جين غودال: سيرة عالمة، ناشطة، وأيقونة بيئية (1934–2025)

حياةٌ وانجازاتٌ وأثرٌ باقٍ

شبكة بيئة ابوظبي، الإمارات العربية المتحدة، 03 أكتوبر 2025
برحيل الدكتورة جين غودال في 1 أكتوبر 2025 عن عمر يناهز 91 عامًا، طوى العالم صفحة واحدة من أكثر السير إلهامًا في العلم والعمل البيئي. وقد أكد معهد جين غودال خبر وفاتها “لأسباب طبيعية” أثناء وجودها في كاليفورنيا ضمن جولةٍ لمحاضراتها، في بيانٍ رسمي نُشر يوم 1 أكتوبر. كما نعَتْها مؤسسات إعلامية وعلمية مرموقة حول العالم، وأشارت إلى دورها الرائد في تغيير نظرتنا لطبيعة القِرَدة العليا وعلاقتنا بالطبيعة.

النشأة والبدايات
وُلدت فاليري جين موريس غودال في لندن يوم 3 أبريل 1934. وفي صيف 1960 وصلت وهي في السادسة والعشرين إلى غومبي على ضفاف بحيرة تنجانيقا (تنزانيا حاليًا) لبدء دراسة الشمبانزي في موائلها الطبيعية، بدعمٍ من العالِم لويس ليكي. في عام 1961 قُبلت مرشّحة دكتوراه في جامعة كامبريدج من دون أن تحمل شهادة جامعية، ثم حصلت على الدكتوراه في علم السلوك الحيواني عام 1966

ثورة في فهم سلوك الشمبانزي
• سجّلت غودال اكتشافات غيّرت مسار علم الرئيسيات: رصدت عام 1960 الشمبانزي “ديفيد غريبيرد” وهو يصنع أدواتً من عيدانٍ لاستخراج النمل الأبيض، ودونت سلوك الافتراس وأكل اللحوم، وسمّت الأفراد بدل ترقيمهم على خلاف السائد آنذاك لتؤكد تميّز شخصياتهم وصلات القرابة لديهم.

من المختبر الميداني إلى المنبر العالمي
• أسست غودال معهد جين غودال (JGI) عام 1977 لحماية القِرَدة وبيئاتها، ثم أطلقت عام 1991 برنامج الجذور والبراعم (Roots & Shoots) لتمكين اليافعين حول العالم من المبادرة البيئية والمجتمعية. وفي 2002 اختيرت رسولة سلام للأمم المتحدة، وفي 2004 مُنحت لقب “ديم” في بريطانيا.

علمٌ مُلهِم وإعلامٌ مُؤثِّر
إلى جانب كتبٍ محورية مثل In the Shadow of Man وReason for Hope، واصلت غودال خطاب الأمل والعمل عبر فيلم IMAX الوثائقي “أسباب للأمل” (2023)، الذي يُبرز “أعمدة الأمل الأربعة”: ذكاء الإنسان، ومرونة الطبيعة، وقوة الشباب، والروح الإنسانية العصية على الانكسار.

إرثٌ مؤسسي ومجتمعي
امتد تأثير غودال من مختبر الحقل في غومبي إلى برامجٍ للتعليم، والحفظ القائم على المجتمع، وإلهام الأجيال الشابة. وقد رثتها منابر عالمية بينها ناشيونال جيوغرافيك والجارديان ووكالات أنباء مؤكدةً أن رسالتها عن الأمل والعمل ستظلّ الوقود المعنوي لحركة صون الطبيعة عالميًا، من أبرز المبادرات التي أنشأتها أو دعمتها:
معهد جين غودال (Jane Goodall Institute, JGI)
تأسس في عام 1977، وهو منظمة غير ربحية عامّة تعمل على حماية الرئيسيات وبيئاتها، ودعم المجتمعات المحلية، والتعليم البيئي، وتعزيز الوعي العام حول التواصل بين البشر والطبيعة.

Roots & Shoots أطلقتها في عام 1991، وهي شبكة عالمية للشباب من جميع الأعمار (من الروضة إلى الجامعات) تعمل على مشاريع بيئية، وإنسانية محلية، وتشجع الأفراد على المبادرة تجاه قضايا البيئة والمجتمع. هذه المبادرة تُعدّ إحدى أعمدة إرثها المؤثر في التأثير على الأجيال الصاعدة وتحفيز العمل المحلي حول العالم.

• التربية البيئية والارتباط بين الإنسان والطبيعة
كانت غودال تؤمن أن الحلول البيئية لا يمكن أن تُنفَّذ بمعزل عن الإنسان والمجتمعات، لذا كانت تدعم دمج البعد الاجتماعي والتنمية المستدامة في مشروعات البيئة، أي أن حماية البيئة يجب أن تراعي رفاه الإنسان المحلي.

• الخطاب العالمي والإلهام
حتى في سنواتها الأخيرة، كانت تنشط في الجولات العالمية لإلقاء المحاضرات، والمشاركة في الفعاليات الدولية، وتوسيع دائرة التأثير من خلال الكتب، والأفلام الوثائقية، والمقابلات الإعلامية.

مؤلفات وأعمال إعلامية بارزة
• كتبت غودال العديد من الكتب التي تناولت تجاربها الميدانية، رؤيتها البيئية، ونصائحها للأجيال القادمة.
• من بين الأفلام الوثائقية الحديثة: Jane Goodall: Reasons for Hope (2023) الذي ظهر فيه صوتها في حوار عن الأمل ومستقبل الأرض.
• كما شاركت في حلقات وثائقية لصالح ناشيونال جيوغرافيك (National Geographic) وغيرها من المؤسسات التي وثّقت مسيرتها وأفكارها.

مقتطفات مختارة (مترجمة) من كتبها وخطاباتها
1. “أخطرُ ما يتهدّد مستقبلَنا هو اللامبالاة.”… من مقالها قوة الفرد (تايم، 26 أغسطس 2002)
2. “لن نُساعِدَ إلا إذا اهتممنا، ولن نهتمَّ إلا إذا فهمنا.” …من قولٍ ذائع تداولته موارد ناشيونال جيوغرافيك التعليمية حول مسيرتها.
3. “ما تفعله يصنع فرقًا، وعليك أن تُحدِّد أيَّ فرقٍ تريد أن تصنع.” … معهد جين غودال، كندا.
4. “كلُّ فردٍ مهم؛ كلُّ فردٍ له دور؛ كلُّ فردٍ يُحدث فرقًا.” … من سيرتها الطويلة في موقع المعهد.
5. “الأمل الحقيقي ليس تمنيًا سلبيًا؛ إنه يتطلّب عملًا ومشاركة.” … من حوارات كتاب كتاب الأمل (2021).
6. “الطبيعة مدهشة في قدرتها على التعافي… ويمكن للأنواع المهددة أن تُمنَح فرصةً ثانية.” … مجموعة من الأقوالٍ المنشورة من قبل معهد جين غودال، كندا.
7. “وجدتُ في الشبان والشابات طاقةً لا تنضب عندما نمنحهم المعرفة والتمكين.” … من رسائلها وخطاباتها العامة التي تُوجِز “أسباب الأمل”.
8. “حلمي بدأ في الطفولة: أذهب إلى إفريقيا، أعيش مع الحيوانات، وأكتب عنها.” … حوار تلفزيوني حول كتاب الأمل (CBS، 2021)
9. رسالة الوداع الأخيرة للشباب: “ستُلهمكم صحبتُكم لبعضكم لتفعلوا أكثر… ابحثوا عن مجموعةٍ تؤمن بكم وبمشروعٍ مهم ثم شاهدوا الفرق الذي تصنعونه.” (من تسجيلها الأخير قبل وفاتها
10. عن فيلم “أسباب للأمل”: “رحلةٌ رافقتها قصص نجاح تُثبت أن الأمل فعلٌ مستمر.” (تعريف الفيلم وصفحته الرسمية).
11. عن إنجاز الأدوات في غومبي: “علينا إعادة تعريف الأداة والإنسان… أو قبول الشمبانزي بوصفه بشريًّا.” … تعليق لويس ليكي على اكتشافها عام 1960.

التحديات والانتقادات
لم تكن مسيرة جين غودال خالية من التحديات أو الانتقادات، ومن بينها:
• بعض العلماء في بداية مسيرتها شككوا في منهجها الميداني غير التقليدي (إعطاء أسماء للشمبانزي، التفاعل القريب معهم)، معتبرين أن ذلك قد يضر بالموضوعية.
• الاعتماد على التمويل الخارجي والدعم المؤسسي لمشاريع الحفظ كان دائمًا تحديًا، خصوصًا في بيئات يواجه فيها الباحثون والناشطون ضغوطًا اقتصادية وسياسية.
• في بعض الأوساط، وُجهت لها ملاحظة بأنها في بعض الحالات قد تكون “شخصية محورية” أكثر من كونها جزءًا من فريق، مما قد يضعها في مواجهة انتقادات حول القيادة المركزية للمشاريع.
• بعض النقاد في أفريقيا نبهوا إلى أهمية تمكين الباحثين المحليّين بدلاً من أن يكون الغرب هو المتحكم في مشروع الحفظ. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، ظل معهدها يُشجّع الشراكات مع الباحثين والمؤسسات الأفريقية.

الوفاة والوداع
• في الأول من شهر أكتوبر 2025، أعلن معهد جين غودال رحيلها بهدوء عن عمر 91 سنة، بسبب “أسباب طبيعية” أثناء وجودها في كاليفورنيا ضمن جولة محاضرات.
• جاء خبر وفاتها تزامنًا مع ردود فعل عالمية تُعبِّر عن الحزن والإكبار لدورها في تغيير إدراك البشرية تجاه الحيوانات والبيئة.
• شخصيات مثل باراك أوباما، الأمير ويليام، ناشطون بيئيون ومؤسسات عالمية نادت بإحياء إرثها والاستمرار في مسيرتها البيئية.

الإرث والأثر المستدام
إن إرث جين غودال لا يُقاس فقط بمنشوراتها أو بياناتها، بل في الطريقة التي ألهمت بها أجيالًا للتفكير والتصرف تجاه الطبيعة والكوكب ويمكن أن نوجزها على النحو التالي:

1. إعادة تشكيل فهم الإنسان للحيوان
من خلال دراساتها، أظهرت أن الشمبانزي ليسوا مخلوقات آلية بلا شعور، بل لهم شخصيات وعواطف وعلاقات معقدة تُشبه إلى حدّ كبير البشر. هذا التمكين المعرفي ساهم في تغيير النظرة إلى حقوق الحيوانات وضرورة احترامها.

2. تمكين الشباب والدعوة للعمل المحلي
من خلال Roots & Shoots، ألهمت ملايين الشباب في أكثر من 140 دولة للعمل من أجل البيئة والمجتمع.

3. دمج الإنسان مع الطبيعة في الحفظ البيئي
نهجها الربط بين رفاه الإنسان والمحافظة على البيئة ساعد في تبني نماذج إنتاج وحماية تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية.

4. الاستدامة المؤسسية
معهدها JGI مستمر في العمل في العديد من الدول، مع مشاريع حماية الغابات، إعادة تأهيل الرئيسيات، التعليم البيئي، وبناء القدرات المحلية.

5. إلهام النساء في العلوم
كونها كامرأة دخلت ميادين “ذكورية” في فترة كان يُهيمن عليها الرجال، كان لنجاحها وكفاحها أثر رمزي كبير في تشجيع المرأة على متابعة العلوم والبحث الميداني.

لماذا تبقى جين غودال حاضرةً بعد رحيلها؟
• لأن علمها مزج الدقة الميدانية بعينٍ إنسانيةٍ ترى شخصية كل كائنٍ حي.
• ولأنها حوّلت المعرفة إلى مؤسساتٍ وبرامج تُغيّر حياة الناس والطبيعة معًا (JGI، Roots & Shoots).
• ولأن خطابها الرسالي صاغ لغة الأمل كقوةٍ دافعة للعمل — من الصف إلى قاعة المحاضرة إلى صالات IMAX. لقد علّمتنا جين غودال أن طريق الإنقاذ يبدأ من الفرد، وأن الحوار بين العقل والقلب هو الذي يصنع التحوّل الحقيقي. تَغَيَّبت الجسدُ، لكن بقيت المدرسة: علمٌ مبدع، وأملٌ مُلهِم، وعملٌ لا يعرف التراجع.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

مشروع تسلسل الجينوم النباتي بهدف دعم حماية الأنواع المحلية

تنفذه هيئة البيئة – أبوظبي بالتعاون مع M42 ضمن برامج مركز المصادر الوراثية النباتية شبكة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *