أهم ابتكارات عصرنا تبدأ بإعادة بناء علاقتنا مع الطبيعة

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم سعادة الدكتورة شيخة سالم الظاهري، الأمين العام لهيئة البيئة – أبوظبي المستشار الإقليمي للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة في منطقة غرب آسيا 16 سبتمبر 2025
مع اقتراب موعد انعقاد المؤتمر العالمي للحفاظ على الطبيعة في دولة الإمارات في أبوظبي، حيث يجتمع خبراء الطبيعة والبيئة من مختلف أنحاء العالم، تتجلى حقيقة واضحة لا يمكن إخفاؤها، وهي أن مواجهة التحديات المناخية مرهون بإيجاد حل لأزمة الطبيعة أولاً، وهو ما يتطلب طريقة جديدة لتقدير العالم الطبيعي حولنا ووضع خطط التمويل وتشجيع جهود الابتكار المرتبطة به.

يعيش سكان العالم حالة طوارئ، فقد انخفض عدد الحيوانات البرية عالمياً بنسبة 69% منذ عام 1970، كما يواجه حالياً مليون نوع من الأحياء البرية خطر الانقراض. وتشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى اعتماد أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي العالمي، والبالغ 44 تريليون دولار أمريكي، بدرجة عالية أو متوسطة على الطبيعة. ومع ذلك يستمر التعامل مع المنظومات البيئية كأنها أداة لتحقيق الطموحات البشرية أو مجرد مناظر جميلة للاستمتاع بمشاهدتها، غير أنّ الاستثمار فيها نادر، ولذا يجب العمل على إحداث تغيير في الوضع الراهن.

الابتكار… الداعم للطبيعة
على امتداد الشبكة الواسعة من أعضاء وشركاء الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، يسهم الابتكار في إعادة صياغة مفهوم الحفاظ على الطبيعة. ففي كينيا، نجحت المحميات التي تقودها المجتمعات المحلية تحت إشراف صندوق المراعي الشماليّة في دمج دوريات مكافحة الصيد غير المشروع مع إطار الحوكمة المحلية والأنظمة الجديدة لمراقبة الحياة البرية، ما خفض مستويات الصيد غير المشروع للفيلة بشكل ملفت، إلى جانب خلق مصادر للدخل المستدام.

وفي دولة الإمارات، قمنا بدمج الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتطورة ضمن الاستراتيجية الوطنية للحفاظ على الطبيعة، حيث تستخدم المبادرات، مثل منصة نبات، طائرات درون المدعومة بالذكاء الاصطناعي من أجل إعادة تأهيل أشجار القرم (1)؛ بينما تم تزويد جيوَن، سفينة الأبحاث البحرية المتطورة، بمنصات البيانات وأجهزة استشعار بحرية معززة بالذكاء الاصطناعي (2). وتسهم جيوَن بدور محوري في مراقبة أسراب الأسماك، ووضع خرائط للشعاب المرجانية، وجمع البيانات الخاصة بعلم المحيطات التي تدعم النماذج التنبؤية للحفاظ على الطبيعة.

[1] المصدر: معهد الابتكار التكنولوجي

[2] المصدر: مكتب أبوظبي الإعلامي

ويعمل برنامج مراقبة الحياة البرية على أتمتة تحليل بيانات مصائد الكاميرات الموجودة في المحميات للتعرف على أنواع الحيوانات، كما تدعم المراقبة القائمة على الذكاء الاصطناعي إجراء تقييمات لجودة الهواء والتربة. وتتماشى هذه الجهود مع استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 الرامية إلى تعزيز اعتماد الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الرئيسية، بما يشمل الاستدامة البيئية (3).

أما في منطقة المحيط الهادئ، تستفيد المجتمعات الأصلية من تقنية البلوك تشين لتتبع أسماك التونة وتجارتها بطريقة مستدامة، مما يضمن تحقيق الأرباح لدعم جهود الصيادين المحليين.

إن هذه الأساليب ركيزة أساسية للعيش، لا سيما وأنها تؤكد أن جهود الحفاظ على الطبيعة اليوم تتمحور حول البيانات والتصميم والتطوير، من خلال دمج التقنيات الحديثة مع الخبرات الراسخة.

الطبيعة: فئة جديدة من الأصول
تفرض الأوضاع المالية تأثيرها بدرجة كبيرة؛ إذ يشير تقرير حالة التمويل من أجل الطبيعة الصادر عن الأمم المتحدة إلى أن تغيير مسار فقدان التنوع البيولوجي يحتاج 700 مليار دولار أمريكي سنوياً. وتقدم الحكومات القسم الأكبر من التمويل الحالي للحفاظ على الطبيعة، ولا تتجاوز مساهمة القطاع الخاص 17%، ما يفرض تحدياً كبيراً في السوق.

وفي عام 2023، بدأت الأمور بالتغير، حيث تم دفع أول بوليصة تأمين للشعاب المرجانية في العالم من أجل إصلاح شعاب أمريكا الوسطى بعد أن تضررت إثر الإعصار، ما يؤكد أهمية الشعاب المرجانية بوصفها البنية التحتية الطبيعية لحماية السواحل. وفي عام 2024، أطلقت دولة الإمارات أول الصكوك السيادية الخضراء المرتبطة مباشرة بجهود إعادة تأهيل أشجار القرم، بما يجمع مبادئ التمويل الإسلامي والمسؤولية البيئية.

وعلى الصعيد العالمي، تعمل كل من اعتمادات التنوع البيولوجي، والسندات المرتبطة بالطبيعة، وأطر المحاسبة الجديدة مثل فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية المتعلقة بالطبيعة (TNFD)، على إعادة رسم طريقة تعامل الأسواق مع مخاطر النظم البيئية والفرص المرتبطة بها (4).

لم تعد الطبيعة موقعاً للإنفاق وحسب، بل أصبحت محركاً للقيمة، كما بدأ المستثمرون يدركون حقيقة أن فقدان التنوع البيولوجي يشكل خطراً مالياً حقيقياً.

[3] المصدر: استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031

[4] المصدر: فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية المتعلقة بالطبيعة

عقد اجتماعي جديد مع الطبيعة
رغم كل ما سبق، إلا أن الابتكار وتوافر رأس المال فقط أمرٌ غير كافٍ؛ بل نحن بحاجة لاعتماد عقد اجتماعي جديد مع الطبيعة يتمحور حول العدالة، ويتبع منهجاً قائماً على معرفة الشعوب الأصلية لتطبقه المجتمعات المحلية.

وتكرّس دولة الإمارات هذه القيم في جميع جهودها، بدءاً من إعادة توطين المها أبو حراب في تشاد، إلى دعم الجمعيات التعاونية النسائية للحفاظ على الطبيعة في الظفرة، وهذا ما يؤكد أن استعادة النظم البيئية والعدالة الاجتماعية أمران متلازمان. وتكتسب هذه الاستراتيجية أهميتها من كون النظم البيئية الأكثر مرونة هي تلك التي يديرها الأشخاص الذين يعتمدون عليها في حياتهم.

ويشغّل برنامج سمبراندو فيدا في المكسيك أكثر من 420 ألف مزارع بهدف استصلاح الأراضي المتدهورة، وهذا ما يمثّل أحد أكبر جهود إعادة التوطين البيئية والاجتماعية في العالم. وتسلط هذه المبادرات الضوء على أن حماية الطبيعة مرتبطة باستدامة سبل العيش والثقافات.

سياسة الحلول الجزئية هي العقبة أمامنا
لم نعد نملك الآن رفاهية الحلول الجزئية. وينبغي أن يشكّل المؤتمر العالمي للحفاظ على الطبيعة نقطة تحول فارقة في هذا السياق. ويتوجّب على الحكومات أن تعمل على دمج رأس المال الطبيعي في أنظمة المحاسبة الوطنية واستراتيجيات المناخ. كما ينبغي على الشركات أن تتجه نحو قياس أثرها على التنوّع البيولوجي والعمل على تخفيفه. في حين يتعين على المؤسسات المالية مواءمة محافظها المالية لتحقيق نتائج إيجابية على الطبيعة. وفي ذات السياق، على المواطنين أن يطالبوا بالتعامل مع الطبيعة بوصفها الأساس. إن تكلفة التقاعس عن العمل في هذا الاتجاه تفوق بكثير تكلفة الابتكار.

التزام دولة الإمارات الراسخ والضرورة الملحة لتضافر الجهود العالمية
تستضيف دولة الإمارات فعاليات المؤتمر هذا العام، وتفخر باستقبال أبرز الخبراء العالميين في مجال الطبيعة. إننا نبذل جهوداً حثيثة لتوسيع أسواق أنظمة الكربون الأزرق، وتطوير التقنيات الحديثة، وعقد الشراكات التي تجمع بين العلم والسياسات ورأس المال. ونؤكد مجدداً التزامنا بتسريع مبادراتنا البيئية وتلك المتعلقة بالحفاظ على الطبيعة.

إن الابتكار الأهم في وقتنا الراهن لا يكمن في تطوير تطبيق أو خوارزمية جديدة، بل في تبنّي منهجية جديدة ترى في الطبيعة شريكاً يستحق الاحترام، وأساساً لازدهار الإنسان. وهذا هو المستقبل الذي ينبغي علينا التعاون معاً لبنائه.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

حمدان بن زايد يترأس اجتماع مجلس إدارة هيئة البيئة – أبوظبي

شبكة بيئة أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، 12 فبراير 2026 ترأس سمو الشيخ حمدان بن زايد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *