دراسة تكشف عن اختفاء كلمات الطبيعة من لغتنا اليومية

مؤشر على أزمة نفسية وبيئية: هل نسينا الطبيعة؟

شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 07 سبتمبر 2025

في زمن تتردد فيه أصداء ضجيج المدن، وتتلألأ فيه شاشاتنا بألف لون ولون، أين ذهبت كلماتنا التي كانت تصف خرير النهر، وهمس الريح بين أغصان الشجر، وزقزقة العصافير مع إشراقة كل صباح؟ هل تلاشت من ذاكرتنا أم أنها ضاعت بين ركام الإسمنت وصخب الحياة الحديثة؟

في عالمنا الحديث الذي تسيطر عليه المدن الخرسانية وشاشات التكنولوجيا، أصبح التواصل مع الطبيعة أشبه بلقاء عابر، وليس جزءًا أصيلًا من حياتنا اليومية. إنها علاقة تتآكل بصمت، وتُعبّر عن نفسها في أكثر جوانب حياتنا حميمية: في الكلمات التي نستخدمها. ولا تزال الطبيعة تهمس لنا بجمالها، ولكن يبدو أننا لم نعد نملك الكلمات اللازمة للرد عليها. دراسة علمية حديثة جاءت لتقرع ناقوس الخطر، وتؤكد ما كنا نشعر به بصمت: أن كلمات الطبيعة تتسرب من لغتنا، وأن هذا التآكل اللغوي ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو انعكاس لانفصال عميق بين الإنسان وعالمه. جات الدراسة الحديثة التي أثارت جدلًا واسعًا، لتكشف أن الكلمات التي تصف الطبيعة، مثل “نهر”، “ساحل”، تتلاشى تدريجيًا من لغتنا. هذا التآكل اللغوي ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو مرآة تعكس انفصالًا عميقًا بين الإنسان وعالمه الطبيعي، انفصال له تداعيات خطيرة على صحتنا النفسية ويهدد مستقبل كوكبنا.

نتائج صادمة
يشير الدكتور مايلز ريتشاردسون، أستاذ علم النفس في جامعة ديربي بالمملكة المتحدة، إلى أن الكلمات التي نستخدمها تعكس ما نلاحظه ونقدره في حياتنا. في دراسته، التي نشرت في مجلة “إرث” (Earth)، استخدم ريتشاردسون قاعدة بيانات ضخمة تتبع تكرار الكلمات في ملايين الكتب المنشورة بين عامي 1800 و2019. لقد قام بتحليل 28 كلمة مرتبطة بالطبيعة، مثل “بستان”، “مرج”، و”غابة”، وتجنب أسماء الأنواع البيولوجية (مثل “نمر” أو “فيل”) لأنها قد تتأثر بعوامل أخرى كاتجاهات أعداد الحيوانات أو انتشار أدلة التعرف عليها.

كشفت النتائج عن تراجع مذهل في استخدام هذه الكلمات بنسبة تصل إلى 60%، خاصة بعد عام 1850، وهي الفترة التي شهدت تسارعًا كبيرًا في الثورة الصناعية والتحضر. هذا التراجع ليس مصادفة، بل هو مؤشر واضح على أن اهتمام البشر بالطبيعة وكتاباتهم عنها قد انخفض بشكل كبير مع تحولهم من الحياة الريفية إلى الحياة الحضرية.

الانفصال ليس لغويًا فقط
الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن هذه النتائج اللغوية تتطابق بشكل مذهل مع نموذج حاسوبي طوره الدكتور ريتشاردسون لمحاكاة كيفية تدهور علاقة الإنسان بالطبيعة عبر الزمن. أظهر النموذج، الذي يعتمد على محاكاة التفاعلات بين الأجيال المختلفة وعلاقتها بالطبيعة، نفس الانحدار الذي أظهرته بيانات الكلمات، وبنسبة خطأ لا تتجاوز 5%. يشير هذا التطابق القوي إلى أن الانفصال عن الطبيعة ليس مجرد تصور، بل هو حقيقة مثبتة بالبيانات.

وتؤكد دراسات أخرى هذه النتائج. ففي عام 2017، قام باحثون من كلية إدارة الأعمال في لندن (LBS) وهي كلية تابعة لجامعة لندن، وتقع في وسط لندن، إنجلترا، المملكة المتحدة، بتحليل كتب الخيال، كلمات الأغاني، وحتى حبكات الأفلام، ووجدوا استنتاجات مشابهة: المراجع إلى الطبيعة تتناقص بشكل مستمر في ثقافتنا. هذا يؤكد أن المشكلة أعمق من مجرد كلمات، إنها تتعلق بالوعي الجماعي وعلاقة المجتمع ببيئته.

الانفصال عن الطبيعة.. أصل الأزمة البيئية
تُظهر المحاكاة الحاسوبية أن الانفصال بين الأجيال هو المحرك الأساسي لهذا التدهور. عندما لا يتمكن الآباء من نقل شغفهم بالطبيعة لأطفالهم، تتلاشى هذه العلاقة مع مرور الوقت. ويزداد الأمر صعوبة مع تزايد التحضر وتناقص المساحات الخضراء، مما يجعل من الصعب على الأطفال قضاء وقت كافٍ في الهواء الطلق.

يؤكد الدكتور ريتشاردسون أن “التواصل مع الطبيعة أصبح يُعتبر الآن سببًا جذريًا للأزمة البيئية”. عندما يفقد الإنسان شعوره بالانتماء إلى الطبيعة، يصبح أقل اهتمامًا بحمايتها أو الحفاظ عليها. وتداعيات هذا الانفصال لا تقتصر على البيئة فقط، بل تمتد لتشمل صحتنا النفسية. فالاتصال بالطبيعة له فوائد مثبتة في تقليل التوتر، تحسين المزاج، وتعزيز الشعور بالسلام الداخلي.

نداء للعودة إلى الطبيعة
تكشف هذه الدراسة أن تدهور علاقتنا بالطبيعة ليس مجرد شعور، بل هو حقيقة يمكن قياسها وتحليلها. إن تراجع الكلمات التي نستخدمها لوصف الطبيعة ليس مجرد ظاهرة لغوية، بل هو انعكاس عميق لانفصالنا النفسي والاجتماعي عن العالم الطبيعي. هذا الانفصال هو أحد الأسباب الرئيسية للأزمة البيئية التي نواجهها اليوم، كما أنه يترك بصماته على صحتنا النفسية والعقلية.

إن دراسة اختفاء كلمات الطبيعة من لغتنا ليست مجرد بحث أكاديمي، بل هي مرآة صادقة تعكس واقعاً مؤلماً: أننا في سباق مع الزمن لاستعادة علاقتنا الضائعة مع العالم الذي منحنا الحياة. لقد أثبتت الأبحاث أن الانفصال عن الطبيعة ليس مجرد خسارة جمالية، بل هو سبب رئيسي في الأزمة البيئية وتدهور الصحة النفسية. إن العودة إلى الطبيعة لا تعني فقط قضاء الوقت في الأماكن الخضراء، بل هي ثورة داخلية تبدأ من إعادة اكتشاف الكلمات المنسية، وتوريث هذا الشغف للأجيال القادمة.

إذا أردنا تغيير مسار علاقة مجتمعنا بالطبيعة، فإن الأمر يتطلب “تغييرًا تحوليًا”. يجب أن نبدأ بتعزيز اتصالنا الشخصي بالطبيعة، وقضاء المزيد من الوقت في الهواء الطلق، وتشجيع الأجيال القادمة على تقدير العالم الطبيعي. يجب أن ندرك أن رفاهيتنا ورفاهية كوكبنا مرتبطان ارتباطًا وثيقًا. إن العودة إلى الطبيعة ليست ترفًا، بل هي ضرورة للبقاء، وهي الخطوة الأولى نحو استعادة الكلمات التي نسيناها، وبالتالي استعادة علاقتنا بالعالم. ويجب أن ندرك أن رفاهية الإنسان وكوكب الأرض مرتبطان ارتباطاً وثيقاً. فلنستعد الكلمات، ولنعيد بناء الجسور التي هدمها التحضر، ولنستمع مجدداً إلى نداء الطبيعة. إنها ليست دعوة للعودة إلى الماضي، بل هي دعوة للمضي قدماً نحو مستقبل أكثر وعياً، حيث لا تكون الطبيعة مجرد خلفية لحياتنا، بل هي جزء من هويتنا وروحنا.

#الطبيعة – #البيئة – #الصحة النفسية – #تواصل_مع_الطبيعة – #أزمة_بيئية – #الوعي_البيئي – #الحياة_الحضرية – #كلمات_الطبيعة – #أبحاث_علمية – #أسرار_الطبيعة – #النظم_البيئية – #علوم_البيئة – #العالم_المصري – #بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل.

الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

هندسة الضوء وجينوم البلاستيدات

المفاعل الحيوي الذكي في قلب الخلية النباتية شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *