شبكة بيئة أبوظبي، إعداد عتيق القبيسي، باحث في التراث والموروث الشعبي بالإمارات، 15 أغسطس 2025
أهلنا الأوليين كانت لهم علاقة وثيقة بالنخلة، وكانت تمثّل لهم مصدرًا مهمًّا من مصادر العيش والرّزق والمنافع المتنوعة، فكانوا يسمّون صاحب النخيل، (راعي مال)، فالنخلة بالنسبة لهم تمثّل المال، (وراعي مال وحلال)، يعني عنده نخل ومواشي، والنخلة بالنسبة لأهلنا الأوليين هي الغذاء، وهي المسكن، وهي الأثاث، وهي الرزق الحلال الذي تقوم عليه بيوتهم ويعتاش منها أهلهم وعيالهم، فالنفع من النخلة ليس فقط الرطب والتمر اللي يباع في موسمه، إنّما من النخلة يصنعون (الدعون) التي تستخدم في تشييد البيوت، الحصائر التي تستخدم في فرش البيوت، ويصنعون السلال التي يوضع فيها الطعام أو المشتريات، وتختلف تسمياتها حسب حجمها واستخدامها، و(السراريد) التي تستخدم كسفرة للأكل، ،(والمچاب) جمع (مچبّة)، التي يغطون بها الأكل، ومن عذوقها القديمة يصنعون أداة كنس وتنظيف يسمونها (عِسو)، ومن ليفها يصنعون الحبال، وجذوعها إذا ماتت يستخدمونها دعامات للأسقف أو أعمدةً للبيوت، والكثير الكثير من الاستخدامات التي لا ينتهي الحديث عنها.
وكذلك الأمثال، فمن النخلة وثمارها ومشتقاتها صاغوا الأمثال التي سنستعرض البعض منها في هذه الفقرة إن شاء الله.
وكما نعرف، أهلنا الأوليين ما كانوا يستغنون عن شيئين في حياتهم، ولا يمكن لأحدهم أن يبدا يومه بدونهما، وهما القهوة والتمر، والواحد منهم، حتّى لو تصبّح بفردة تمر وفنجان قهوة كفاه، لكن مستحيل أن يبدأ يومه بدونهما، وفي هذا قالوا:
(التمر قناد الدلّه)
(القناد) معروف عندنا هو الهيل، والدلّه طبعاً الوعاء الإبريقي الذي تصبُّ فيه القهوة، وعادةً من أهم المطيّبات التي تضاف للقهوة ومن الصعب أن يفترق عنها، هو الهيل، لكنّهم في هذا المثل شبّهوا التمر بالقناد، لأن القهوة لا تستساغ بدون التمر، والتمر لا ينبلع بدون القهوة، فكأن هذين الشيئين رغم اختلاف طعمهما، هذا مر وهذا حلو، وتكوينهما، هذا بذرة وهذا ثمرة، إلّا أنهما لا يفترقان عن بعضهما، ووجودهما قرب بعضهما ضرورة من ضروريات كل مجلس، لأن هذا يكمل هذا منهما، وهذا تمامًا مثل الناس، وعلاقتهم مع بعضهم، فالاختلاف مهما كان كبيرًا أو صغيرًا، لا يجب أن يكون عائقًا بيننا، المهم هو التكامل، يعني كل واحد منّا يكمّل الثاني، فنحن مثل ما قلنا من قبل، كالسلسلة تحتاج لكل حلقة من حلقاتها لتتماسك، فلو كنّا جميعاً متشابهين في كل شيء لن نتوالف ولن نتواصل، فالجزء السالب من المغناطيس يحتاج للجزء الموجب من المغناطيس الثاني يتواصلان، وكما قال المثل:
(حشفه على حشفه ما تلصق)
عرّفنا معنى الحشفه في فقرات سابقة، وهي ثمرة الرطب الفاسدة التي يبست في عذقها، وبما إن الحشف يكون يابسًا فمن المستحيل ان يلتصق مع بعضه، وهذا عكس المثل الذي قال (إذا استوى صاحبك حشفه، استو له تمره) لأن التمرة ليّنه ولزجة فالحشفة تلتصق فيها، وهذا أيضاً دليل على أن الاختلافات التي بيننا يجب أن نعتبرها ظاهرة صحيّة، لأنّها تشكّل هذا النسيج المتجانس رغم اختلاف الألوان والأشكال في المجتمعات، والانسان لا يتوقّع أن كل الناس يكونون على هواه وطباعهم مثل طباعه، فلا بد بين الخيّرين الكثر تجد واحدًا مؤذٍ ورفقته لا تسر، والمتعة في الحياة انّك ترى الزين والشين وتستقبلهم، والناس مثل ما قالوا أجناس، وانت ملزم بالتعامل مع الكل، ومثل ما قال المثل:
(حتّى في الخَلاص حِشَف)
والخَلاص يعتبر من أفضل وأجود وأغلى أنواع التمور، ومع هذا يكون في عذقه حشف، وهذا معناه أن (الزين ما يكمل) كما يقولون، لكن طبعاً الناس يأخذون الزين ويتركون الشين، فأنت تعامل على هذا الأساس، الزين احتفظ به، والشين ردّه إلى أهله، لأن هناك أُناس هذرتهم زائده، وفعلهم قليل، أو حتّى معدوم، وإذا جلست معهم وضعوا لك الشمس في يد والقمر في يد، لكن ساعة الجد لا تجدهم ولا تجد شيئًا من وعودهم، يعدون ويترددون، والأوّليون أسمَوهم:
(خلاله في منخل)
والخلاله هي ثمرة الرّطب الخضرا قبل أن تنظج، أي قبل أن تصير بسرة، والخلاله وهي في المنخل، تلفُّ وتدور وتصدر الأصوات العالية وهي تجول في وسط المنخل، فلا هي تسقط من فتحات المنخل، ولا هي تثبت وتقر في مكان واحد، وهذا حال بعض البشر، (أنا.. وأنا.. وبسوّي وبفعل.. وباچر بتشوفون)، وفي النهاية يتضح انّه مجرّد (خلاله في منخل)، كلام بلا فعل.
فالشيء الذي لا يستحق لا داعي أن نعظّمه ونعطيه أكبر من حجمه، وكذلك الأشخاص، أعطهم قدرهم بلا زيادة ولا نقصان، الذي يستحق المدح والتعظيم يُمدح ويعطى قدره، والذي لا يستحق لسنا مجبرون بمنافقته وإعطائه قدر أكبر من قدره، والأوليين قالوا:
(اللي تقصّه الخوصه ما يبا سچّين)
والخوصة هي الورقة التي في سعفة النّخلة، وجمعها خوص، ومعنى المثل إن الشيء الذي تقدر أن تقطعه بالخوصة لا يحتاج إلى سكين، لأنّه (ما يرزا) كما يقولون، وكلمة ما يرزا يعني لا يستحق، إذا كان هذا الشي بهذه الليونة التي تقدر تقصّه الخوصة، فالسّكين خسارة كبيرة فيه، وكذلك الأشخاص، لا يجوز أن ترفع قدر الذي هو أصلاً ليس بكفءٍ لهذا القدر، وربّك خلق النّاس وفرق بينهم، وجعلهم مقامات، وهذا ليس فيه تفرقه ولا تعالٍ لا سمح الله، لكن هذا هو النسيج الاجتماعي المتجانس، لكل شخصٍ قدره ومكانته.
أُناس أعطاهم الله حب المال والبخل، هؤلاء قدرهم ومكانهم معروف ولا يتجاوزونه مهما عملوا، وأُناسٌ غيرهم الله أعطاهم حب الخير للغير والكرم والجود، لكن سبحان الله، أحياناً هذا الكريم يتعرض لظروف تجعله يقصّر في مد يد العون والمساعدة أذا أتاه محتاج، فمن لا يعرفه سيقول هذا بخيل، والذي يعرفه ويبغضه أو يحقد عليه سيقول لم تهن عليه أمواله، غلب عليه حب الدنيا، لكن الذي يعرفه حق المعرفة سيقدّر وسيعذر وسيعرف بانّه ما ردّه الّا الشيء الكائد، والمثل قال:
(شايف العذج في أمّه)
ومعناه أن هذا الانسان مولود في بيت عز، ويعرف الخير من صغره، والكرم والجود متوارث عليه، وكما قلنا في البداية إن النخل يعتبر رأس مال بالنسبة لأهلنا الأوليين، فهذا الذي يقال عنه بخيل، عرف الخير وهو ما زال عذقًا لم يقطعه أحد، يعني قبل أن تروه أنتم أيها المبغضون الحاقدون، فلمّا كان هذا الرجل عنده الخير ويمد ويعطي بلا حساب كنتم تمتدحونه ولا تفارقونه وتتسابقون لكسب ودّه وعطاياه، ويوم أن دار عليه الزمان لم يكفكم انكم تتفرّقون من حوله، بل قمتم تتكلمون ضدّه وتتهمونه بالبخل، لكن قد قيل من قبل:
(رخص الفرض، وديّنوه)
وهذا المثل يقال في حال يكون الشخص عزيزًا ومقرّبًا إذا كان عنده خيرٌ وينفع الناس، لكن إذا قلَّ ماله فارقه أصحاب المصالح، فيقال: (رخص الفرض) والفرض نوع من أجود أنواع التمور، الأوليين قالوا فيه: (الفرض عمود الأرض، إن كلته هناك، وان بعته اغناك) لأن الفرض يستحمل مدة تخزين أطول وقشرته تبقى ثابته لا تتشقّق، وتمرة الفرض لو وقعت في التراب لا يلصق فيها، والتمرات أيضًا لا يتلاصقن مع بعضهن، لأنه ليس به دبس وسكّره أخف من باقي أنواع التمور، لكنّه إذا كثر ورخص باعوه بالدّين، أي بعد أن ما زهدوا فيه ديّنوه.
ومن الناس الشخص الذي نسمّيه في لهجتنا (هِيز)، فإذا قيل فلان هيز يعني كسول ولا يحب أن يخدم الناس أو ينفعهم، وإن طلبوا منه شيء قال: لا أقدر على فعله، يتعذّر بأي شيء فقط كي لا يطلب أحد منه خدمه أو مساعده، فالناس يقولون فلان لا تطلبوا منه عمل أي شيء، فهو إن طلبتموه سيقول لكم:
(الطويلة ما تنرقى، والقصيرة فيها شوچ)
والطويلة يقصدون بها النخلة العالية، وأهل البيئة الزراعيّة يسمّونها (عوّانه)، والقصيرة أيضًا هي النخلة الصغيرة المثمرة، ويسمّونها (بچسه)، وأصلها بَكسه، وهذا الشخص لما طلبوا منه يخرف الطويلة قال هذه طويلة لا أستطيع تسلّقها، قالوا له: فاذهب إلى هذه القصيرة، عذوقها في التراب وسهل الوصول إليها، قال: هذه فيها شوك، يعني تعذّر من كل شي، وكما قال أهلنا الأوليين، (لا ينفع ولا يسِر).
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز