إنجاز علمي غير مسبوق يفتح الباب أمام “اقتصاد دائري” حقيقي
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 10 سبتمبر 2025
في عالم يواجه تحديات بيئية متفاقمة، تتلاقى أزمتان كبريان لتشكلان تهديدًا وجوديًا لكوكبنا: التلوث البلاستيكي وتغير المناخ. فبينما تغرق محيطاتنا وأنهارنا في بحر من النفايات البلاستيكية، التي تتحلل ببطء إلى جزيئات دقيقة تلوث كل ما حولنا، تستمر مستويات غاز ثاني أكسيد الكربون في الارتفاع، لتزيد من وتيرة الاحتباس الحراري. لسنوات طويلة، كانت الحلول المقترحة لكل مشكلة تُفرز أخرى، وكأننا ندور في حلقة مفرغة. لكن، ماذا لو استطعنا أن نضرب عصفورين بحجر واحد؟
ماذا لو تحوّلت أكبر مشكلتين بيئيتين إلى حل واحد مبتكر؟ هذا بالضبط هو ما توصّل إليه فريق من الباحثين بجامعة كوبنهاجن في الدنمارك. ففي إنجاز علمي غير مسبوق، تمكن العلماء من تحويل بلاستيك “البولي إيثيلين تيرفثالات”، وهو أحد أكثر أنواع البلاستيك شيوعًا، إلى مادة فعّالة لالتقاط ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. هذا الابتكار لا يعدّ مجرد حل تقني، بل هو نموذج جديد للتفكير في كيفية معالجة النفايات واستخدامها كأدوات قوية في مكافحة التلوث وتغير المناخ.
أزمة البلاستيك وتأثيره على البيئة
تُعدّ النفايات البلاستيكية، وخاصة بلاستيك “البولي إيثيلين تيرفثالات” (PET) الذي يُستخدم في صناعة زجاجات المشروبات والمنسوجات، من أبرز التحديات البيئية في العصر الحديث. يُنتج العالم حوالي 400 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنويًا، جزء كبير منها ينتهي به المطاف في مدافن النفايات أو في الطبيعة.
تُعرف هذه المشكلة باسم “التلوث البلاستيكي”، وهي لا تقتصر على تدمير المظهر الجمالي للبيئة فحسب، بل تُلحق أضرارًا جسيمة بالنظم البيئية. يتحلل البلاستيك ببطء شديد، وقد يستغرق مئات السنين ليختفي تمامًا. وخلال هذه الفترة، يتفتت إلى أجزاء أصغر تُسمى “الجزيئات البلاستيكية الدقيقة”، التي تنتشر في الهواء، والتربة، والمياه، وتدخل إلى السلسلة الغذائية. وقد أظهرت الدراسات الحديثة وجود هذه الجزيئات في أجساد الكائنات البحرية، وحتى في أجساد البشر.
الجهود الدولية والعربية لمواجهة الكارثة
لمواجهة هذه الكارثة البيئية، تبذل الحكومات والمؤسسات الدولية جهودًا كبيرة. ففي عام 2022، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة للبيئة على قرار تاريخي بإنشاء “صك دولي ملزم قانونًا” لإنهاء التلوث البلاستيكي. يهدف هذا الصك إلى وضع إطار عالمي لتنظيم دورة حياة البلاستيك بأكملها، من الإنتاج إلى التخلص.
على الصعيد العربي، هناك جهود متزايدة للحد من هذه المشكلة:
مصر: تُولي الحكومة المصرية اهتمامًا كبيرًا لإدارة النفايات الصلبة والبلاستيكية. أطلقت وزارة البيئة حملات توعية متعددة تحت شعار “اتحضر للأخضر”، كما أصدرت قوانين لتشجيع الاستثمار في تدوير البلاستيك. تعمل مصر حاليًا على تطوير البنية التحتية لإدارة النفايات، وتشجيع الشركات على استخدام بدائل مستدامة للبلاستيك أحادي الاستخدام.
الإمارات العربية المتحدة: تُعدّ الإمارات من الدول الرائدة في مجال الاستدامة. أطلقت أبوظبي في عام 2022 سياسة شاملة لحظر الأكياس البلاستيكية أحادية الاستخدام. كما أطلقت دبي استراتيجية للحد من استخدام هذه الأكياس. تُركز الإمارات على الابتكار في مجال إعادة تدوير البلاستيك، وتشجيع الاقتصاد الدائري.
المملكة العربية السعودية: ضمن رؤية 2030، تهدف المملكة إلى تحقيق التنمية المستدامة. أعلنت وزارة البيئة والمياه والزراعة عن خطط لتقليل النفايات وإعادة تدويرها. كما تُشجع المملكة القطاع الخاص على الاستثمار في مصانع تدوير النفايات، بما في ذلك البلاستيك.
ثنائية التحدي
تعدّ النفايات البلاستيكية، وخاصة بلاستيك “البولي إيثيلين تيرفثالات” الذي يُستخدم في صناعة زجاجات المشروبات والمنسوجات، من أبرز التحديات البيئية في العصر الحديث. ينتهي المطاف بكميات هائلة من هذا البلاستيك في مدافن النفايات، حيث يتحلل إلى جزيئات دقيقة “ميكروبلاستيك” (Microplastics) تلوث الهواء والتربة والمياه الجوفية. جزء كبير منه ينتهي به المطاف في المحيطات، مهددًا النظم البيئية البحرية. في الوقت نفسه، تستمر تركيزات غاز ثاني أكسيد الكربون في الارتفاع، مما يسرّع من وتيرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ، على الرغم من الجهود السياسية المبذولة للحد من الانبعاثات.
لقد عملت الباحثة “مارغريتا بوديريت” وزملاؤها في قسم الكيمياء بجامعة كوبنهاجن على تحويل هذه المشكلة المزدوجة إلى فرصة. وبدلاً من النظر إلى بلاستيك “البولي إيثيلين تيرفثالات” على أنه نفايات يجب التخلص منها، رأوا فيه مادة خام غنية بالكربون يمكن إعادة تدويرها بطريقة مبتكرة. تقول “بوديريت”: “جمال هذه الطريقة يكمن في أننا نحل مشكلة دون أن نُحدث مشكلة جديدة. بتحويل النفايات إلى مادة خام يمكنها أن تقلل من غازات الاحتباس الحراري، نجعل من قضية بيئية جزءًا من الحل لأزمة المناخ.”
صناعة “الذهب الأسود” من النفايات
يعتمد هذا الابتكار على عملية كيميائية تُعرف باسم “التدوير التصاعدي” (Upcycling)، وهي عملية تحويل النفايات إلى منتجات جديدة ذات قيمة أعلى. في هذه الحالة، قام الباحثون بتطوير طريقة لتحويل بلاستيك “البولي إيثيلين تيرفثالات” المهمل إلى مادة فعّالة لامتصاص ثاني أكسيد الكربون أطلقوا عليها اسم “بيتا” (BAETA).
تتمثل العملية في تفكيك البلاستيك من هيكله البوليمري المعقد إلى مونومر أبسط، ثم إضافة مركب كيميائي يُعرف باسم “إيثيلين داي أمين”. يُعرف هذا المركب بقدرته الكبيرة على الارتباط كيميائيًا بغاز ثاني أكسيد الكربون. هذه العملية لا تُحسّن فقط من قدرة المادة على امتصاص الغاز، بل تمنحها أيضًا سطحًا كيميائيًا مُحسّنًا.
تتكون مادة “بيتا” الناتجة على شكل مسحوق يمكن تحويله إلى حبيبات. تتميز هذه المادة بفاعليتها الشديدة في التقاط ثاني أكسيد الكربون من الهواء، لدرجة أنها تُقارَن بأفضل التقنيات الحالية لالتقاط الكربون.
من المعمل إلى المصنع
يأمل الباحثون أن تُستخدم هذه التقنية في المصانع والمنشآت الصناعية. يمكن تركيب وحدات تحتوي على مادة “بيتا” في مداخن المصانع، حيث يتم تمرير الغازات المنبعثة منها عبر هذه الوحدات لتنظيفها من ثاني أكسيد الكربون قبل إطلاقها في الغلاف الجوي.
المثير للاهتمام هو أن المادة ليست مستدامة فحسب، بل يمكن إعادة استخدامها أيضًا. عندما تصبح المادة مشبعة بغاز ثاني أكسيد الكربون وتقل كفاءتها، يمكن تسخينها لإطلاق الغاز الملتقط. هذا الغاز يمكن بعد ذلك تخزينه تحت الأرض أو استخدامه في تطبيقات أخرى مثل تحويله إلى وقود صديق للبيئة في محطات “باور تو إكس” بعد إطلاق الغاز، تستعيد المادة فعاليتها ويمكن استخدامها مرة أخرى.
تُعدّ العملية الكيميائية المستخدمة في إنتاج مادة “بيتا” لطيفة نسبيًا مقارنة بالتقنيات الأخرى. يقول الباحثون إنها تتم في درجات حرارة محيطة، مما يجعلها سهلة التوسيع على المستوى الصناعي. وتضيف “بوديريت”: “المكون الرئيسي هو نفايات بلاستيكية كان مصيرها أن تكون غير مستدامة، والعملية التي نستخدمها لطيفة مقارنة بالمواد الأخرى لالتقاط ثاني أكسيد الكربون.”
وقد يثير هذا الابتكار تساؤلات حول تعارضه مع جهود إعادة تدوير البلاستيك الحالية. لكن الباحثين يؤكدون أن تقنيتهم مكمّلة، وليست منافسة. وتؤكد “بوديريت” أن هذه التقنية ستكون بمثابة تعاون وليست منافسة مع جهود إعادة تدوير البلاستيك، وتضيف: “بشكل مبدئي، يمكننا استخدام البلاستيك الجديد في طريقتنا، لكن هدفنا هو بلاستيك “البولي إيثيلين تيرفثالات” الذي يصعب إعادة تدويره بسبب جودته المنخفضة، أو تلوينه، أو تلوثه، أو الذي تحلل إلى درجة لم يعد معها صالحًا لإعادة التدوير.”
ويُضيف الدكتور “جيوونغ لي”، المشارك في البحث، أن المادة تتميز بمرونتها وقدرتها على العمل بفعالية في درجات حرارة تتراوح بين درجة حرارة الغرفة و150 درجة مئوية. هذه الخاصية تجعلها مثالية للاستخدام في نهايات المصانع حيث تكون الغازات المنبعثة ساخنة عادةً.
رؤية مستقبلية
تكمن أهمية هذا الابتكار في أنه يعتمد بشكل أساسي على بلاستيك “البولي إيثيلين تيرفثالات” المهمل والذي يصعب إعادة تدويره. العملية الكيميائية التي تُستخدم لتحويل البلاستيك إلى هذه المادة صديقة للبيئة ويمكن توسيعها للاستخدام الصناعي. لا يحل هذا الابتكار مشكلة النفايات البلاستيكية فحسب، بل يساهم أيضًا في الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، مما يجعله حلًا مستدامًا ومبتكرًا لأحد أكبر تحديات العصر.
- الخطوة التالية للباحثين هي توسيع نطاق الإنتاج من المختبر إلى المستوى الصناعي، والبحث عن استثمارات لتمويل هذه العملية. يرى الباحثون إمكانات هائلة للمادة، ليس فقط في التقاط الكربون، بل في خلق حافز اقتصادي لتنظيف البيئة أيضًا.
يؤكد “لي”: “إذا تمكّنا من الحصول على بلاستيك “البولي إيثيلين تيرفثالات” المتحلل بشدة والذي يطفو في محيطات العالم، فإنه سيكون موردًا ثمينًا بالنسبة لنا، لأنه مناسب جدًا لإعادة التدوير التصاعدي بطريقتنا.” وهذا ما قد يُغيّر بشكل جذري من نظرتنا إلى المشاكل البيئية كقضايا منفصلة، ويجعل من حل إحداها محفزًا لحل الأخرى. - يأتي الابتكار الذي توصل إليه باحثو جامعة كوبنهاجن ليقدم فرصة ذهبية للدول العربية لاستثمار نفاياتها البلاستيكية في مكافحة تغير المناخ. العملية الكيميائية التي تحوّل بلاستيك “البولي إيثيلين تيرفثالات” إلى مادة “بيتا” فعّالة في التقاط ثاني أكسيد الكربون. هذه التقنية لا تقتصر على معالجة النفايات فحسب، بل تُحوّلها إلى مورد قيّم. ويمكن للدول العربية، وخاصة تلك التي لديها قطاعات صناعية كبيرة، أن تستفيد من هذه التكنولوجيا. كما يمكن تركيب وحدات تحتوي على مادة “بيتا” في مداخن المصانع، حيث يتم تمرير الغازات المنبعثة منها لتنظيفها من ثاني أكسيد الكربون. هذه الخطوة من شأنها أن تُقلل من البصمة الكربونية لهذه الصناعات، وتُساهم في تحقيق أهداف المناخ.
- إن هذا الإنجاز العلمي يمثل بصيص أمل في مواجهة أزمتي المناخ والبيئة. بتحويل النفايات إلى موارد قيّمة، يفتح هذا الابتكار الباب أمام “اقتصاد دائري” حقيقي، حيث لا يُنظر إلى القمامة على أنها نهاية المطاف، بل كبداية جديدة. وتُقدم هذه التقنية الجديدة فرصة هائلة للمجتمع الدولي، وخاصة للعالم العربي الذي يبذل جهودًا حثيثة نحو تحقيق التنمية المستدامة. من خلال الاستثمار في البحث العلمي وتطبيق هذه الابتكارات، يمكن لدولنا أن تُساهم بفعالية في حل مشكلتي النفايات البلاستيكية وتغير المناخ. إن تحويل النفايات البلاستيكية إلى أداة لمكافحة تغير المناخ ليس مجرد حل تقني، بل هو تغيير في الفلسفة، يذكرنا بأن أكبر مشكلاتنا يمكن أن تحمل في طياتها مفتاح حلولنا إذا ما نظرنا إليها بمنظور مختلف، وجعلنا من التحديات فرصًا للإبداع والتغيير.
#النفايات_البلاستيكية – #حلول_المناخ – #التقاط_الكربون – #تكنولوجيا_خضراء – #اقتصاد_دائري – #الابتكار_البيئي – #تلوث_المحيطات – #مكافحة_تغير_المناخ – #صفر_نفايات – #مستقبل_مستدام – #البيئة – #أزمة_بيئية – #الوعي_البيئي – #أبحاث_علمية – #علوم_البيئة – #العالم_المصري – #بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل.
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز