قراءة إنسانية لدور المرأة الريفية في الزراعة المصرية عبر التاريخ
سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في العلاقة بين الإنسان والطبيعة والزراعة الحديثة، الحلقة (26)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي(*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية؛ 25 مارس 2026
منذ أن تعلّم الإنسان الأول كيف يلامس التربة ويقرأ إشاراتها، كانت المرأة موجودة في قلب هذه الحكاية؛ لا في الهامش ولا في موقع المساعدة، بل في مركز الفعل الزراعي ذاته. فالحقل المصري، الممتد من ضفاف النيل إلى أبعد حدود الدلتا والصعيد، لم يكن يومًا مجرد أرض تنتج، بل كان وما يزال مرآة لروحٍ أنثوية صبورة، خبأت داخل كفيها أسرار الإنبات، ورافقت البذرة منذ أن كانت فكرة حتى صارت ثمرة.
1. من حقول المصريين القدماء إلى غيطان اليوم
في النقوش التي تركها المصريون القدماء، تظهر المرأة كفاعل زراعي أصيل:
كانت تزرع، وتجمع الحصاد، وتنتقي البذور، وتشارك في إعداد مخازن الغلال. لم تكن الزراعة عندها مهنة فحسب، بل “طقس حياة” يُمارس بحسٍّ أمومي؛ فهي لا تضع البذرة في الأرض فقط، بل تمنحها شيئًا من ذاتها: حنانًا صامتًا يشبه رعاية طفل. ومع مرور آلاف السنين، تغيّر كل شيء تقريبًا في شكل الحقل… إلا المرأة.
بقيت هناك، في الصباح الذي يسبق شروق الشمس، تحمل الجرة، وتجمع علف المواشي، وتستبدل بذور العام الماضي ببذور أكثر صلابة، وتدير اقتصاد البيت بكفاءة خفيّة تعجز عنها أحيانًا دفاتر المحاسبة.
2. الشريك غير المرئي في العملية الإنتاجية
رغم أن الإحصاءات الرسمية تظلّ قاصرة عن إظهار حجم مشاركة المرأة في الزراعة، فإن الواقع اليومي يؤكد أنها:
• تشارك في أكثر من 60٪ من الأعمال الزراعية غير المدفوعة الأجر.
• تدير قطعانًا صغيرة من الطيور والحيوانات، تمثل في كثير من القرى اقتصادًا عائليًا موازيًا.
• تعمل في الريّ، ونقل المحاصيل، وعمليات الفرز والتجفيف، وإعداد البذور للموسم الجديد.
• تحافظ على “ذاكرة الزراعة” من خلال نقل الخبرة من جيل لآخر.
بل إن كثيرًا من أصناف الخضروات المحلية التي صمدت عبر القرون بقيت بفضل النساء اللواتي احتفظن ببذور “البيت”، بعيدًا عن أسواق الهجن والتقنيات الحديثة.
3. المرأة… مهندسة الأمن الغذائي الأول
حين نتحدث اليوم عن الأمن الغذائي، فإن المفهوم في جذره ليس مؤسساتيًا فقط، بل اجتماعي أيضًا.
فالمرأة الريفية هي “خط الإنتاج” الأول للأمن الغذائي الأسري:
• هي من تقرر نوع المحصول المزروع في حديقة البيت أو “الجِنان”.
• وهي من تحدد طريقة التخزين: تجفيف، تمليح، تخمير… وهي تقنيات تراثية تشبه المختبرات الصغيرة.
• وهي من تحافظ على تنوّع غذائي حقيقي داخل الأسرة، لا يعتمد فقط على المحصول التجاري بل على محصول القلب والعمل.
4. العمل الذي لا يُقاس بالأجر… بل بالأثر
في عالم يبحث عن كل شيء بالأرقام، تبقى مساهمة المرأة الريفية لغزًا يصعب ترجمته إلى معادلات اقتصادية.
كيف يمكن قياس:
• الساعات الطويلة التي تقضيها في الحقل والبيت في آن واحد؟
• مهاراتها في إدارة موسمين: موسم الزراعة وموسم الحياة اليومية؟
• قدرتها على تحويل الموارد المحدودة إلى اكتفاءٍ كريم؟
إنها المعادلة التي فشل الاقتصاد الكلاسيكي في احتسابها، بينما أدركتها الحضارة المصرية intuitively منذ القدم؛ فكانت المرأة دائمًا “وصيّة على الخصب”، كما سمتها النصوص القديمة.
5. التغيير الحديث… وتحدياته الخفية
اليوم، ومع دخول التقنيات الحديثة، والميكنة، والزراعة الرقمية، تقف المرأة الريفية أمام تحديات جديدة:
• عدم توفر التدريب الكافي على التقنيات الزراعية الحديثة.
• محدودية الملكية الزراعية المباشرة باسم المرأة.
• ضعف شبكات الدعم الاجتماعي والمالي للمشروعات الصغيرة.
لكن رغم ذلك، تظهر المرأة مرة أخرى كأقدر من يستوعب المتغيرات؛ فهي تتعلم بسرعة، وتبتكر، وتحوّل أي مساحة—even مترين أمام البيت—إلى مزرعة صغيرة تنتج الخضر والأعشاب والدواجن.
6. لماذا نحتاج إعادة قراءة دورها؟
لأن الزراعة ليست آلات ومحاصيل فقط، بل منظومة حياة.
ولأن أي تطوير للزراعة المصرية لن يكتمل بدون تضمين المرأة في كل مراحل:
• التدريب
• ملكية الأراضي
• الابتكار الزراعي
• إدارة المشروعات الصغيرة
• سلاسل القيمة والتسويق
فالمرأة ليست “يدًا عاملة” في الحقل… بل قلب الحقل.
7. خاتمة: الحقل الذي ينبت من اليد
حين نقول إن المرأة “تحمل الحقل في يديها”، فنحن لا نستخدم المجاز فقط؛
بل نصف حقيقة تاريخية وجغرافية وإنسانية.
فاليد التي تمسّد التراب، وتحمل الماء، وتلتقط الحصاد،
هي يد تبني مجتمعًا كاملًا من خلال البذرة.
والأرض التي تعطي في صمت،
تشبه المرأة التي تزرع في صمت.
كلاهما يعلّماننا أن الإنتاج ليس ضجيجًا… بل استمرار.
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز