المغرب في مواجهة الإجهاد المائي: تغيّر المناخ يضاعف التحديات ويفرض إعادة التفكير بحوكمة الماء

د. محمد بنيخلف:
• المغرب انتقل فعليًا من مرحلة الندرة المائية إلى مرحلة الإجهاد الحاد
• نصيب الفرد من الماء انخفض من 2560 مترًا مكعبًا إلى أقل من 600 متر مكعب سنويًا
• أزمة الماء في المغرب هي أزمة حوكمة بقدر ما هي أزمة موارد
• الأمن المائي حق إنساني قبل أن يكون ملفًا تقنيًا

شبكة بيئة ابوظبي، الرباط، المملكة المغربية، 03 يناير 2026
يواجه المغرب اليوم واحدًا من أخطر التحديات البيئية والتنموية في تاريخه الحديث، يتمثل في تفاقم ندرة المياه وتزايد الإجهاد المائي بفعل التغير المناخي، وتراجع التساقطات، وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب ضغوط بشرية واقتصادية متنامية. هذا ما خلصت إليه دراسة علمية شاملة عُرضت ضمن ندوة متخصصة نظمتها شبكة العمل المناخي بالمملكة المغربية، تحت عنوان) الموارد المائية وتغير المناخ بالمغرب: دراسات حالة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) قدم المحاضرة الدكتور محمد بنيخلف، باحث في علوم البيئة والتغيرات المناخية، رئيس الهيئة الإدارية لشبكة العمل المناخي بالمغرب. ظهر يوم السبت 03 يناير 2026 عبر المنصة الافتراضية زووم.

موقع جغرافي معقّد ومناخ متحوّل
تقع المملكة المغربية في منطقة انتقالية بين المناخ المعتدل والمناخ الصحراوي، مع واجهتين بحريتين متوسطية وأطلسية، وتنوع جيولوجي ومجالي كبير يجعلها شديدة الحساسية للتغيرات المناخية. ويبلغ عدد سكان المغرب، حسب الإحصاء العام لسنة 2024، نحو 36.8 مليون نسمة، ما يزيد الضغط على موارد مائية محدودة أصلًا، وتُظهر الخرائط المناخية المضمنة في العرض (الصفحات 2–4) أن التساقطات المطرية تعرف تفاوتًا كبيرًا زمانيًا ومكانيًا، حيث تتجاوز 2000 ملم سنويًا في بعض مناطق الريف، بينما تنخفض إلى أقل من 130 ملم في الجنوب الشرقي والمناطق الصحراوية، مع صيف حار وجاف وشتاء متباين الخصائص.

تغيّر مناخي يضغط على الموارد المائية
تشير التوقعات المناخية الوطنية إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة بين 2 و6 درجات مئوية بحلول نهاية القرن، مقابل انخفاض متوقع في التساقطات بنحو 20% في المتوسط، ما يعني تقلص المناطق الرطبة وشبه الرطبة لصالح المناطق الجافة وشبه الجافة، وتُبرز الدراسة أن المناطق الجبلية، التي تمثل صهريجًا طبيعيًا يوفر نحو 70% من الموارد السطحية للمغرب، أصبحت بدورها أكثر هشاشة أمام تواتر الجفاف والظواهر المتطرفة، ما ينعكس مباشرة على الأمن المائي والغذائي للبلاد.

أرقام مقلقة: من وفرة نسبية إلى إجهاد حاد
تُظهر البيانات التاريخية تراجع نصيب الفرد من الموارد المائية من حوالي 2560 مترًا مكعبًا سنويًا سنة 1960 إلى نحو 600 متر مكعب حاليًا، مع توقعات بانخفاضه إلى 540 مترًا مكعبًا بحلول عام 2030، أي دون عتبة الندرة الشديدة المعتمدة من طرف الأمم المتحدة، وفي الجنوب، تنخفض حصة الفرد إلى أقل من 100 متر مكعب سنويًا في بعض الأحواض الجافة، ما يعكس اختلالًا مجاليًا عميقًا في توزيع الموارد المائية .

تراجع الواردات المائية وارتفاع العجز
تشير المعطيات الرسمية إلى تراجع الواردات المائية بنسبة 67% في سنة واحدة (من 1.5 مليار م³ إلى 500 مليون م³)، مع توقع وصول العجز المائي إلى 5 مليارات متر مكعب بحلول 2030، ما يضع المغرب ضمن الدول الأكثر عرضة لتداعيات التغير المناخي عالميًا.

السدود لم تعد كافية
رغم سياسة تشييد السدود التي امتدت لأكثر من أربعة عقود، تؤكد الدراسة أن الاعتماد الحصري على السدود لم يعد حلًا كافيًا، بسبب الطابع الهيكلي للجفاف. وتُظهر خريطة ملء السدود (23 يناير 2024) تراجع النسبة الوطنية إلى 23.2% مقارنة بـ 31.7% سنة 2023، مع تفاوت كبير بين الأحواض.

تحلية المياه والموارد غير التقليدية
في مواجهة هذا الوضع، اتجه المغرب إلى تعبئة الموارد غير التقليدية، خاصة تحلية مياه البحر. ويضم المغرب حاليًا 15 محطة لتحلية المياه، مع توجه لاعتماد الطاقات المتجددة لتقليل الكلفة والأثر البيئي. وتهدف الاستراتيجية الوطنية إلى بلوغ إنتاج 1.7 مليار متر مكعب سنويًا بحلول 2030 لتأمين حاجيات مدن كبرى مثل الدار البيضاء وطنجة والجديدة، إضافة إلى استعمال هذه المياه في الري.

حوكمة المياه: من التقنية إلى العدالة
تؤكد الدراسة أن التحدي المائي في المغرب ليس تقنيًا فقط، بل حوكمي بالدرجة الأولى. فقد اعتمدت المملكة نهج الإدارة المندمجة للموارد المائية، القائم على: تطوير البنية التحتية، ترشيد الاستعمال، إشراك الفاعلين، وضمان الولوج العادل للماء، كما استعرض العرض الإطار القانوني والاستراتيجي، من دستور 2011، وقانون الماء 36.15، إلى الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة والمخطط الوطني للمناخ، باعتبارها أدوات لتعزيز الصمود المائي والبيئي

خارطة طريق لمواجهة الإجهاد المائي
تتمحور خارطة الطريق الوطنية حول: تسريع برنامج التزويد بالماء الشروب والسقي (2020–2027)، الربط بين الأحواض المائية، توسيع التحلية والمعالجة وإعادة الاستعمال، حماية الفرشات المائية، اعتماد إدارة الطلب بدل التوسع غير المحدود في العرض، وتعزيز التضامن المائي بين الجهات.

الماء كحق إنساني ومسؤولية جماعية
خلصت الدراسة إلى أن الأمن المائي حق إنساني أساسي، مرتبط بالصحة والكرامة والتنمية، وأن الحفاظ عليه يتطلب مشروعًا وطنيًا طموحًا، قائمًا على التعاون، والحكامة الرشيدة، والاستثمار في المعرفة، وإشراك المجتمع. فالماء، كما ورد في خاتمة العرض، «خير عام ليس ملكًا دائمًا لأحد، لكن إدارته مسؤولية الجميع»

أخيراً يمكن القول بأن واقع الموارد المائية في المغرب يعكس صورة مكثفة للتحدي المناخي في المنطقة العربية: ندرة متزايدة، وضغوط سكانية، وتغير مناخي متسارع. وبينما لم تعد الحلول التقليدية كافية، تبرز الحوكمة المستدامة، والابتكار، والعدالة المجالية كمرتكزات أساسية لضمان حق الأجيال الحالية والقادمة في الماء.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

مراجعة وتحليل لأعمال المحفل العلمي الدولي السابع عشر2025 (01 – 02)

حين تعانق المعرفةُ قِيمَها ويستعيدُ العِلمُ رسالته • سيف السويدي: المعرفة ليست ملكية خاصة، بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *