شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 03 يناير 2026
منذ اعتماد الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة السبعة عشر بوصفها إطارًا عالميًا لتحقيق تنمية شاملة بحلول عام 2030، شاع الاعتقاد بأن هذه الأهداف تمثّل خلاصة الوعي الإنساني المعاصر بقضايا الإنسان والبيئة والعدالة. غير أن التأمل المتأنّي في هذا الإطار، من منظور باحث في السياسة اللغوية يحمل همّ اللغة، يثير سؤالًا لا يخلو من دلالة: لماذا يغيب مفهوم اللغة عن هذا المشروع الذي يدّعي الشمول؟
كثيرًا ما أستحضر قصة السيدة المسنّة ناتاليا سانغاما، آخر المتحدثين بلغة شاميكورو، التي انقرضت بوفاتها. تقول في شهادة موجعة: “أحلم بلغة شاميكورو، لكنني لا أستطيع أن أحكي أحلامي لأحد، لأن أحدًا لا يتكلم لغتي. أشعر بالوحدة لأنني آخر من بقي.” هذه الكلمات البسيطة وإن كانت تعبّر عن وحدة امرأة مسنّة، فإنها تكشف مأساة أعمق: عزلة لغة كاملة وهي تُنتزع بصمت من الوجود.
والسؤال المؤلم هنا: لماذا لم يلتفت أحد إلى أن ما فُقد بوفاتها لم يكن كائنًا بحريًا نادرًا، ولا زاحفًا بريّا جميلًا، ولا ثروة مادية، ولا مؤشرًا من مؤشرات الصحة أو الرفاه أو التعليم، بل لغة؟ ولماذا يُستنفَر الضمير الإنساني حين تنقرض كائنات الطبيعة، بينما يمرّ انقراض اللغات بما تحمله من ذاكرة جماعية وتجربة إنسانية فريدة مرورًا عابرًا؟ هنا يتأكد لنا أننا نُحصي خسائرنا البيئية بدقة، لكننا ما زلنا عاجزين عن الاعتراف بأن انقراض لغة هو انقراض شكل من أشكال الحياة الإنسانية نفسها.
فاللغة، التي تشكّل وعينا بالعالم، وتنقل المعرفة، وتصوغ القيم، وتؤطّر التعليم، وتُدار بها المؤسسات، لا تحضر في أهداف التنمية المستدامة بوصفها عنصرًا ثقافيًا مؤسِّسًا للتنمية!! وهذا الغياب يكشف عن تصور للتنمية يركّز على المؤشرات القابلة للقياس، ويُهمل البنى الرمزية والمعرفية التي لا تُختزل في الأرقام، رغم كونها شرطًا سابقًا لأي تحوّل تنموي حقيقي.
ولست هنا أسعى إلى إدخال اللغة قسرًا ضمن أهداف التنمية المستدامة، بقدر ما أُحاول مساءلة هذا الإطار نفسه من منظور السياسة اللغوية، وطرح سؤال أبعد: هل يمكن الحديث عن تنمية مستدامة دون استدامة لغوية؟ وقبل ذلك سؤال أقرب وأكثر جذرية: هل اللغة جزء من البيئة، أم أنها مجرد أداة للتعبير عنها؟
وإذا كان تعريف البيئة ينصرف، في الخطاب السائد، إلى عناصر الطبيعة المادية، فإن هذا التعريف يغفل حقيقة أساسية: أن الإنسان لا يختبر بيئته اختبارًا مباشرًا، بل يمرّ إليها عبر اللغة. فاللغة لا تقف خارج البيئة بوصفها أداة وصف، بل تتوسّط علاقتنا بها، وتشكّل إدراكنا لمعانيها وحدودها. نحن لا نرى الصحراء كما هي فيزيائيًا فحسب، بل كما تصوغها لنا اللغة: فضاءً للتيه أو للسكون، للقسوة أو للكرم، للخطر أو للحكمة. فاللغة بيئة غير مرئية نعيش داخلها بقدر ما نعيش داخل المكان.
وتتجلّى هذه الوساطة اللغوية بوضوح في الثقافة العربية، حيث لم يكن الثراء المعجمي في وصف الطبيعة ترفًا بلاغيًا، بل ضرورة معرفية. فتمييز العرب بين الغيث والودق والهطل والطل، وبين الصبا والدبور والسموم والنكباء، لم يكن تكديسًا لغويًا، بل تعبيرًا عن علاقة دقيقة بالبيئة، تُدرك الظواهر في اختلافها، وتتعامل معها بوعي، وتحترم قوانينها. فاللغة تعكس البيئة وتكشف عن نمط العيش داخلها.
وإذا كانت البيئة الطبيعية تُقاس بدرجة نقائها أو تلوّثها، فإن البيئة اللغوية تُقاس بدرجة قدرتها على إنتاج المعنى المشترك. فحين تختل اللغة، لا بوصفها أخلاقًا، بل بوصفها نظامًا رمزيًا، يتشوّه الفضاء العام، ويغدو التواصل هشًّا، وتفقد الكلمات قدرتها على التسمية والتفسير والاحتواء. ونكون إزاء ما يمكن أن نسميه التلوث اللغوي. علما أن الخلل لا يكون في الألفاظ ذاتها، بل في البيئة التي لم تعد قادرة على حمل المعنى أو تنظيم الاختلاف.
ويتصل بذلك مفهوم التنوّع اللغوي، الذي لا يمكن فصله عن فكرة التنوّع البيئي. فاندثار لغة ما يعني ضياع ذاكرة ثقافية كاملة، ورؤية مخصوصة للعالم، وطريقة فريدة في تسمية الأشياء وفهمها. إن كل لغة تحمل معها معرفة متراكمة عن المكان، والزمان، والعلاقات، وما يختفي من اللغة يختفي معه شكل من أشكال الإدراك الإنساني.
وفي السياق العربي، لا يقتصر هذا الفقد على اللغات بالمعنى الصارم، بل يمتد إلى اللهجات المحلية التي تختزن أسماء النباتات، والرياح، والمواسم، وأدوات العيش، وهي معارف بيئية تشكّلت عبر قرون من التفاعل مع المكان. وحين تُهمَل هذه الأشكال اللغوية أو تُقصى، لا نفقد تنوّعًا لغويًا فحسب، بل نخسر طبقات من المعرفة البيئية التي لا تُعوَّض.
وفي زمن يتزايد فيه الحديث عن الاستدامة البيئية بوصفها أفقًا إنسانيًا جامعًا، يظلّ سؤال اللغة غائبًا أو مؤجَّلًا، كأنها ليست موردًا يُستنزف، ولا بيئة تُهمَل. غير أن التأمل في مصائر اللغات المنقرضة، وفي هشاشة البيئات اللغوية المعاصرة، يكشف أن اللغة بدورها تخضع لمنطق الاستهلاك والإقصاء والنسيان، وإن بطرق أقل وضوحًا من تلوّث الهواء أو نضوب الماء. هنا يلوح مفهوم الاستدامة اللغوية لا بوصفه سياسة جاهزة، بل بوصفه سؤالًا نقديًا يكشف حدود نموذج التنمية حين يُختزل فيما يُقاس ويُحصى.
وختاما، فإذا كانت البيئة شرط بقاء الإنسان جسديًا، فإن اللغة شرط بقائه معنويًا وثقافيًا، ومن دونها يفقد العالم قابليته لأن يُفهم ويُحكى ويُتشارك. وحين ندافع عن اللغة، فإننا لا ندافع عن تراث رمزي فحسب، بل عن بيئة الإنسان الداخلية: وعيه، وذاكرته، وقدرته على العيش المشترك. وربما يكون السؤال الأجدر اليوم ليس كيف نُدرج اللغة في خطابات الاستدامة، بل كيف نُعيد التفكير في الاستدامة ذاتها حين تغيب عنها اللغة التي نرى بها الطبيعة ونمنحها معناها.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز