التعديل الوراثي والموروث البيئي: هل نفقد تنوعنا البيولوجي؟

ضمن سلسلة مقالات ثقافية علمية عن البيوتكنولوجيا الزراعية (10)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 24 أغسطس 2025م
على مدار العقود الأخيرة، أحدثت تقنيات التعديل الوراثي ثورة في الزراعة والطب والصناعة، وفتحت آفاقًا واسعة لتحسين المحاصيل وزيادة الإنتاجية ومكافحة الأمراض. إلا أن هذه القفزة العلمية تثير تساؤلات عميقة حول أثرها على الموروث البيئي، وبخاصة على التنوع البيولوجي الذي يُعد ركيزة أساسية لاستقرار النظم البيئية وصحة الكوكب.

التنوع البيولوجي: ثروة الكوكب الحية
التنوع البيولوجي يشمل التنوع في الكائنات الحية على جميع المستويات: الجينية، والأنواع، والأنظمة البيئية. إنه بمثابة شبكة الأمان التي تضمن مرونة الطبيعة في مواجهة التغيرات البيئية والكوارث الطبيعية. فقدان هذا التنوع يعني فقدان سلالات فريدة، وخدمات بيئية ضرورية مثل تلقيح النباتات وتنقية المياه وضبط المناخ.

في سياق الزراعة، كان التنوع الوراثي للمحاصيل أحد أهم وسائل المزارعين عبر التاريخ لمواجهة الأمراض وتغير الظروف المناخية. كل صنف محلي أو بري يحمل جينات قد تكون مفتاح النجاة لمحاصيلنا في المستقبل.

التعديل الوراثي: بين الفوائد والمخاطر
تقنيات التعديل الوراثي، مثل كسرسبر(CRISPR ) والهندسة الوراثية التقليدية، تمكّن العلماء من إدخال أو حذف أو تعديل جينات محددة بدقة. هذه القدرة تقدم فوائد هائلة، مثل إنتاج نباتات مقاومة للجفاف أو الحشرات، أو تحسين القيمة الغذائية للمحاصيل.

لكن هذه الفوائد قد تأتي بثمن بيئي إذا لم تُدار بحذر. فإدخال أصناف معدلة وراثيًا على نطاق واسع قد يؤدي إلى تضييق القاعدة الجينية للمحاصيل، حيث تُستبدل أصناف محلية متعددة بصنف معدل واحد أو اثنين، مما يقلل التنوع الوراثي ويجعل النظم الزراعية أكثر هشاشة أمام الأمراض أو التغير المناخي.

التهديد المحتمل للتنوع البيولوجي
من أبرز المخاوف البيئية للتعديل الوراثي:
1. انتقال الجينات إلى الأنواع البرية: يمكن أن تنتقل الجينات المعدلة، خاصة تلك المقاومة للمبيدات أو الآفات، إلى نباتات برية قريبة من المحاصيل، مما يؤدي إلى ظهور “أعشاب فائقة المقاومة” تهدد التوازن البيئي.
2. إقصاء الأصناف المحلية: الترويج للأصناف المعدلة وراثيًا في الأسواق العالمية يدفع المزارعين إلى التخلي عن أصنافهم التقليدية، مما يسرّع اندثار هذه السلالات الفريدة.
3. تأثير على الكائنات غير المستهدفة: على سبيل المثال، النباتات المعدلة لمقاومة الحشرات قد تؤثر على الحشرات النافعة مثل النحل والفراشات، مما يخل بالتوازن البيئي.
4. الاعتماد المفرط على عدد محدود من الجينات: يقلل من قدرة النظم الزراعية على مواجهة الأمراض والطفرات البيئية غير المتوقعة.

الموروث البيئي كخط دفاع
الموروث البيئي، وخاصة البذور والأصناف المحلية، هو رصيد استراتيجي للمستقبل. في وجه التغير المناخي وتزايد الطلب على الغذاء، قد نجد الحلول في جينات موجودة في نبات بري منسي أو صنف محلي قديم. الحفاظ على هذا الموروث عبر بنوك الجينات، والزراعة المستدامة، وبرامج تربية النباتات، أمر ضروري لضمان استمرارية التنوع البيولوجي.

التوازن بين الابتكار والحفاظ
التحدي الحقيقي ليس في رفض التعديل الوراثي أو قبوله بشكل مطلق، بل في إيجاد توازن ذكي بين استخدام هذه التكنولوجيا وحماية التنوع البيولوجي. يمكن تحقيق ذلك عبر:
• تقييم الأثر البيئي قبل طرح أي صنف معدل وراثيًا في الأسواق.
• فرض قوانين تحد من زراعة الأصناف المعدلة على حساب المحلية.
• تشجيع المزارعين على زراعة مزيج من الأصناف المعدلة والتقليدية.
• الاستثمار في أبحاث تحافظ على التنوع الوراثي بدلاً من إضعافه.

خاتمة
التعديل الوراثي أداة قوية قادرة على مواجهة تحديات الأمن الغذائي، لكنه ليس عصا سحرية. إذا فقدنا تنوعنا البيولوجي، فإننا نفقد شبكة الأمان التي تحفظ استقرار النظم البيئية وقدرتها على التكيف. حماية الموروث البيئي ليست رفاهية، بل ضرورة استراتيجية لضمان مستقبل مستدام للأجيال القادمة.
فالسؤال ليس فقط “هل يمكننا تعديل جيناتنا الزراعية؟” بل أيضًا “هل سنحتفظ بما تبقى من تنوعنا البيولوجي قبل فوات الأوان؟”

(*) الدكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

البذرة التي تريد أن تعود إلى أصلها

نقاش رمزي حول البذور المحلية والتراثية مقابل الأصناف التجارية والهجين سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *