كيف تُسخِّر الوكالة الدولية للطاقة الذرية العلوم النووية لمواجهة أزمة شُحّ المياه؟
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 20 سبتمبر 2025
في عالمنا المتسارع، لم تعد أزمة المياه مجرد قضية بيئية هامشية، بل تحولت إلى تحدٍ وجودي يهدد الأمن الغذائي والاقتصادي لأكثر من ملياري شخص حول العالم. مع تزايد عدد السكان، وتفاقم ظاهرة تغير المناخ، وذوبان الأنهار الجليدية بمعدلات غير مسبوقة، وتزايد تلوث الموارد المائية، أصبح إيجاد حلول مستدامة لإدارة المياه أمراً حيوياً. وكما يقول المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل ماريانو غروسي، فإن “الماء مسؤولية الجميع”. في هذا السياق، تبرز العلوم والتكنولوجيا النووية، والتي غالباً ما تُربط بالطاقة والأسلحة، كأداة قوية وغير متوقعة لمواجهة هذه الأزمة، حيث تستخدم الذرة لأغراض سلمية لإدارة الموارد المائية وتحسينها وحمايتها.
يستعرض هذا التقرير، “تسخير الذرة من أجل الماء”، كيف تُسهم التطبيقات النووية في فهم دورة المياه، ومكافحة التلوث، وتحلية المياه، وتحسين كفاءة الري، استناداً إلى أحدث ما نشرته مجلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عددها الأخير.
أدوات نووية لفهم “قصة قطرة الماء”
تعتمد أساليب إدارة المياه التقليدية غالباً على بيانات غير كافية أو غير دقيقة، مما يجعل اتخاذ القرارات السليمة مهمة صعبة. هنا يأتي دور ما يُعرف بـ الهيدرولوجيا النظيرية (Isotope Hydrology)، وهو علم حديث يستخدم “البصمات” النظيرية الطبيعية في الماء لتتبع مصدره وحركته.
تتكون المياه من ذرات الأكسجين والهيدروجين. بعض هذه الذرات لها نظائر (Isotopes) مختلفة، وهي أشكال من العنصر نفسه تختلف في عدد النيوترونات. على سبيل المثال، يختلف “الأكسجين-18” عن “الأكسجين-16” بوجود نيوترونين إضافيين. هذه النظائر موجودة بشكل طبيعي في الماء، وتختلف نسبها باختلاف مصدر الماء (مطر، نهر، بحيرة، مياه جوفية) ومساره في الدورة الهيدرولوجية.
باستخدام أجهزة متخصصة، يمكن للعلماء تحليل هذه البصمات النظيرية لتحديد ما يلي:
مصدر المياه الجوفية: هل تتجدد هذه المياه من الأمطار الحديثة أم أنها مياه أحفورية (قديمة) لا تتجدد؟ هذا السؤال حاسم لضمان استدامة استخدامها.
مخاطر التلوث: يمكن للنظائر أن تكشف عن مصدر الملوثات، سواء كانت من الأنشطة الزراعية أو الصناعية أو مياه الصرف الصحي، مما يساعد في وضع استراتيجيات فعالة لحماية الموارد المائية.
تأثيرات تغير المناخ: يمكن أن تساعد دراسة النظائر في الجليد والأنهار الجليدية على فهم التغيرات التاريخية في المناخ والتنبؤ بتأثيراتها المستقبلية على توافر المياه.
تُقدم الوكالة الدولية للطاقة الذرية دعماً كبيراً للدول الأعضاء لتمكينها من استخدام هذه التقنيات، من خلال تدريب العلماء وتقديم المعدات اللازمة عبر شبكات تعاونية مثل “شبكة مختبرات تحليل المياه العالمية”، التي أطلقتها الوكالة في مؤتمر الأمم المتحدة للمياه عام 2023 لردم الفجوة في البيانات المتعلقة بالمياه.
الأنهار الجليدية المذابة: تهديد عالمي
أحد أخطر آثار تغير المناخ هو الذوبان السريع للأنهار الجليدية. تُشير الأبحاث إلى أن الأنهار الجليدية الجبلية، التي تغطي مساحات صغيرة نسبياً، فقدت حوالي 5% من حجمها بين عامي 2000 و2023، وأن معدل الذوبان تسارع بشكل كبير بعد عام 2012. تُعد هذه الأنهار مصدراً حيوياً للمياه العذبة لما يقرب من ملياري شخص حول العالم، خاصة في آسيا وأمريكا الجنوبية.
في البداية، يؤدي ذوبان الجليد إلى زيادة تدفق المياه في الأنهار، لكن هذا “الذروة المائية”ستُتبع بانخفاض حاد في كمية المياه المتاحة بمجرد أن تتقلص الأنهار الجليدية بشكل كبير. وهذا يُهدد الأمن المائي والغذائي للمجتمعات التي تعتمد عليها. في هذا السياق، تقوم دول مثل دول آسيا الوسطى بجهود حثيثة للحفاظ على الأنهار الجليدية، وتُساعدها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فهم هذه الظاهرة عبر دراسات الهيدرولوجيا النظيرية التي تُقدم بيانات دقيقة عن معدلات الذوبان وتأثيراتها على الموارد المائية.
“التحلية النووية”: حل مستدام لمواجهة شُحّ المياه
تُعد تحلية المياه (Desalination) من أهم الحلول لمعالجة نقص المياه، لكنها تستهلك كميات هائلة من الطاقة، وغالباً ما تعتمد على الوقود الأحفوري الذي يُسهم في انبعاثات الكربون. هنا يبرز دور “التحلية النووية” (Nuclear Desalination) كبديل مستدام. وتُستخدم الطاقة الحرارية أو الكهربائية الناتجة عن المفاعلات النووية لتشغيل محطات التحلية. هذه المفاعلات تُوفر مصدراً مستقراً وموثوقاً للطاقة، على مدار الساعة، وبتكلفة تنافسية. وتُشير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى وجود خبرة تراكمية تزيد عن 150 عاماً من التشغيل الآمن للمفاعلات النووية لأغراض التحلية، لا سيما في دول مثل كازاخستان والهند واليابان.
تُقدم التحلية النووية مزايا متعددة فهي تُسهم في تقليل البصمة الكربونية بشكل كبير مقارنة بالمحطات التقليدية التي تعمل بالوقود الأحفوري. وتُوفر مصدراً آمناً ومستقراً للمياه العذبة، مما يُقلل من الاعتماد على مصادر المياه الطبيعية المهددة بالنضوب أو التلوث. وتعمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع دول عربية لتعزيز الأمن المائي من خلال مشروعات مشتركة تستخدم التقنيات النووية.
الذرة والري: نحو استخدام أكثر كفاءة للمياه
تستهلك الزراعة ما يقرب من 70% من المياه العذبة في العالم. ولتحقيق الأمن الغذائي مع مواجهة ندرة المياه، أصبح تحسين كفاءة الري أمراً لا غنى عنه. ويمكن استخدام النظائر في التربة والنباتات لقياس كمية المياه التي تمتصها الجذور بالفعل، مما يساعد المزارعين على تحديد الكمية المثلى من المياه اللازمة للري وتجنب الهدر. كما تستخدم تقنيات أخرى، مثل قياس رطوبة التربة بأجهزة النيوترون، لتحديد كمية المياه الموجودة في التربة بدقة، مما يُمكن المزارعين من إدارة جداول الري بفاعلية أكبر، وهو ما يُقلل من استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 20-30% في بعض الحالات. هذه التقنيات تُمكن الدول من تحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالأمن المائي والغذائي، وتُعد البرازيل مثالاً ناجحاً في هذا المجال، حيث تُطبق استراتيجيات متطورة لحماية مواردها المائية العذبة.
التربة والمياه: ملوثات المياه: “الأزمة الخفية”
أحد أهم التحديات التي تواجه الموارد المائية هو التلوث. فالتلوث بالمواد الكيميائية، والمخلفات الزراعية، والمواد البلاستيكية الدقيقة، يُشكل تهديداً خطيراً لصحة الإنسان والبيئة. وتستخدم الوكالة الدولية للطاقة الذرية التقنيات النووية للكشف عن مصادر التلوث ومسارها. فبفضل النظائر، يمكن للعلماء تتبع الملوثات ومعرفة مصدرها، سواء كانت من الأنشطة الصناعية أو الزراعية أو مياه الصرف الصحي غير المعالجة. وتُستخدم تكنولوجيا الإشعاع، مثل الأشعة السينية، في معالجة مياه الصرف الصحي وتطهيرها من الملوثات الكيميائية والبيولوجية، مما يُمكن من إعادة استخدامها في الزراعة والصناعة. كما تُسهم الوكالة من خلال مبادرتها “التكنولوجيا النووية لمكافحة التلوث بالبلاستك” في تطوير تقنيات إشعاعية لإعادة تدوير النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى مواد مفيدة، مما يمنعها من الوصول إلى مصادر المياه.
نحو مستقبل مائي مستدام
إن التقرير الأخير لمجلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية يُسلط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه العلوم والتكنولوجيا النووية في مواجهة أزمة المياه العالمية. من فهم “قصة قطرة الماء” عبر الهيدرولوجيا النظيرية، إلى مكافحة التلوث باستخدام تقنيات الإشعاع، ومن توفير حلول مستدامة لتحلية المياه عبر الطاقة النووية، إلى تحسين كفاءة الري في الزراعة، تُثبت الذرة قدرتها على أن تكون حليفاً رئيسياً في حماية هذا المورد الثمين.
تؤكد هذه الجهود أن الذرة لم تعد مجرد مصدر للطاقة، بل أصبحت أداة حيوية لتعزيز الأمن المائي، والتكيف مع تغير المناخ، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. إنها دعوة للتعاون الدولي وتوحيد الجهود، كما تُظهر الشراكة بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية والبنك الدولي في النيجر، من أجل بناء مستقبل مائي آمن ومستدام للأجيال القادمة.
المصدر
https://www.iaea.org/sites/default/files/q3bulletinatomsforwaterarabicweb.pdf
هاشتاجات
##الذرة_تنقذ_الماء – #الأمن_المائي – #الوكالة_الدولية_للطاقة_الذرية – #العلوم_النووية_للمياه – #الهيدرولوجيا_النظيرية – #تحلية_المياه_النووية – #مكافحة_تلوث_المياه – #إدارة_المياه_المستدامة – #تغير_المناخ_والمياه – #الزراعة_الذكية_بالمياه – #الابتكار_في_المياه – #الموارد_المائية_العالمية – #حلول_مستقبلية_للمياه – #حماية_البيئة – #الطاقة_النظيفة_للمياه – #علوم_بيئية – #مستقبل_مستدام – #الوعي_البيئي – #علوم_البيئة – #العالم_المصري – #بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل.
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز