وسط دعوات عاجلة لتحويل الحق في السكن إلى أولوية عالمية
إطلاق تقرير المدن العالمية 2026 وتحذيرات من معاناة 3 مليارات شخص من أوضاع سكنية غير ملائمة تدفع الحكومات والمنظمات الدولية لتسريع حلول الإسكان الشامل والمستدام
شبكة بيئة أبوظبي، باكو، جمهورية أذربيجان، 20 مايو 2026
واصل المنتدى الحضري العالمي الثالث عشر (WUF13) أعماله في العاصمة الأذربيجانية باكو، واضعاً قضية الإسكان العالمي في صدارة النقاشات الدولية، في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بالنمو الحضري المتسارع، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتفاقم أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن في مختلف أنحاء العالم.
وشهد اليوم الثالث من المنتدى زخماً واسعاً من خلال جلسات الحوار رفيعة المستوى، والندوات المتخصصة، والاجتماعات الوزارية، إلى جانب إطلاق تقرير المدن العالمية 2026، الذي حذر من أن ما يقارب 3 مليارات شخص حول العالم يعيشون في ظروف سكنية غير ملائمة أو يواجهون صعوبات متزايدة في الوصول إلى السكن والخدمات الأساسية، الأمر الذي يهدد تحقيق أهداف التنمية المستدامة والأجندة الحضرية الجديدة.
وأكد المشاركون أن أزمة الإسكان لم تعد قضية اجتماعية فقط، بل أصبحت تحدياً اقتصادياً وتنموياً ومناخياً يتطلب استجابة عالمية عاجلة ترتكز على التمويل المستدام، والسياسات الشاملة، وتعزيز الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات الدولية.
دعوة عالمية لإعادة تعريف السكن كحق إنساني وتنموي
وافتتح المنتدى أولى جلسات الحوار رفيعة المستوى تحت عنوان “أزمة الإسكان العالمية… ما هي الخطة؟”، حيث ناقش المتحدثون تداعيات نقص المساكن وارتفاع الأسعار واتساع رقعة المستوطنات غير الرسمية، إضافة إلى تزايد الضغوط على المدن نتيجة التحضر السريع والهجرة الداخلية والتغيرات المناخية.
وركزت المناقشات على أهمية تطوير سياسات إسكان أكثر شمولاً وعدالة، وإعادة النظر في آليات التمويل الحضري، وتعزيز دور الحكومات في توفير الأراضي والبنية التحتية والخدمات الأساسية، بما يضمن الوصول إلى سكن لائق وآمن وميسور التكلفة لجميع الفئات المجتمعية.
وقال ماثيو روبرت بالدوين، نائب المدير العام ورئيس فريق عمل الإسكان في الاتحاد الأوروبي:
“لأول مرة يصبح ملف الإسكان أولوية عالمية بهذا الحجم، ولدينا اليوم خيارات وحلول متعددة، لكن المطلوب هو التعامل مع الأزمة بجدية أكبر والتحرك نحو التنفيذ العملي بدلاً من الاكتفاء بالخطط والنقاشات”.
الإسكان كأداة للاندماج الاجتماعي والنمو الاقتصادي
وفي ندوة بعنوان “القوة الاجتماعية والاقتصادية للإسكان”، ناقش المشاركون العلاقة الوثيقة بين الإسكان والنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، مؤكدين أن السكن اللائق يمثل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة وتعزيز التماسك المجتمعي.
وتطرقت الجلسات إلى قضايا القدرة على تحمل التكاليف، وتأثير المضاربات العقارية وضغوط السوق، وسبل تمويل مشاريع الإسكان الميسر، إضافة إلى دور الحكومات في تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية الحق الإنساني في السكن.
كما حظيت قضايا الإدماج وإمكانية الوصول باهتمام واسع، خاصة فيما يتعلق بالأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن والفئات الأكثر هشاشة.
وأكد سانتوش كومار رونغتا، رئيس الاتحاد العالمي للمكفوفين، أن “إمكانية الوصول يجب ألا تكون عنصراً ثانوياً في تصميم المدن والمساكن، بل ينبغي أن تكون جزءاً أساسياً من التخطيط الحضري منذ البداية، بما يخدم الجميع دون استثناء”.
تقرير المدن العالمية 2026 يدق ناقوس الخطر
واستندت العديد من النقاشات إلى ما ورد في تقرير المدن العالمية 2026: “أزمة الإسكان العالمية – مسارات العمل”، الذي تم إطلاقه رسمياً خلال المنتدى، حيث كشف التقرير عن أرقام مقلقة تتعلق بتفاقم أوضاع السكن عالمياً.
وأشار التقرير إلى أن مليارات الأشخاص يعانون من الاكتظاظ السكني، أو ارتفاع تكاليف الإيجارات، أو ضعف الخدمات الأساسية، أو انعدام الأمن السكني، محذراً من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى تعميق الفجوات الاجتماعية والاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر الحضري.
وشدد التقرير على أن معالجة الأزمة تتطلب زيادة الاستثمار العام في الإسكان، وتطوير سياسات حضرية شاملة، وتعزيز دور المجتمعات المحلية، ودمج الإسكان ضمن استراتيجيات التكيف المناخي والتنمية الاقتصادية.
تحالفات دولية لتعزيز مستقبل المدن
وشهد المنتدى سلسلة من الجلسات التي ركزت على دور التحالفات والشراكات الدولية في تسريع العمل الحضري، حيث ناقش المشاركون كيفية ربط قضايا الإسكان بملفات التغير المناخي، والتنقل الحضري، والبنية التحتية، والعدالة الاجتماعية.
كما تناولت جلسات أخرى أهمية تطوير شبكات نقل حضرية أكثر كفاءة وربط المدن والمجتمعات بالفرص الاقتصادية والخدمات، بما يعزز شمولية المدن وقدرتها على الصمود.
وفي جلسة بعنوان “نبض المنازل الصحية”، سلط الخبراء الضوء على العلاقة المباشرة بين جودة السكن والصحة العامة، مؤكدين أن البيئات السكنية غير الملائمة تؤثر بشكل كبير على الصحة النفسية والجسدية ومستويات الرفاه الاجتماعي.
الأمم المتحدة تدعو إلى نهج متكامل للتنمية الحضرية
وفي اجتماع مائدة مستديرة للأمم المتحدة، دعت وكالات الأمم المتحدة والمنسقون المقيمون وشركاء التنمية إلى تبني نهج أكثر تكاملاً يربط بين الإسكان والعمل المناخي والأمن الغذائي والخدمات الأساسية، بهدف تسريع تنفيذ أهداف التنمية المستدامة.
وأكد المشاركون أن المدن تمثل اليوم خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات العالمية، وأن الاستثمار في الإسكان المستدام والبنية التحتية والخدمات العامة بات ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
إطلاق أكاديمية المنتدى الحضري العالمي
وفي خطوة لتعزيز المعرفة وبناء القدرات، أعلن المنتدى الحضري العالمي الثالث عشر إطلاق “أكاديمية المنتدى الحضري العالمي”، وهي منصة تعليمية جديدة تهدف إلى ربط البحث العلمي بالممارسات الحضرية العملية وتطوير مهارات العاملين في مجالات الإسكان والتخطيط الحضري والتنمية المستدامة.
وشهد حفل الافتتاح تقديم دورة رقمية مصغرة بعنوان “مقدمة في الإسكان”، أعدها برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية بالتعاون مع كلية موظفي منظومة الأمم المتحدة، بهدف توفير أدوات عملية لدعم تطوير سياسات الإسكان اللائق حول العالم.
الإسكان في قلب التنمية المستدامة
وأكد قادة وخبراء التنمية الحضرية المشاركون في المنتدى أن قضية الإسكان أصبحت اليوم محوراً رئيسياً لتحقيق التنمية المستدامة، لما لها من ارتباط مباشر بالصحة والتعليم والعمل والاستقرار الاجتماعي والتكيف المناخي.
وشدد المشاركون على أن الانتقال من مرحلة الالتزامات إلى التنفيذ العملي يتطلب إرادة سياسية قوية، وتمويلاً طويل الأجل، وشراكات دولية فعالة، لضمان توفير مدن أكثر شمولاً وعدالة واستدامة للأجيال القادمة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز