً للاستقرار الاجتماعي والسياسي.
ومن خلال وضع هذه الرموز في قلب التداول النقدي اليومي، يتم تذكير المجتمع – بهدوء عميق – بأن التعافي الحقيقي لا يبدأ من الهامش، بل من الجذور.
وفي الوقت نفسه، لا تتوقف هذه الرموز عند الماضي، بل تفتح نافذة واضحة على سورية الجديدة، سورية التي لم يعد بمقدورها تكرار نماذج تنموية استنزفت الأرض والإنسان معاً، وأضعفت قدرة المجتمع على الصمود. ففي ظل التغير المناخي، وشح المياه، وتدهور النظم البيئية، تصبح الحاجة ملحّة إلى نموذج يقوم على:
• الزراعة المستدامة بدل الزراعة الاستنزافية.
• الإدارة الرشيدة للمياه بوصفها موردًا وجوديًا لا سلعة بلا حدود.
• واحترام التنوع البيولوجي باعتباره خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي والمرونة البيئية.
كما تعيد هذه السردية الاعتبار للريف السوري، لا بوصفه هامشاً تابعاً للمدينة، بل كقلب نابض للتنمية المستدامة. فالريف، بخبراته المتراكمة، ومعارفه الزراعية التقليدية، وقدرته التاريخية على التكيّف، قادر – إذا ما جرى تمكين الإنسان المنتج فيه – أن يكون حجر الأساس في إعادة بناء الاقتصاد الوطني. تمكينٌ لا يقتصر على الدعم المادي، بل يشمل المعرفة، والتقنيات الحديثة، والعدالة في الفرص، بما يضمن الكرامة والاستدامة معاً.
في هذا السياق، تتحوّل العملة السورية الجديدة من مجرد وسيلة تبادل إلى بيان رمزي صامت، يمرّ بين أيدي الناس يومياً، ويذكّرهم دون خطاب مباشر بأن إعادة البناء لا تختزل في الإسمنت والحديد، ولا في المدن وحدها، بل تبدأ من التربة التي تُزرع، والماء الذي يُدار بحكمة، والإنسان الذي يشعر أن له دوراً حقيقياً في مستقبل بلاده. إنها دعوة لإحياء العلاقة المنسية بين الإنسان وبيئته، باعتبارها شرطاً لأي تعافٍ حقيقي ومستدام.
وفي عالمٍ يفاخر بالقوة الصلبة، تختار هذه الرموز أن ترفع قيمة مختلفة: قيمة الحياة. الأرض التي تُطعم قبل أن تُصدّر، وتُداوي قبل أن تُستنزف، وتمنح المستقبل معنى قبل أن تمنح ربحًا قصير الأجل.
بهذا المعنى، تصبح العملة مرآة لرؤية محتملة لسورية جديدة، ترى في البيئة شريكاً لا مورداً فقط، وفي الزراعة أساساً للسيادة الوطنية لا قطاعاً ثانوياً. وكأن هذا الاختيار يعيد إلى الذاكرة ما قاله جبران خليل جبران ذات يوم: «ويلٌ لأمّةٍ تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تخيط، وتشرب مما لا تعصر.» إنها ليست مجرد صور على ورق نقدي، بل رسالة تقول: هنا يبدأ الطريق… من الأرض، ومع الإنسان، وإلى مستقبل أكثر عدلاً وتوازناً ومرونة.
(*) عماد سعد
خبير سوري في التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي
info@abudhabienv.ae 00971506979645 https://abudhabienv.ae/
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز