شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 15 أغسطس 2025
في عالم تتزايد فيه التحديات البيئية والمناخية، وتتكرر فيه الكوارث الطبيعية والبشرية، لم يعد التعامل معها مجرد رد فعل، بل أصبح ضرورة استباقية تتطلب التخطيط والاستعداد. وفي هذا الإطار، يأتي الاجتماع التاريخي الذي عقد في المكتب الإقليمي لليونسكو بالقاهرة، ليضع حجر الأساس لمبادرة عربية طموحة تهدف إلى دمج “الحد من مخاطر الكوارث” في صميم العملية التعليمية، من المدارس وحتى الجامعات، ووصولاً إلى التوعية العامة عبر وسائل الإعلام. هذه الخطوة الاستراتيجية لا تتماشى فقط مع الإطار العالمي “إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث 2015″، بل تمثل أيضاً التزاماً حقيقياً ببناء مجتمعات عربية أكثر قدرة على الصمود والمرونة في مواجهة المستقبل.
التعليم… الحصن المنيع لمواجهة الكوارث في المنطقة العربية
يعد الحد من مخاطر الكوارث قضية محورية في التنمية المستدامة، خاصة في المناطق التي تواجه تحديات بيئية وجيوسياسية معقدة، كما هو الحال في المنطقة العربية. في هذا السياق، شهد المكتب الإقليمي لليونسكو بالقاهرة تجمعاً استثنائياً للخبراء وصناع القرار والمعلمين من مختلف الدول العربية، بهدف صياغة رؤية مشتركة وخطة عمل لدمج مفهوم “الحد من مخاطر الكوارث “في النظم التعليمية الرسمية وغير الرسمية.
التعليم هو الأداة الأكثر فعالية لبناء الوعي والقدرة على التعامل مع الكوارث. فمن خلاله، يمكن تزويد الأجيال القادمة بالمعرفة والمهارات اللازمة ليس فقط للنجاة، بل أيضاً للمساهمة بفعالية في التخطيط والاستجابة والتعافي. يرى الخبراء أن إدماج مفاهيم “الحد من مخاطر الكوارث “في المناهج الدراسية يخلق جيلاً واعياً، قادراً على اتخاذ قرارات صحيحة في الأوقات الحرجة، ومدركاً لدوره في حماية مجتمعه وبيئته.
إطار العمل العربي: من الفكرة إلى الخطة
تخلل الاجتماع العديد من العروض التقديمية الرئيسية، ودراسات الحالة الوطنية، وحلقات النقاش الموضوعية التي ركزت على محاور أساسية. شملت هذه المحاور:
1. تطوير المناهج الدراسية: كيفية تضمين مفاهيم “الحد من مخاطر الكوارث” في المناهج الحالية بشكل سلس وفعال، بما يتناسب مع الفئات العمرية المختلفة.
2. مواءمة السياسات: ضرورة توافق السياسات التعليمية مع الأهداف الوطنية والدولية للحد من الكوارث، مثل أهداف “إطار سنداي”.
3. بناء القدرات وتدريب المعلمين: يعتبر المعلم حجر الزاوية في هذه العملية، لذا ركز الاجتماع على أهمية إعداد برامج تدريبية متخصصة للمعلمين لتمكينهم من توصيل هذه المفاهيم بشكل صحيح ومبتكر.
4. التعليم العالي: بحث المشاركون في إمكانية إنشاء برامج أكاديمية متخصصة ودرجات علمية في مجال الحد من مخاطر الكوارث، مما يوفر مساراً مهنياً للشباب الراغبين في التخصص بهذا المجال.
5. دور الإعلام: تم التأكيد على الدور المحوري لوسائل الإعلام في رفع الوعي العام وبناء ثقافة مجتمعية جاهزة للتعامل مع الأزمات.
المصادر والأسس العلمية
تستند هذه المبادرة إلى أفضل الممارسات الدولية، وأبرزها “إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث 2015-2030” وهو الوثيقة التي اعتمدتها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بهدف تحقيق “الحد بشكل كبير من مخاطر الكوارث والخسائر في الأرواح وسبل العيش والصحة والأصول الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للأشخاص والشركات والمجتمعات والبلدان”. وقد تم استقاء المعلومات والأفكار من تقارير اليونسكو وبرامجها المتخصصة في هذا المجال، مثل برنامج “التعليم من أجل التنمية المستدامة”.
كما استندت المناقشات إلى تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) التي تؤكد على أن التغيرات المناخية تزيد من وتيرة وشدة الكوارث الطبيعية، مما يجعل الاستثمار في التعليم المتعلق بالحد من المخاطر أمراً حتمياً.
خطة العمل العربية: خطوات إلى الأمام
بعد يومين من النقاشات المكثفة، تمخض الاجتماع عن مسودة “إطار عمل عربي” وخطة عمل ملموسة، تحدد مساراً واضحاً للمستقبل. تشمل هذه الخطة:
• تطوير مواد تعليمية مبتكرة: تصميم موارد ومناهج تعليمية تفاعلية وجذابة، تتناسب مع خصوصية كل دولة عربية.
• تعزيز إعداد المعلمين: إطلاق برامج تدريب مستمرة للمعلمين، لتزويدهم بالمعرفة والمهارات البيداغوجية (أساليب التدريس) اللازمة لتدريس مفاهيم “الحد من مخاطر الكوارث “.
• مسارات أكاديمية متخصصة: تشجيع الجامعات على إنشاء تخصصات وبرامج دراسات عليا في مجال إدارة الكوارث، لتخريج كوادر متخصصة.
• حملات توعية مجتمعية: إطلاق حملات إعلامية واسعة النطاق، بالشراكة مع وسائل الإعلام، لرفع الوعي العام بأهمية الاستعداد للكوارث.
• آليات تقييم قوية: وضع آليات فعالة لقياس أثر البرامج التعليمية والتوعوية، وضمان تحقيق الأهداف المرجوة.
يُعد الاجتماع الأخير في القاهرة علامة فارقة في مسيرة المنطقة العربية نحو تعزيز قدرتها على الصمود. فمن خلال دمج “الحد من مخاطر الكوارث” في صميم التعليم، تلتزم الدول العربية ببناء أساس متين لمجتمعات آمنة ومرنة. هذا الالتزام الجماعي يؤكد أن التعليم ليس مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل هو أداة استراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على الأرواح والممتلكات.
إن الخطوات التي تم اتخاذها في هذا الاجتماع تمثل بداية لمرحلة جديدة، تتضافر فيها الجهود الحكومية، والأكاديمية، والإعلامية، والمجتمعية، لجعل مفهوم “الحد من مخاطر الكوارث” جزءاً لا يتجزأ من الثقافة العربية. فمن خلال تمكين أجيالنا القادمة بالمعرفة والمهارات اللازمة، نحن لا نبني حصوناً منيعة ضد الكوارث فحسب، بل نبني أيضاً مجتمعات قوية، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والمخاطر إلى قوة دافعة للتغيير الإيجابي.
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز