اللغة والولاء: حدود الانفتاح ومسؤولية الانتماء

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 22 أبريل 2026
الولاء للوطن ممارساتٍ يومية تحمي المصلحة العامة وتغرس الانتماء للمجموعة، والممارسة تبدأ بكلمة. ففي البدء كانت الكلمة. في المجال اللغوي، يظهر هذا الولاء في احترام لغة الوطن في الفضاء العام، وفي المحيط الخاص. وهنا يتحدد المعنى العملي لما يمكن تسميته اللغة والولاء: حدود الانفتاح ومسؤولية الانتماء؛ أي أن ننفتح بوعي، وأن نصون ما به ينتظم الفضاء العام.

لم ترتضِ دولة الإمارات لنفسها أن تُقصي جنسية، أو تُزدرى دينًا، أو تُضيّق على مذهب، أو تُغلق بابًا أمام لغة؛ فكانت نموذجًا للتسامح وميدانًا للتلاقي. غير أنها، في هذا الانفتاح الواعي، تحافظ على ثوابتها الجامعة: الهوية الوطنية، والدين الحنيف، والمنهج الوسطي، واللغة العربية. وعلى هذه الثوابت يقوم معنى الولاء، ويتشكل إطارًا جامعًا يحفظ التوازن ويصون الاستقرار. ومن هذا المنطلق تُفهم حدود الانفتاح ومسؤولية الانتماء في الممارسة اللغوية داخل المجال العام.

إن من يتخلى عن لسان قومه، تضعف صلته بهم، ويبتعد عن مجالهم الحيوي، ويقترب من الطرف النقيض لا بحكم اللغة ذاتها، بل بحكم ما يترتب على ذلك من انقطاع في الفهم والمشاركة. فحين يبهت حضور لغة المجتمع في المجال العام، يبهت معها الإحساس المشترك، وتتسع مسافة التواصل، ويصعب بناء الثقة.

أجزم أن أولئك الذين خرجوا من بوتقة الوطن، قرؤوا كتبًا تحريضية، واستمعوا لخطابات متشددة، وتحدثوا برطانة ممقوتة، وكتبوا رسائل مشبوهة، ولذا لم يكن انحرافهم حدثًا مفاجئًا. إنه نتيجة حتمية لمسارٍ بدأ بانفصالٍ تدريجي عن المجال اللغوي والثقافي الذي يجمع الناس. فالكلمة التي تُستبدل، واللغة التي تُهمَّش، تحوّل في المرجعية وفي مصادر الفهم، وتغوّل على الوطنية ودوائر الانتماء، وانتقاص من الولاء للقيادة. ومع الوقت، يتكوّن وعيٌ معزول، يستمد معاييره من خارج سياقه الطبيعي.

غير أن الخلل هنا لا يُردّ إلى لغة بعينها، بل إلى طبيعة الخطاب الذي يُستهلك، وإلى غياب التوازن في مصادر المعرفة. فاللغة، في ذاتها، جسرٌ يمكن أن يفتح على العالم، أو يُستخدم للعزلة عنه. ومن هنا تأتي أهمية الوعي اللغوي، الذي لا يكتفي بإتقان اللسان، بل يُحسن اختيار ما يُقرأ ويُسمع ويُقال، ويُبقي الصلة حيّة بين الفرد ومجتمعه.

وبين الانفتاح اللغوي والمسؤولية الوطنية، تتجسد حقيقة اللغة والولاء: حدود الانفتاح ومسؤولية الانتماء؛ أن نكتسب لغات العالم لننفتح، وأن نصون لغة الوطن في مجالها العام لنستقيم.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الاستثمار في اللغة

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *