“الأمن القومي البيئي”.. قراءة علمية في مهددات البقاء بالمنطقة

 

أمن المياه والطاقة في مناطق النزاعات.. دعوة إلى يقظة ضمير بيئية

شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 18 مارس 2026
في عالمٍ باتت فيه البيئة ساحة حرب صامتة، لم تعد النزاعات المسلحة تكتفي بحصد الأرواح في ميادين القتال، بل امتدت يد الدمار لتطال “أوردة الحياة” التي تغذي الملايين. نحن لا نتحدث اليوم عن دمار جسور أو مبانٍ يمكن إعادة إعمارها ببعض الإسمنت والحديد، بل نتحدث عن استهداف متعمد وممنهج لمنشآت تحلية مياه البحر، ومفاعلات الطاقة النووية، وحقول النفط؛ تلك المنشآت التي تمثل العمود الفقري للاستقرار البشري في إقليمنا العربي.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد “أزمة بيئية” عابرة، بل هو زلزال وجودي يهدد “لحظة البقاء” للجميع. عندما تختلط بقع الزيت الأسود بمآخذ مياه التحلية، وعندما يلوح شبح الإشعاع النووي فوق مياه الخليج أو البحر الأحمر، فإننا نكون أمام كارثة عابرة للحدود لا تعترف بالخرائط السياسية، ولا تميز بين صديق وعدو. هذا التقرير يسبر أغوار الدراسة العلمية الأحدث التي دقت ناقوس الخطر في دورية “نيتشر” (Nature)، ليضع أمام صناع القرار والجمهور العام خارطة طريق للتعافي قبل فوات الأوان.

فلسفة الاستهداف.. لماذا البنية التحتية البيئية؟
تؤكد الدراسة المنشورة في Nature Sustainability أن الحروب الحديثة انتقلت من “تدمير القوة العسكرية” إلى “تعطيل مقومات الحياة”.

1. محطات التحلية كهدف استراتيجي
تعتمد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على تحلية المياه بنسبة تتجاوز 90% في بعض الدول. استهداف هذه المحطات يعني “العطش الجماعي”. المحطات تعمل بنظام التناضح العكسي (Reverse Osmosis) أو التقطير الومضي المتعدد (Multi-Stage Flash)، وكلاهما حساس للغاية لأي تغير في جودة مياه البحر.

2. الطاقة النووية: السلاح الذي لا يرحم
المنطقة العربية دخلت عصر الطاقة النووية السلمية (مثل محطة براكة في الإمارات). إن استهداف هذه المنشآت أو المناطق القريبة منها يهدد بتسرب نظائر مشعة إلى البيئة البحرية، مما يجعل المياه غير صالحة للاستخدام البشري لآلاف السنين.

التلوث النفطي.. العدو الأسود لمآخذ المياه
يمثل تسرب النفط التهديد الأكثر إلحاحاً. عندما تستهدف ناقلات النفط أو منصات الاستخراج، يتحول البحر إلى “مقبرة لزجة”.

الآثار الميكانيكية والكيميائية:
● انسداد الفلاتر: جزيئات النفط الثقيلة تؤدي إلى تلف الأغشية في محطات التحلية، وهي قطع غيار باهظة الثمن ومعقدة التصنيع.
● تلوث كيميائي: النفط يحتوي على مركبات هيدروكربونية عطرية (PAHs) تذوب في الماء وقد لا تنجح عمليات التحلية التقليدية في إزالتها تماماً، مما يسبب مخاطر سرطانية للمستهلكين.

الكارثة العابرة للحدود والنمذجة الرياضية
ما يميز دراسة “نيتشر” هو استخدامها لتقنيات النمذجة (Modeling) للتنبؤ بحركة الملوثات.
● التيارات البحرية: في الخليج العربي، تدور المياه في حركة عكس عقارب الساعة. أي تسرب في الشمال (قرب مناطق النزاع الحالية) سيصل حتماً إلى شواطئ الجنوب والشرق خلال أيام.
● التعافي الاقتصادي: تشير التقديرات إلى أن تنظيف بقعة نفطية ضخمة هددت محطات تحلية قد يكلف ما بين 5 إلى 20 مليار دولار، ويحتاج إلى 10 سنوات من العمل المستمر لإعادة التوازن البيولوجي.

البعد الأكاديمي والمهني في التقرير
بصفتي أستاذاً جامعياً، أرى أن الفجوة الكبرى تكمن في “غياب البيانات اللحظية”. الدراسة تطالب بإنشاء “مرصد بيئي عسكري-مدني” يقوم بمراقبة:
1. المناطق البحرية ذات الخطورة العالية (Hotspots): وهي المناطق التي تتقاطع فيها خطوط الملاحة النفطية مع مآخذ مياه التحلية.
2. جودة المياه عبر الأقمار الصناعية: استخدام تقنيات الاستشعار عن بعد (Remote Sensing) للكشف المبكر عن أي تغير في لون أو حرارة المياه.

تداعيات تدمير محطات تحلية المياه على الصحة العامة
إن توقف محطة تحلية واحدة لمدينة كبرى يعني:
● انتشار الأمراض المنقولة بالمياه بسبب لجوء الناس لمصادر مياه غير آمنة.
● توقف المستشفيات والمراكز الصحية التي تعتمد كلياً على المياه المحلاة للتعقيم والتشغيل.
● انهيار الأمن الغذائي بسبب توقف الزراعات الملحية أو البيوت البلاستيكية التي تعتمد على هذه المياه.

التوصيات الاستراتيجية (خارطة الطريق للمنطقة)
بناءً على التحليل المعمق، نضع التوصيات التالية أمام الجهات المعنية:
1. التنويع الاستراتيجي لمصادر المياه: عدم الاعتماد الكلي على التحلية البحرية، والبدء في مشاريع ضخمة لتحلية المياه الجوفية العميقة واستصلاح مياه الصرف الصحي.
2. بناء مخزون مائي وطني: ضرورة وجود خزانات استراتيجية تحت الأرض تكفي الدولة لمدة لا تقل عن 6 أشهر في حال التعطل الكامل للمحطات.
3. تدويل حماية “منشآت البقاء”: العمل عبر القنوات الدبلوماسية لاعتبار محطات التحلية والطاقة “مناطق منزوعة السلاح” بموجب القانون الدولي الإنساني.
4. تطوير تكنولوجيا “الأغشية الذكية”: الاستثمار في البحث العلمي لابتكار أغشية تحلية مقاومة للتلوث النفطي والكيميائي الشديد.
5. إنشاء “قوة طوارئ بيئية إقليمية”: تكون جاهزة للتدخل السريع لمحاصرة بقع الزيت قبل وصولها للمناجم المائية.

نحو ميثاق شرف بيئي عروبي
إن المنطقة العربية بأكملها تقف اليوم أمام اختبار حقيقي لمفهوم “الأمن القومي البيئي”. إن استهداف منشآت النفط والتحلية ليس مجرد تكتيك عسكري، بل هو طعنة في قلب المستقبل. لقد أثبتت الدراسات العلمية الرصينة أن التعافي من هذه الكوارث يفوق قدرة الاقتصادات الفردية، ويتطلب تكاتفاً علمياً وتقنياً غير مسبوق.
إننا ندعو من خلال هذا التقرير إلى يقظة ضمير بيئية، وإلى وضع العلم في مقدمة قاطرة الدفاع عن مقدراتنا. الماء هو “بترول المستقبل”، والطاقة هي محركه، والبيئة هي الحاضنة التي لا يمكننا العيش خارجها. لن يغفر لنا التاريخ إذا تركنا “أوردة حياتنا” عرضة للتمزق تحت وطأة صراعات يمكن تجنيب المدنيين والبيئة ويلاتها.

هاشتاجات:
##الأمن_المائي_العربي – #أمن_الطاقة – #تحلية_المياه – #الدراسات_العلمية – #الكارثة_البيئية – #التلوث_النفطي – #استدامة_البحار -#حماية_الكوكب – #حروب_المياه – #البنية_التحتية – #التغير_المناخي – #دراسات_مستقبلية – #فلسفة_العلوم – #الثقافة_العلمية – #الوعي_البيئي – #البيئة – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #العالم_المصري – #الدكتور_طارق_قابيل.

(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

هندسة الضوء وجينوم البلاستيدات

المفاعل الحيوي الذكي في قلب الخلية النباتية شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *