شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 09 يناير 2026
تعرّفتُ إلى مفهوم “الوفرة” للمرة الأولى عبر كتاب قوة الوفرة لديباك تشوبرا، ويمكنني القول إن هذا المفهوم من أقوى المفاهيم الحديثة التي انتشرت في الخطاب التنموي والنفسي، إذ يقوم على رؤية إيجابية للعالم ترى أن الخيرات متجدّدة، وأن الفرص متاحة، وأن العطاء لا يُنقص ما في اليد، بل يجتذب مزيدًا من البركة والازدهار.
غير أن هذا التعريف، على جاذبيته، ظلّ يثير لديّ سؤالًا مؤرقًا: متى تكون الوفرة وعيًا بنّاءً، ومتى تنقلب إلى هدر يُسوَّق باسم الإيجابية؟ وهذا ما دعاني إلى قراءة تأملية في المفهومين.
يقوم مفهوم الوفرة – بحسب ما فهمت مما قرأت – على حالة وعي أكثر منه على ممارسة إنفاق؛ فالوفرة شعور راسخ بأن ما عند الله لا ينفد، وأن مصادر الرزق متعددة، وأن الإنسان قادر على خلق قيمة في محيطه. لذلك فإنها ترتبط بالتفكير الاستراتيجي، ووضوح الهدف، والتركيز على البناء، لا على الاستعراض.
أما الهدر – بحسب ما شاهدت في الحياة وتعلمت – فهو الوجه النقيض تمامًا: إنه إنفاق بلا وعي، وتصرّف خارج منظومة الاحتياج، وتمدد في الكماليات على حساب الأساسيات، أو إغراقٌ في صرفٍ لا يضيف قيمة. يظنه بعضهم سخاء، بيد أن الهدر يختلف عن السخاء في أنه غيابٌ للحكمة؛ فالسخاء في جوهره يقترن بالبصيرة، بينما الهدر يقوم على لحظة اندفاع، أو رغبة في إثبات الذات، أو فهم خاطئ لمفهوم الكرم. وقد نبّه القرآن إلى هذا بوضوح، كما في قوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرًا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين}، وهو تحذير يضع حدودًا فاصلة بين الفضيلة والرذيلة.
يخطئ بعض الناس في فهم نظرية الوفرة حين يترجمونها إلى إنفاق غير محسوب. يعتقدون أن “الكون كريم” بمعنى أن الصرف المفتوح دليل على الثقة بالله، بينما الحقيقة أن الوفرة الحقيقية لا تتعارض مع التخطيط المالي، ولا مع ميزانيات الرشد، ولا مع مبدأ الأولويات؛ بل إن أعظم صور الوفرة هي أن تعيش مطمئنًا دون أن تنزلق إلى فوضى مالية. الوفرة لا تلغي قوانين الحكمة، ولا تعفي من تنظيم الموارد، بل تجعل الإنسان أكثر إدراكًا لقيمة ما يملك، وأكثر قدرة على توظيفه في مواضعه.
وهناك فارق جوهري هو أن الوفرة بمفهومها الواعي تخلق قيمة، بينما الهدر يبدّد القيمة. الوفرة تُسهم في توسيع الخيارات وتحسين جودة الحياة، بينما الهدر يراكم الالتزامات ويولد الندم. الوفرة ترتبط بالبركة، أما الهدر فيرتبط بالنزف. الوفرة تعني أن تعطي من موضع الامتلاء، وأن تساند الآخرين دون أن تنهك نفسك، أما الهدر فهو إنفاق يفوق الوسع، ظاهره العطاء بينما باطنه التشتيت.
وبين هذين المفهومين يستطيع الإنسان أن يحدد موقعه: هل تنمّي ممارساتُه حياتَه؟ أم تمنّي أفكارُه نفسَه أمانيَ خلّب، تُزيّن الوهم، ولا تُقيم حياة.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز