النحل معجزة بيولوجية وصمام أمان للتنوع البيولوجي
حماية الملقّحات أمن قومي لمستقبل منطقتنا العربية والعالم
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 19 مايو 2026
هل تخيلت يوماً أن رشفة قهوتك الصباحية الداكنة، أو قطعة الشوكولاتة المخملية التي تذوب في فمك لتعديل مزاجك، أو حتى التفاحة التي يوصي بها أطباء التغذية، قد تصبح مجرد ذكريات من الماضي؟ يبدو هذا التساؤل للوهلة الأولى أشبه بلقطة من فيلم سينمائي ينتمي لأدب الديستوبيا، لكنه في الواقع مغزى بيئي أعمق بكثير. إننا نقف اليوم في محراب الطبيعة أمام معجزة بيولوجية صامتة وهشة، بطلها كائن لا يتجاوز حجم عقلة الإصبع، لكنه يحمل على أجنحته المرتعشة ثقل أمننا الغذائي وجودة حياتنا.
يتزامن هذا الطرح مع إحياء المجتمع الدولي لـ اليوم العالمي للنحل، وهو الحدث الإخباري العالمي الذي وظفته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو لتدق ناقوس الخطر عبر حزمة من البيانات المحدثة. يضعنا هذا التوقيت أمام “منعطف بيئي حاسم”؛ فالأمر لم يعد يتعلق برفاهية حماية الحشرات، بل بـ “أنسنة العلم” وفهم كيف يرتبط طنين هذه الكائنات المجهدة بلقمة عيش الفلاح في دلتا مصر، ومائدة الطعام في حواضر الخليج، واستقرار سلاسل الإمداد من المحيط إلى الخليج.
المعجزة الهندسية وثقافة العمل
حين يتأمل الباحث الأكاديمي داخل المختبر أو في الحقل سلوك النحل، يدرك سريعاً أننا لسنا أمام مجرد حشرة، بل أمام منظومة إنتاجية تمتلك أخلاقيات عمل تتضاءل أمامها كبرى الشركات البشرية. تشير البيانات العلمية الموثقة إلى أن النحلة الواحدة تزور حوالي 7000 زهرة يومياً. ولتجسيد هذا الرقم؛ فإن إنتاج كيلوغرام واحد فقط من العسل يتطلب من النحل القيام بنحو أربعة ملايين زيارة للزهور.
هذا الجهد الخارق ليس مجرد أرقام صماء، بل هو قصة كفاح يومي؛ فالنحلة تخرج في رحلتها الاستكشافية مدفوعة بغريزة بقاء جماعية، تطوف البساتين والمراعي، وتتعرض لتيارات الرياح والحرارة الشديدة، لتعود محملة بالرحيق وحبوب اللقاح. ومن بين ما لا يقل عن 20000 نوع من أنواع النحل المنتشرة في أرجاء الكوكب، تبرز 7 أنواع فقط تخصصت في صناعة العسل، هذا السائل الذهبي الذي يمثل صيدلية طبيعية متكاملة.
هنا يبرز دورنا الإنساني في فهم هذه التضحية البيولوجية. هذا الكائن الدؤوب يصاب بالإجهاد الشديد والجفاف تماماً مثل عامل البناء تحت أشعة الشمس الحارقة. ومن أبسط مظاهر “أنسنة العلم” وتحويل التعاطف البيئي إلى سلوك يومي، هو ما تنصح به المنظمات الدولية من بناء “بركات مياه ضحلة” في حدائقنا وشرفاتنا؛ مجرد وعاء صغير غير عميق، يحتوي على حصى بارزة أو أعواد خشبية، يمثل “محطة استراحة وإنعاش” تمنع النحل من الغرق وتتيح له شرب الماء ومواصلة رحلته المقدسة لتأمين غذائنا.
تفكيك الخرافات الكيميائية والأمن الغذائي المستدام
تواجه المجتمعات الزراعية والمنزلية المعاصرة تضليلاً كبيراً وشائعاً حول استخدام المركبات الكيميائية لحماية النباتات، وهنا نطبق ما نسميه علمياً بـ “شطيرة الحقيقة” لتصحيح هذا المسار المعرفي:
الحقيقة الأولى: النحل والملقّحات الحشرية هي المسؤول الأول عن تلقيح ثلث المحاصيل الغذائية التي نستهلكها عالمياً، وهي العامل الأساسي في تزويد المحاصيل (مثل القمح والبطاطس والفواكه) بـ المغذيات الدقيقة التي تمنح الطعام نكهته المميزة وقيمته الصحية العالية.
التصحيح: يسود اعتقاد خاطئ بأن الإفراط في رش مبيدات الحشرات، ومبيدات الفطريات، ومبيدات الأعشاب في الحدائق المنزلية أو الحقول الكبيرة يقتصر ضرره على الآفات المستهدفة فقط. تشير الأدلة العلمية الحديثة إلى أن هذه الكيماويات تعمل بمثابة “مقص أعمى” يقطع حبال الجهاز العصبي للنحل؛ حيث تصيبه بالتسمم المباشر، أو تفقده الذاكرة وقدرة التوجيه، فلا يستطيع العودة إلى خليته، مما يسرع بظاهرة انهيار طوائف النحل العالمية.
إن الامتناع التام عن هذه السموم واستبدالها بحلول عضوية وبيولوجية في حدائقنا ليس مجرد خيار تجميلي، بل هو حماية مباشرة لجودة مذاق أطعمتنا ولصحة أطفالنا الذين يتناولون ثماراً نمت واكتملت حيويتها بفضل تلقيح طبيعي آمن ونظيف.
لتقريب الصورة للقارئ غير المتخصص: إن عملية التلقيح تشبه إلى حد كبير جسر عبور حيوي؛ فإذا دمرت المبيدات الكيميائية النحل، فإنك هدمت الجسر الذي يربط بين الزهرة والثمرة، مما يؤدي في النهاية إلى محاصيل مشوهة، ضعيفة المذاق، وفقيرة في قيمتها الغذائية.
النحل كصمام أمان للتنوع البيولوجي
من منظور التخطيط الاستراتيجي والأكاديمي، لا ينبغي أبداً عزل قضية حماية الملقّحات عن ملفات الأمن القومي والأمن الغذائي لمستقبل منطقتنا العربية والعالم. إن التغيرات المناخية المتسارعة، من جفاف وتصحر وتذبذب في درجات الحرارة، تضغط بقوة على النظم البيئية. في هذا السياق، يبدو أننا أمام منعطف خطير يتطلب تكاتفاً واعياً؛ فالنحل ليس مجرد حشرة طائرة، بل هو “مهندس التنوع البيولوجي”.
حين يحافظ النحل على بقاء وتكاثر النباتات البرية، فهو يمنع تصحر التربة، ويؤمن الغذاء للطيور والحيوانات الرعوية، ويحافظ على التوازن البيئي الذي يمتص صدمات التغير المناخي. بالنسبة للمزارعين من الخليج إلى المحيط، فإن إيجاد موئل طبيعي (بيئة سكنية طبيعية) للنحل حول الحقول – من خلال ترك مساحات خضراء برية دون قص أو رش – يضمن استدامة التلقيح الخلطي، وبالتالي يرفع من إنتاجية الفدان والسيادة التكنولوجية والزراعية للدول في تأمين قوتها اليومي دون الاعتماد على الاستيراد.
لم يكن غريباً أن تفرد الرسالات السماوية والأديان الرئيسية في العالم نصوصاً مقدسة وسوراً كاملة تحتفي بالنحل وبنظامه المعجز؛ فالضمير الإنساني الجمعي أدرك منذ الأزل أن حياة الإنسان وازدهاره مرتبطان بوجود هذه الكائنات الحية. يدعونا العلم اليوم للتأمل واليقظة؛ فالخوف من النحل (فوبيا اللسع) يجب أن يتبدد أمام المعرفة بأنه كائن مسالم للغاية، لا يلجأ للدفاع عن نفسه إلا إذا استشعر خطراً مهلكاً.
استشراف المستقبل ودعوة للعمل
تشير الأدلة العلمية المتواترة إلى أن استمرار تدهور بيئات الملقّحات سيضع البشرية أمام أزمة صامتة قد تفوق في مفعولها أزمات الطاقة. إن الاستراتيجية الحقيقية لإنقاذ هذا الموقف لا تتطلب ميزانيات ضخمة، بل تبدأ من تغيير سلوكي وثقافي شامل. إنها دعوة للعمل، تبدأ من شرفة منزلك بزراعة زهرة محلية، وتمر عبر حقل الفلاح بالامتناع عن الكيماويات، وتصل إلى طاولة صناع القرار لسن تشريعات تحمي بيئة الملقّحات. دعونا لا ننتظر حتى يصمت الطنين تماماً، لنكتشف – بعد فوات الأوان – أننا خسرنا معه فرصة الحياة على كوكب الأرض.
هاشتاجات:
#الحفاظ_على_الطبيعة – #التوازن_البيئي – #حماية_الحياة_البرية – #صوت_الطبيعة – #الوعي_البيئي – #التنمية_المستدامة – #الحفاظ_على_الموارد – #استدامة_الأرض – #مستقبل_البيئة – #التنوع_البيولوجي – #المحميات_الطبيعية – #صوت_النحل – #أهمية_التلقيح – #النحل_والمستقبل – #الحفاظ_على_النحل – #البيئة_في_العالم_العربي – #شبكة_بيئة_أبوظبي #الدكتور_طارق_قابيل.
***
(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز