موقف الوطن العربي من المحاصيل المعدلة وراثياً

ضمن سلسلة مقالات ثقافية علمية عن (البيوتكنولوجيا الزراعية)، رقم الحلقة (14)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 21 سبتمبر 2025م
مع تسارع التطورات في مجال التكنولوجيا الحيوية الزراعية منذ تسعينيات القرن الماضي، أصبحت المحاصيل المعدلة وراثيًا (GM crops) محور جدل عالمي بين مؤيد يرى فيها أداة لحل أزمة الأمن الغذائي، ومعارض يخشى آثارها الصحية والبيئية. وفي العالم العربي، الذي يواجه تحديات متزايدة في الإنتاج الغذائي، كان الموقف تجاه هذه التكنولوجيا مزيجًا من الحذر والتجريب، مع تفاوت واضح بين الدول في مستوى الانفتاح أو التحفظ.

الوضع العام في الوطن العربي
يضم الوطن العربي 22 دولة تختلف في ظروفها الزراعية والاقتصادية، لكن القاسم المشترك بينها هو الاعتماد الكبير على استيراد الغذاء، خصوصًا الحبوب والزيوت. ورغم الاهتمام البحثي بالمحاصيل المعدلة وراثيًا في مراكز البحوث الزراعية والجامعات العربية، فإن الزراعة التجارية لها ما تزال محدودة للغاية، وغالبًا مقتصرة على محاصيل معينة في دول بعينها.

دول تبنت الزراعة التجارية للمحاصيل المعدلة
1. السودان
يُعد السودان الدولة العربية الأولى التي اعتمدت زراعة القطن Bt المقاوم للآفات على نطاق تجاري منذ عام 2012. ساعد هذا المحصول على تقليل استخدام المبيدات الحشرية وزيادة الإنتاجية وجودة الألياف. كما جرى تجريب الذرة المعدلة في بعض المشاريع، لكن التوسع التجاري ظل محدودًا.

2. مصر
أجرت مصر تجارب ميدانية على عدة محاصيل معدلة، أبرزها الذرة Bt المقاومة للحشرات، والتي تمت زراعتها تجاريًا لفترة محدودة في أوائل العقد الثاني من الألفية (من عام 2008م الى عام 2012م)، قبل أن تتوقف بسبب نقاشات حول الأطر التنظيمية والتأثيرات البيئية.

3. المملكة العربية السعودية:

رغم عدم وجود زراعة تجارية واسعة للمحاصيل المعدلة، فإن السعودية تستورد كميات كبيرة من فول الصويا والذرة المعدلة لاستخدامها في تغذية الماشية والدواجن، وتعتمد على سياسات واضحة في التوسيم وإدارة المخاطر، كما تدعم الأبحاث في هذا المجال عبر مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية.

الدول التي تركز على الأبحاث والتجارب الميدانية
هناك عدد من الدول العربية، مثل الإمارات العربية المتحدة، والمغرب، وتونس، والأردن، التي تركز على الأبحاث العلمية والتجارب المحدودة في محطات البحوث، دون السماح حاليًا بالزراعة التجارية.

الإمارات: تشجع على البحث في التقنيات الزراعية الحديثة، بما فيها الهندسة الوراثية، من خلال مبادرات الأمن الغذائي، لكنها تحرص على دراسة الأبعاد البيئية قبل السماح بالتبني التجاري.
المغرب وتونس: لديهما مراكز أبحاث نشطة في التكنولوجيا الحيوية الزراعية، لكنهما يواجهان ضغوطًا من الشركاء التجاريين، خصوصًا الاتحاد الأوروبي، الذي يفرض قيودًا على استيراد المنتجات المعدلة.
الأردن: يواصل إجراء الأبحاث على محاصيل مثل القمح والطماطم لتحسين مقاومتها للأمراض والجفاف باستخدام تقنيات التعديل الوراثي.

الدول المتحفظة أو الرافضة
عدد من الدول العربية، مثل الجزائر ولبنان، تتبنى موقفًا متحفظًا أو رافضًا لزراعة المحاصيل المعدلة وراثيًا تجاريًا، مستندة إلى مخاوف تتعلق بالسلامة الغذائية وحماية التنوع البيولوجي. الجزائر، على سبيل المثال، تحظر استيراد أو زراعة أي محاصيل معدلة، إلا في حالات الطوارئ أو لأغراض البحث العلمي.

العوامل المؤثرة في الموقف العربي
1. الأمن الغذائي والموارد المائية: مع محدودية الأراضي الزراعية وشح المياه في العديد من الدول العربية، يرى المؤيدون أن المحاصيل المعدلة وراثيًا قد توفر حلولاً لزيادة الإنتاجية وتحمل الجفاف والملوحة.

2. المخاوف الصحية والبيئية: تثير هذه المحاصيل قلقًا بشأن تأثيراتها طويلة المدى على صحة الإنسان، وإمكانية انتقال الجينات المعدلة إلى النباتات البرية، ما قد يؤثر على التنوع البيولوجي.

3. الضغوط التجارية والسياسية: بعض الدول العربية ترتبط باتفاقيات تجارية مع الاتحاد الأوروبي، الذي يفرض قيودًا على المنتجات المعدلة وراثيًا، مما يحد من تبنيها لهذه التكنولوجيا.

4. البنية التشريعية والتنظيمية: تفاوت الأطر القانونية بين الدول العربية يؤثر بشكل مباشر على قدرة هذه الدول على اعتماد المحاصيل المعدلة. فبينما وضعت بعض الدول قوانين واضحة للسلامة الحيوية، ما زالت دول أخرى تفتقر إلى تشريعات متكاملة.

الاستيراد والاستهلاك
رغم القيود المفروضة على الزراعة، فإن معظم الدول العربية تستورد كميات كبيرة من المنتجات المعدلة وراثيًا، خاصة فول الصويا والذرة من الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين، لاستخدامها في الأعلاف وصناعات الزيوت. وغالبًا ما تكون هذه المنتجات خاضعة لنظم التوسيم أو الإفصاح، لكنها في بعض الدول لا تُعرض للمستهلك بشكل واضح.

المستقبل: بين الحذر والانفتاح المشروط
من المرجح أن يشهد الوطن العربي خلال السنوات القادمة نقاشًا أوسع حول تبني المحاصيل المعدلة، خاصة مع تزايد تأثير التغير المناخي وتزايد الطلب على الغذاء. الاتجاه المتوقع هو الانفتاح المشروط، أي السماح بزراعة محاصيل معدلة تتوافق مع احتياجات كل دولة، مع فرض ضوابط صارمة للسلامة الحيوية.

كما أن التطورات في تقنيات التعديل الجيني الدقيقة، مثل CRISPR، قد تغير الموقف العربي إذا أثبتت هذه التقنيات أنها أقل خطورة وأكثر دقة في التعديل، مما يقلل المخاوف البيئية والصحية.

خاتمة
الموقف العربي من المحاصيل المعدلة وراثيًا يعكس مزيجًا من الطموح والحذر، حيث تسعى بعض الدول للاستفادة من مزايا التكنولوجيا في مواجهة تحديات الأمن الغذائي، بينما تضع أخرى حماية البيئة وصحة المستهلك في المقدمة.

وفي ظل التحديات الزراعية والمناخية التي تواجه المنطقة، قد يكون الحل الأمثل هو نهج متوازن يدمج بين الابتكار العلمي والحفاظ على التراث الزراعي والتنوع البيولوجي، بما يضمن تحقيق الأمن الغذائي دون التفريط في الاستدامة البيئية.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

البذرة التي تريد أن تعود إلى أصلها

نقاش رمزي حول البذور المحلية والتراثية مقابل الأصناف التجارية والهجين سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *