منتخب من كتاب “رحلةٌ.. بين سطور الأمثال”
شبكة بيئة أبوظبي، إعداد عتيق القبيسي، باحث في التراث والموروث الشعبي بالإمارات، 26 يوليو 2025
مقدمة المؤلف:
كلّما اجتمعنا في المجالس نتحادث أو نتناول أي موضوع من مواضيع حياتنا اليومية، عادةً ما يبدأ المتحدّث كلامه أو يدعّم فكرته بالاستشهاد بالأمثال التي تداولناها عبر الأجيال من أهلنا الأولين جزاهم الله عنّا كل خير، فدائماً كلما تكلّمنا نردّد: (ومثل ما قال المثل) أو (على قول المتوصّف) وهذا دلالة على أن الأمثال لها تأثير كبير على حياتنا اليوميّة، قد لا نلاحظ هذا الارتباط والتأثير بشكل مباشر، لكنّه موجود معنا في اللاشعور، وتلقائيّاً ونحن نتكلّم نستشهد بمثلٍ أو بيت شعرٍ أو قول مأثور لتعزيز أفكارنا ومواضيعنا التي نتناولها، والأمثال أو الأقوال المأثورة، أو حتّى أبيات القصيد، يستشهد بها النّاس في كل الأمور تقريباً، لأنها خلاصة تجارب وممارسات، اختصرت في كلمة أو جملة، وشاعت بين الناس، وأحياناً بيت شعر قاله شاعر في موقف معيّن وأصبح مَثَلًا يتداول.
نحن نستمد مستقبلنا من ماضينا، ونستشهد بأفعال وأقوال الذين عاشوا قبلنا، ونتبع نصائحهم وتوجيهاتهم من أجل تجنّب الأخطاء، ومحاولة تتبّع الدروب )السنعة( التي مشوا فيها، وتطبيق أفضل الممارسات في حياتنا، من أجل صنع مستقبل واعد.. وكما قال المثل:
(اللي ما له اوّل، ما له تالي)
لأن حياة الإنسان عبارة عن مجموعة تجارب وممارسات متتاليه، يستفيد من جيّدها وسيئها في نفس الوقت، وهذه الاستفادة لا تكون بالضرورة من التجارب الشخصيّة، فقط، لأن تجارب الآخرين ايضاً يستفاد منها، وهذا يشكّل ارتباط الماضي بالحاضر، لصنع المستقبل الأمثل، (اللي ما له اوّل) يعني أنّ الانسان الذي لا يملك قاعدة صلبة يرتكز عليها، وليس لديه تاريخ ناصع وماضٍ مشرّف يعتد ويفتخر به، (ما له تالي) أي ليس لديه نصيب في مستقبل مشرق وناجح، وانطلاقته في مسيرة البناء والتعمير ستكون صعبة، بل وقد تكون فاشلة، والقاعدة الأمثل هي تجارب الأوّلين وخبراتهم التي انتقلت عبر الأجداد والآباء، ونحن بدورنا ننقلها لمن هم بعدنا من الأجيال القادمة.. وكلمة (ماله تالي) تعني أيضاً لا فائدة ترجى منه، أو لا يأتي منه خير ولا نفع، ويقال هذا المثل أيضاً للذي يتنكّر لماضي أجداده من عادات وتقاليد ويعتبرها شيء رجعي لا يناسب العصر الذي يعيشه، لكن الحقيقة أن تراث أهلنا وعاداتهم وتقاليدهم هي هويتنا التي لا بد أن نعتز ونفخر بها.
ماضيك هو امتداد لحاضرك، ومنه تنعكس صورة مستقبلك، لأن عادات وتقاليد المجتمعات الأُخرى لو حاولت تقليدها وتطبيقها على حياتك، في النهاية سيكون شكلها ناشزًا عن الطبيعة، فلكل شيءٍ في هذا الكون شيءٌ يناسبه وينسجم معه، وشيءٌ يختلف عنه، وليس من السهل أن يحصل بينهما أي تناسق أو انسجام، بل قد يُحدث دمجهما مع بعضهما مشكلة أو كارثة، بالضبط كجمع البارود بالنّار.. والمثل يقول:
(حلاة الثوب، رقعته مِنّه وفيه)
فالثوب الذي يُرقع بقطعةٍ قماشها ولونها يختلف عن قماشه ولونه، أكيد سيكون شكله مزعج للنّظر، فرقعة الثوب لا بد أن تكون من نفس نوع ولون القماش، وكذلك هي العادات والتقاليد، الدخيل عليها أكيد لا يناسبها، لهذا قال الاوليون (حلاة الثوب رقعته منّه وفيه) لِيؤكّدوا على ضرورة وضع الأشياء في مكانها ومقامها الصحيح.. وهذا المثل يُقال أيضاً للذي يصر على جمع شيئين متناقضين ويحاول إقناع نفسه والذين من حوله أن هذا هو الصح، لكن وكما يقول المثل: (ما يصح الّا الصحّيح)
ومهما حاولت إقناع نفسك بأن هذا الشيء الذي تسوّق له صحيح، يبقى في العرف السائد في مجتمعك شيءٌ مرفوضٌ ولا يتناسب مع عاداته وتقاليده، صحيح أن هناك بعض العادات والتقاليد اللي دخلت على المجتمع وتقبّلها وصارت جزءًا من حياته اليومية، هذا لأنها لا تتعارض مع عاداته وتقاليده، ولا يرفضها الدين الإسلامي، الذي هو دين المجتمع، وهذا المثل أيضاً يقال إذا عمل أحدنا عملًا ولم ينجزه بالشكل الصحيح أو المطلوب، وفي المقابل قام شخصٌ آخر بعمل نفس العمل وأتقنه، يقولون (ما يصح الّا الصّحيح)، لأن غير الصحيح الناس لا تتقبله.
فانسلاخك عن أصلك وماضيك وعادات وتقاليد أجدادك يجعلك كالشجرة التي انتزعت من جذورها وزُرعت في غير أرضها، فلو زرعناها في أي مكان، ومهما رعيناها وسقيناها لن تعيش، لأن أصل الشجرة الجذور، وبدون جذورها تموت.. وعلى راي المثل القائل:
(من ظَهَر من داره، قَل مقداره)، أي أنَّ الذي يترك عاداته وتقاليده ويتعلّق بعادات وتقاليد من غير بيئته، يفقد هويته ويعيش في غربة دائمة، ويقلّ، بل وينعدم احترام الآخرين له.
وفي هذا العمل (الذي كان في الأصل برنامجًا تلفزيونيًّا بعنوان “أمثال الأوليّين” قدمته لقناة الشرقيّة من كلباء سنة ٢٠٢٠، أُقدّم فيه رؤيتي المتواضعة في طريقة فهم الأمثال وإسقاط معانيها ودلالاتها على واقعنا المعاش، لنقترب أكثر من تراثنا الأدبي وهويّتنا التي بدأ بعضنا بالابتعاد عنها والتنكّر لها)، حاولت تقسيم الأمثال حسب دلالاتها وبيئاتها والمواضيع المستخدمة فيها، عسى الله أن يوفقني في هذه الرحلة بين سطور الأمثال الشعبيّة الإماراتيّة، لتقديم المتعة والفائدة للقارئ الكريم.
مؤلف الكتاب: عتيق القبيسي
باحث في التراث والموروث الشعبي بالإمارات
مقدمة شبكة بيئة أبوظبي
انطلاقاً من رسالتها في تعزيز الوعي البيئي، وصون التراث الثقافي المتصل بالبيئة الزراعية في دولة الإمارات العربية المتحدة، تفخر شبكة بيئة أبوظبي بتقديم هذا العمل التراثي القيّم تحت عنوان “النخلة في الأمثال الشعبية”، كجزء منتخب من كتاب (رحلة بين سطور المثال)، في إطار سلسلة معرفية نُطلقها تباعاً احتفاءً بالموروث الشعبي الأصيل، وحرصًا منا على نقله للأجيال القادمة كجزء من مسؤوليتنا المجتمعية.
تُعد الأمثال الشعبية الإماراتية مرآة صادقة لتجارب الأجداد وذاكرتهم الجمعية، وقد احتلت النخلة مكانة محورية في تلك الأمثال، لما تمثله من رمز للكرم والثبات والعطاء في البيئة الصحراوية المحلية. ومن هذا المنطلق، يأتي نشر هذا الكتاب في حلقات متسلسلة بمثابة التزام علمي وثقافي من الشبكة بحفظ هذا الجانب من التراث، وتسليط الضوء على دلالاته البيئية والاجتماعية والتربوية، إيماناً منا بأن استدامة المستقبل تبدأ من فهم الجذور.
كما نثمّن الجهد الذي بذله الباحث والكاتب عتيق القبيسي في جمع وتحليل هذه الأمثال، وإبراز جوانبها البيئية والرمزية المرتبطة بالنخلة ككائن حيّ وشريك في البناء الحضاري. ونعتبر هذا العمل إضافة نوعية للمحتوى البيئي والثقافي الذي تسعى الشبكة إلى نشره، مساهمةً منها في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء إلى الأرض والقيم الأصيلة.
نسأل الله التوفيق في هذه الرحلة مع الأمثال، وأن تُسهم في إثراء الوعي المجتمعي وترسيخ الذاكرة البيئية للإمارات.
عماد سعد
رئيس شبكة بيئة أبوظبي
أبوظبي، 24 يوليو 2025
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز