شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 28 ابريل 2026
منذ فجر التاريخ، كان الخشب الرفيق الأول للإنسان؛ منه صنع مأواه، وبنى سفنه التي طافت البحار، وشيّد حضارته على جذوع الأشجار الصلبة. لكننا اليوم، في عصر الثورات العلمية المتلاحقة، لم نعد نكتفي بما تقدمه الطبيعة بصورته الخام. بينما يرى البعض في الأشجار مجرد مادة معتمة للبناء، يرى علماء التقنية الحيوية وهندسة المواد «أليافاً من الضوء» تنتظر من يحررها من عتمتها.
تخيلوا عالماً لا نحتاج فيه إلى صهر رمال الشواطئ لصنع الزجاج الهش، ولا إلى الوقود الأحفوري لإنتاج البلاستيك الملوث. بل نستمد شاشات هواتفنا الذكية، ونوافذ بيوتنا الدافئة، وحتى رقائقنا الإلكترونية من قلب الغابات، في تناغم بديع بين التكنولوجيا المستدامة وروح الطبيعة الخضراء. إننا نتحدث عن «الخشب الشفاف»، تلك المادة المعجزة التي انتقلت من التجربة المعملية إلى واقع ملموس يطرق أبواب المستقبل، معلناً عصرًا جديدًا تتلاشى فيه الحدود بين الصلابة والنفاذية.
فك الشفرة الكيميائية.. كيف يبتسم الضوء للخشب؟
يتكون الخشب أساسًا من ثلاثة مكونات رئيسية: السليلوز (الهيكل الداعم)، الهيميسليلوز، واللجنين الذي يعمل كـ«غراء» طبيعي يربط الألياف ويمنح الخشب قوته ولونه البني. المشكلة أن اللجنين يمتص الضوء بشدة، بينما تشتت الألياف الضوء بسبب اختلاف معاملات الانكسار بين المكونات.
تبدأ عملية التحويل بـ«تجريد» اللجنين أو تعديل تركيبه الكيميائي لإزالة لونه، مما يترك هيكلاً أبيض مساميًا من السليلوز النقي. بعد ذلك، يُملأ هذا الهيكل بمادة شفافة (راتنجات حيوية غالبًا) تتطابق في معامل الانكسار مع السليلوز، فتقلل تشتت الضوء وتسمح بنفاذية تصل إلى 80-90%، وهي نسبة تضاهي الزجاج التقليدي أو تتفوق عليه أحيانًا في بعض الخصائص.
ابتكارات 2025.. خشب يقرأ اللمس وينقل الكهرباء
في مؤتمر الجمعية الكيميائية الأمريكية (ACS Spring 2025)، عرض الباحثون تقدمًا ملحوظًا في صناعة «خشب شفاف وظيفي» باستخدام مواد طبيعية رخيصة وبديلة عن الراتنجات البترولية (مثل مزيج من بياض البيض ومستخلص الأرز). لم يقتصر الأمر على الشفافية؛ بل نجح العلماء في دمج جزيئات دقيقة أو أسلاك نانوية فضية داخل الهيكل السليلوزي، مما يمنح الخشب قدرة على توصيل الكهرباء دون فقدان شفافيته الجوهرية.
يفتح هذا الابتكار أبوابًا واسعة لصناعة شاشات لمس خشبية للهواتف والأجهزة اللوحية، وأجهزة استشعار قابلة للارتداء، وطلاءات للخلايا الشمسية. كما يتميز الخشب الشفاف الجديد بمرونة ميكانيكية عالية ومقاومة للكسر تفوق الزجاج التقليدي، مما يجعله مرشحًا قويًا لاستبدال المعادن النادرة والبلاستيك غير القابل للتحلل.
الاستدامة في قلب المعادلة.. بديل «أخضر» للبلاستيك والزجاج
يميز أبحاث 2025 التزامها بمبادئ الكيمياء الخضراء. بدلاً من المواد الكيميائية القاسية، يتم الآن استخدام راتنجات مستخلصة من المخلفات الزراعية (قشور الحمضيات، بياض البيض، مستخلص الأرز) لملء فراغات الخشب، مما يجعل المنتج النهائي قابلًا للتحلل الحيوي.
بيئيًا، يُعد الخشب الشفاف حلاً مثاليًا لخفض البصمة الكربونية. الأشجار تمتص ثاني أكسيد الكربون أثناء نموها وتخزنه، وعند تحويلها إلى مادة بناء فإننا نحبس هذا الكربون لسنوات طويلة. كذلك، يتطلب إنتاج الخشب الشفاف طاقة أقل بكثير مقارنة بصهر الرمال للزجاج أو تكرير النفط للبلاستيك.
كفاءة الطاقة.. البيوت التي تتنفس ضوءاً ودفئاً
في قطاع البناء، يبرز الخشب الشفاف كحل ثوري. نوافذه تتمتع بخاصية «الضبابية البصرية» التي تسمح بمرور الضوء الطبيعي بكثافة مع تشتيته، مما يوفر إضاءة مريحة ويحافظ على الخصوصية.
والأهم هو العزل الحراري الممتاز. يتمتع الخشب الشفاف بتوصيل حراري منخفض (حوالي 0.19-0.32 واط/متر.كلفن) مقارنة بالزجاج (~1 واط/متر.كلفن)، أي أفضل بـ3-5 أضعاف في بعض الاتجاهات. تشير الدراسات إلى إمكانية تقليل استهلاك الطاقة المخصصة للتدفئة والتكييف بنسب ملحوظة (تصل إلى 20-30% في بعض النماذج)، مما يجعله أداة فعالة لمواجهة أزمة الطاقة والمناخ.
التحديات والآفاق المستقبلية للتقنية الحيوية
رغم هذه القفزات، يظل التوسع في الإنتاج التحدي الأكبر، إذ لا تزال معظم النتائج في طور المختبر أو النماذج الأولية. كما يتطلب ضمان ثبات المادة أمام الأشعة فوق البنفسجية لعقود تحسينات إضافية في المواد المالئة.
من منظور التقنية الحيوية، يُعد تطوير أشجار معدلة وراثيًا باستخدام تقنيات مثل “كريسبر” واعدًا جدًا. تم بالفعل إنتاج سلالات من البوبلار (Poplar) تحتوي على كميات أقل من اللجنين (انخفاض يصل إلى 35-49% في بعض التجارب)، مما يسهل عملية التجريد ويقلل التكلفة والمواد الكيميائية المستخدمة. هذا «الخشب المصمم وراثيًا» سيجعل التقنية متاحة اقتصاديًا للجمهور في المستقبل القريب.
توصيات هامة:
1. دعم البحث العلمي العربي: على مراكز الأبحاث العربية الاستثمار في علوم المواد المستدامة والتقنية الحيوية، مستفيدة من ثرواتنا النباتية المتنوعة.
2. التوعية البيئية: تعريف المهندسين والمعماريين والجمهور بمزايا مواد البناء الخضراء لتقليل البصمة الكربونية.
3. تجسير الفجوة بين المختبر والسوق: تشجيع الشركات الناشئة في «تكنولوجيا البيئة» على تبني هذه الابتكارات وتحويلها إلى منتجات تجارية.
4. الاستثمار في التعليم: دمج مفاهيم «الاقتصاد الدائري» و«المواد الحيوية» في المناهج لإعداد جيل قادر على ابتكار حلول مستدامة.
رؤية لمستقبل أكثر إشراقاً
الخشب الشفاف ليس تقليعة علمية عابرة، بل تجسيد لقدرة الإنسان على محاكاة الطبيعة وتطويرها بذكاء. نحن نتجه نحو عالم تكون فيه جدران بيوتنا مصادر للإضاءة الطبيعية، وشاشاتنا جزءًا من دورة الحياة البيئية. العلم، حين يتسلح بالأمانة الأخلاقية والوعي البيئي، قادر على حل أكثر مشكلاتنا تعقيدًا.
في الختام، المستقبل لن يكون من صنع الحديد والخرسانة وحدها، بل سيكون مستقبلًا شفافًا وقويًا كالأشجار التي منحتنا الحياة منذ الأزل.
هاشتاجات:
# الخشب_الشفاف – #التقنية_الحيوية – #زراعة_الأنسجة_النباتية – #خشب_المختبر – #استدامة_الغابات – #الاقتصاد_الأخضر – #الهندسة_الوراثية – #الابتكار_العلمي – #تغير_المناخ – #حماية_البيئة – #المفاعلات_الحيوية – #التكنولوجيا_الخضراء – #صفر_نفايات – #التنوع_البيولوجي – #مستقبل_البناء – #العلم_المفتوح – #البحث_العلمي – #الاستدامة_البيئية – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #العالم_العربي – #الدكتور_طارق_قابيل.
(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز