قرار الأمم المتحدة (A/80/L.65) والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية
عماد سعد:
• والرسالة الجوهرية هي أن الدول لم تعد تملك هامشاً واسعاً لتقديم العمل المناخي كخيار سياسي طوعي فقط، بل كالتزام قانوني مرتبط بحقوق الإنسان واتفاق باريس.
• قراءة تحليلية في الأبعاد القانونية والسياسية والحقوقية للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن حماية النظام المناخي ومسؤولية الدول عن التقاعس المناخي
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية، 21 مايو 2026
شهد القانون الدولي خلال السنوات الأخيرة تحولاً متسارعاً في التعاطي مع قضية التغير المناخي، بعدما تجاوزت الأزمة حدود النقاشات البيئية التقليدية لتصبح إحدى أبرز القضايا المرتبطة بالأمن الإنساني والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان والاستقرار الاقتصادي العالمي. وفي هذا السياق، شكّل الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية حول التزامات الدول تجاه التغير المناخي، وما تبعه من اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة للقرار A/80/L.65، محطة تاريخية فارقة في مسار العدالة المناخية وتطور القانون الدولي البيئي.
فقد أعاد هذا الرأي الاستشاري التأكيد على أن حماية النظام المناخي لم تعد مجرد التزام سياسي أو أخلاقي طوعي، بل أصبحت واجباً قانونياً يرتبط بمسؤولية الدول تجاه المجتمع الدولي والأجيال القادمة، في ضوء ما تفرضه اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ واتفاق باريس والقواعد العرفية للقانون الدولي، إلى جانب الالتزامات المرتبطة بحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.
كما فتح القرار الأممي الباب أمام مرحلة جديدة من المساءلة الدولية، من خلال تعزيز مكانة التقاضي المناخي، وربط السياسات المناخية بمفاهيم العدالة والإنصاف وحقوق الشعوب المتضررة من آثار التغير المناخي، وخاصة الدول النامية والدول الأكثر هشاشة بيئياً واقتصادياً.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للدول العربية، في ظل ما تواجهه المنطقة من تحديات متزايدة مرتبطة بندرة المياه، والتصحر، وارتفاع درجات الحرارة، والأمن الغذائي، والتحول في قطاع الطاقة، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في السياسات التنموية والمناخية وتعزيز مفاهيم الاستدامة والاقتصاد الأخضر والحوكمة البيئية.
من هنا تأتيت أهمية تقديم قراءة تحليلية شاملة باللغة العربية لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة A/80/L.65 والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، من خلال استعراض خلفياته القانونية والسياسية، ومضامينه الأساسية، وانعكاساته المستقبلية على القانون الدولي والسياسات المناخية العالمية، إضافة إلى تحليل أبعاده بالنسبة للدول العربية ومسارات التنمية المستدامة والعمل المناخي خلال المرحلة المقبلة.
ما هو القرار A/80/L.65؟
هو مشروع قرار اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 مايو 2026 بشأن الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية حول التزامات الدول فيما يتعلق بالتغير المناخي. وقد حظي القرار بتأييد واسع، إذ صوّتت له 141 دولة، مقابل 8 دول ضد و28 امتناعاً، بحسب تقارير صحفية دولية.
القرار لا ينشئ التزامات قانونية جديدة بذاته، لأن قرارات الجمعية العامة غالباً غير ملزمة قانوناً، لكنه يمنح الرأي الاستشاري زخماً سياسياً وقانونياً كبيراً، ويدفع باتجاه تحويله إلى مرجعية في السياسات المناخية، والمفاوضات الدولية، والتقاضي المناخي، ومساءلة الدول عن التقاعس المناخي.

خلفية الرأي الاستشاري
بدأ المسار بقرار الجمعية العامة رقم 77/276 الصادر في 29 مارس 2023، الذي طلب من محكمة العدل الدولية إصدار رأي استشاري بشأن التزامات الدول في حماية النظام المناخي والبيئة من انبعاثات غازات الدفيئة، والنتائج القانونية المترتبة على الإخلال بهذه الالتزامات. وقد تسلمت المحكمة الطلب رسمياً في أبريل 2023. وفي 23 يوليو 2025، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري، مؤكدة أن تغير المناخ يمثل مشكلة وجودية ذات أبعاد كوكبية، وأن القانون الدولي يمكن أن يوجه العمل السياسي والاجتماعي لمعالجة الأزمة المناخية.
أهم ما قررته محكمة العدل الدولية
أكدت المحكمة بالإجماع أن اتفاقيات المناخ، وخاصة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وبروتوكول كيوتو، واتفاق باريس، تفرض التزامات قانونية على الدول الأطراف لحماية النظام المناخي والبيئة من انبعاثات غازات الدفيئة. كما أكدت أن الدول الأطراف في اتفاق باريس ملزمة بالتصرف بالعناية الواجبة، وإعداد مساهمات وطنية متتالية وتقدمية تسهم، مجتمعة، في تحقيق هدف الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة.
كما قررت المحكمة أن القانون الدولي العرفي يفرض على جميع الدول واجب منع الضرر البيئي الجسيم، وواجب التعاون بحسن نية وبصورة مستمرة لمنع الضرر عن النظام المناخي وأجزاء البيئة الأخرى. وهذا مهم لأنه يعني أن الالتزامات المناخية لا تنحصر فقط في الدول الأطراف في اتفاقيات المناخ، بل تمتد أيضاً من خلال قواعد القانون الدولي العرفي.
وأكدت المحكمة كذلك أن للدول التزامات بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، تتمثل في احترام وضمان التمتع الفعلي بحقوق الإنسان من خلال اتخاذ التدابير الضرورية لحماية النظام المناخي والبيئة.
المسؤولية القانونية عن التقاعس المناخي
من أهم ما ورد في الرأي الاستشاري أن إخلال الدولة بأي من الالتزامات المحددة قد يشكل فعلاً غير مشروع دولياً يترتب عليه قيام مسؤولية الدولة. وقد تشمل النتائج القانونية وقف الفعل غير المشروع، وتقديم ضمانات بعدم التكرار، وجبر الضرر كاملاً من خلال الرد أو التعويض أو الترضية، متى توفرت شروط المسؤولية الدولية، ومنها وجود رابطة سببية مباشرة ومؤكدة بين الفعل غير المشروع والضرر.
وذهبت المحكمة إلى أن عدم اتخاذ الدولة إجراءات مناسبة لحماية النظام المناخي، بما في ذلك ما يتصل بإنتاج الوقود الأحفوري، أو استهلاكه، أو منح تراخيص استكشافه، أو تقديم الدعم له، قد يشكل فعلاً غير مشروع دولياً إذا خالف الالتزامات التعاهدية أو العرفية ذات الصلة.
دلالة قرار A/80/L.65
أهمية القرار أنه ينقل الرأي الاستشاري من كونه وثيقة قضائية تفسيرية إلى أداة سياسية دولية للمتابعة. فهو يعزز شرعية استخدام الرأي في:
• تحديث المساهمات الوطنية المحددة NDCs.
• مراجعة سياسات الطاقة والوقود الأحفوري.
• تعزيز خطط التكيف والخسائر والأضرار.
• دعم مطالب الدول الجزرية والدول الهشة مناخياً.
• تقوية دعاوى التقاضي المناخي أمام المحاكم الوطنية والإقليمية والدولية.
• ربط العمل المناخي بحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.
المواقف الدولية
اعتمد القرار بأغلبية كبيرة، لكن بعض الدول عارضته، من بينها الولايات المتحدة والسعودية وروسيا وإيران وإسرائيل واليمن وليبيريا وبيلاروسيا، وفق ما أوردته رويترز. كما امتنعت دول منتجة أو مستهلكة كبرى للطاقة مثل الهند وقطر ونيجيريا وتركيا عن التصويت.
وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن القرار دعم العمل المناخي القوي، ودعا إلى مواءمة الخطط الوطنية مع هدف 1.5 درجة مئوية، والتعامل مع دعم الوقود الأحفوري والخسائر والأضرار، رغم تخفيف بعض الصياغات المتعلقة بإنشاء سجل دولي للأضرار لضمان دعم أوسع.
الأثر المتوقع على الدول العربية
بالنسبة للدول العربية، يفتح القرار والرأي الاستشاري مرحلة جديدة تتطلب مراجعة جدية للسياسات المناخية، خصوصاً في مجالات:
• تحديث المساهمات الوطنية وفق هدف 1.5 درجة مئوية.
• تطوير تشريعات وطنية للمناخ.
• إدماج التغير المناخي في التخطيط التنموي.
• حماية الفئات الهشة من آثار الجفاف والتصحر وندرة المياه.
• تعزيز الانتقال العادل في قطاع الطاقة.
• إعداد أنظمة وطنية لحصر الخسائر والأضرار.
• تطوير التمويل المناخي والمساءلة البيئية.
• ربط حقوق الإنسان بالحق في بيئة آمنة وصحية ومستدامة.
الخلاصة التحليلية
يمثل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وقرار الجمعية العامة A/80/L.65 نقطة تحول في القانون الدولي للمناخ؛ فالتغير المناخي لم يعد فقط قضية بيئية أو تفاوضية، بل أصبح مسألة قانونية تتصل بمسؤولية الدول، وحقوق الإنسان، والعدالة بين الأجيال، وواجب التعاون الدولي.
والرسالة الجوهرية هي أن الدول لم تعد تملك هامشاً واسعاً لتقديم العمل المناخي كخيار سياسي طوعي فقط، بل بات عليها أن تبرهن أن سياساتها وخططها وإجراءاتها تتوافق مع واجبات العناية الواجبة، ومنع الضرر الجسيم، والتعاون، وحماية حقوق الإنسان، وتحقيق أهداف اتفاق باريس.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز