لن أعيش في جلباب أبي… لكن سوف أعيش في جسد أمي

حديث علمي عن: التخالُط الجنيني–الأمومي: حين تترك الحياة بصمتها الخلوية داخل جسد الأم

سلسلة “خواطر ور اثية” تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة، الحلقة رقم (16)

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم: د. قاسم زكي، أستاذ الوراثة بكلية الزراعة – جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 11 يناير 2026
لعلنا جميعا نتذكر المسلسل المصري الشهير (لن أعيش في جلباب أبي) للفنان الراحل القدير نور الشريف، وكان يدور حول العصامية واعتماد الإنسان على نفسه بعيد عن دعم (جلباب) أبيه. لكن العكس ثبت علميا، أن خلايا الابن تعيش داخل جسد الأم بعد ولادته بأعوام عديدة، وهذا هو محور حديثنا اليوم. فلطالما قيل إن رابطة الأم وطفلها لا تنقطع، حتى بعد أن يكبر ويبتعد. لكن العلم، في السنوات الأخيرة، أضاف إلى هذه الفكرة بعدًا مدهشًا، لا ينتمي إلى الأدب والشعر وحدهما، بل إلى علم الأحياء نفسه. فقد كشفت الأبحاث أن خلايا من الجنين قد تبقى داخل جسم الأم لسنوات طويلة بعد الولادة، وربما طوال العمر.

لسنوات طويلة، ساد الاعتقاد بأن العلاقة البيولوجية بين الأم وجنينها تنتهي بانتهاء الحمل وخروج المولود إلى الحياة المستقلة. غير أن تطور تقنيات البيولوجيا الجزيئية، خصوصًا تحليل الحمض النووي عالي الحساسية، كشف عن حقيقة مدهشة: بقاء خلايا جنينية داخل جسم الأم لسنوات وربما لعقود بعد الولادة. تُعرف هذه الظاهرة علميًا باسم التخالط الجنيني–الأمومي (Fetal–Maternal Microchimerism)، وهي تمثل أحد أكثر الاكتشافات إثارة في علم الأحياء التكاثري والمناعي في العقود الأخيرة.

أولًا: ما هو التخالط الجنيني–الأمومي؟
التخالط (Chimerism) هو وجود مجموعتين جينيتين مختلفتين داخل كائن حي واحد. أما التخالط الجنيني–الأمومي الدقيق فيشير إلى انتقال عدد محدود من خلايا الجنين إلى جسد الأم أثناء الحمل، عبر المشيمة، واستقرارها في أنسجة متعددة. فأثناء الحمل، لا يكون التبادل بين الأم وجنينها غذائيًا فقط. فقد أثبت العلماء أن خلايا حية من الجنين تعبر المشيمة وتدخل مجرى دم الأم. والمفاجأة أن جزءًا من هذه الخلايا لا يختفي بعد الولادة، بل يستقر في أنسجة مختلفة من جسد الأم. هذه الخلايا: تحمل التركيب الوراثي الكامل للجنين، وقادرة على الانقسام والبقاء وتختلف عن مجرد بقايا وراثية أو DNA حرّ في الدم.

ثانيًا: الأدلة العلمية على بقاء الخلايا الجنينية
أثبتت دراسات عديدة، منذ تسعينيات القرن الماضي، أن خلايا جنينية يمكن رصدها في أجسام الأمهات بعد سنوات طويلة من الحمل. فتشير الدراسات إلى أن الخلايا الجنينية قد تستمر عشرات السنين داخل جسد الأم. وبعض الأبحاث وثّقت وجودها بعد أكثر من أربعين عامًا من آخر حمل. أبرز المواقع التي عُثر فيها على هذه الخلايا هو الدم المحيطي ونخاع العظم والكبد والرئتان والجلد والدماغ (في حالات موثقة). وقد استُخدم وجود كروموسوم (Y) كعلامة واضحة للكشف عن خلايا جنينية ذكورية داخل أجسام أمهات أنجبن ذكورًا. وفي دراسة مفصلية نُشرت عام 2012م، أُثبت وجود خلايا جنينية ذكورية في أدمغة نساء متوفيات بعد أكثر من 40 عامًا من آخر حمل.

ثالثًا: كيف تبقى هذه الخلايا؟ وما طبيعتها؟
تشير الأبحاث إلى أن الخلايا الجنينية تنتمي غالبًا إلى خلايا جذعية متعددة القدرات، يمكنها الاندماج داخل أنسجة الأم وقد تتمايز إلى خلايا مناعية أو خلايا وعائية أو خلايا نسيجية داعمة. وهذا يفسر قدرتها على البقاء طويلًا والمشاركة –ولو جزئيًا– في ديناميكية الأنسجة.

رابعًا: الوظيفة المحتملة… بين اليقين والفرضية
من المؤكد وجود تلك الخلايا وبقاؤها حية مع قدرتها على التمايز. لكن ما يزال قيد البحث هل تلعب تلك الخلايا دورًا في ترميم الأنسجة؟ او تعديل الاستجابة المناعية؟ او بعض أمراض المناعة الذاتية؟
لكن ما لم يُثبت علميًا حتى الآن هو أن هذه الخلايا تفسر مشاعر الأمومة أو تشارك في الحدس أو الارتباط العاطفي أو تؤثر مباشرة في السلوك أو الوعي. وهنا يجب التمييز بوضوح بين البيولوجيا المثبتة والتأويلات النفسية أو الأدبية.

خامسًا: التفسير العصبي والنفسي للرابطة الأمومية
انتشرت في الآونة الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي تفسيرات شاعريّة تقول إن هذه الخلايا “تجعل الأم تشعر بطفلها ، أو “تفسر “حدسها الأمومي”. لكن يرى علم الأعصاب أن الارتباط العاطفي بين الأم وطفلها ينتج أساسًا عن تأثير هرمونات الحمل والرضاعة، خصوصًا الأوكسيتوسين وتغيرات عميقة في الدماغ أثناء الحمل والولادة وإعادة تشكيل الدوائر العصبية المسؤولة عن المكافأة والتعاطف والتجربة التفاعلية المستمرة بين الأم والطفل بعد الولادة، وبالتالي، لا يوجد حتى الآن دليل علمي يربط وجود الخلايا الجنينية في الدماغ بتكوين المشاعر أو الحدس الأمومي بشكل مباشر.

سادسًا: بين العلم والسردية الثقافية
يُعد التخالط الجنيني–الأمومي مثالًا حيًا على كيفية تحوّل الاكتشافات العلمية إلى سرديات وجدانية في الثقافة العامة ،ورغم الجاذبية الرمزية لفكرة “أن الطفل يبقى داخل أمه”، فإن مسؤولية الخطاب العلمي تقتضي عدم توسيع الاستنتاجات والفصل بين ما نعرفه وما نشعر به واحترام حدود الدليل التجريبي

خاتمة القول:
أن التخالط الجنيني–الأمومي يمثل أحد أعمق الشواهد على تعقيد العلاقة البيولوجية بين الأم وطفلها، علاقة لا تنقطع عند الولادة كما كان يُعتقد، بل تترك آثارًا خلوية قابلة للرصد العلمي. ومع ذلك، يبقى توظيف هذا الاكتشاف لتفسير المشاعر والسلوك مجالًا مفتوحًا للتأمل، لا للحسم العلمي بعد. إنه مثال بديع على جمال العلم حين يوسع دهشتنا، دون أن يخلط بين الحقيقة والشاعرية.

المراجع:
1. Bianchi DW et al. Male fetal progenitor cells persist in maternal blood for decades. PNAS, 1996.
2. Chan WF et al. Male microchimerism in the human female brain. PLoS ONE, 2012.
3. Khosrotehrani K, Bianchi DW. Microchimerism: fetal cells in the mother. Nat Rev Immunol, 2004.
4. Nelson JL. The otherness of self: microchimerism in health and disease. Trends Immunol, 2012.
5. Harris A et al. Microchimerism in autoimmune disease. Clin Rev Allergy Immunol, 2013.

(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

التوائم الغرباء: أسرار التشابه المدهش دون صلة قرابة 

سلسلة “خواطر وراثية”، تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة ، الحلقة (14)  شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *