شبكة بيئة ابوظبي، ملف من إعداد الخبير البيئي مصطفى بنرامل رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ من المملكة المغربية، والمهندس عماد سعد خبير الاستدامة والتغير المناخي من الامارات العربية المتحدة، 11 أغسطس 2025
في مفاوضات جنيف الحالية بشأن صياغة أول معاهدة دولية ملزمة لمكافحة التلوث البلاستيكي (الجولة الخامسة INC-5.2 من 5 إلى 14 أغسطس 2025)، حيث تتواصل المفاوضات الحاسمة لصياغة أول معاهدة عالمية لمكافحة التلوث البلاستيكي، وسط خلافات حادة بين الدول حول الحد من الإنتاج، وإدارة النفايات، وتمويل التحوّل نحو بدائل أكثر أمانًا. في هذه الحلقة، نقترب أكثر من أجواء هذه المفاوضات، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الضغوط البيئية، وتتصاعد المواقف بين معسكر يدعو إلى تقليص جذري للإنتاج وحظر المنتجات البلاستيكية أحادية الاستخدام، وآخر يفضّل التركيز على إعادة التدوير وتحسين التقنيات.
وفي قلب هذا الجدل، برزت الدول العربية والخليجية المنتجة للبترول في صف الدول الرافضة لوضع سقف عالمي للإنتاج، متمسكة بحقها في حماية صناعات البتروكيميائيات التي تعد من ركائز اقتصاداتها، ومؤكدة على الحلول التكنولوجية وإعادة التدوير كمسار رئيسي. في المقابل، تدفع دول من الاتحاد الأوروبي وإفريقيا وأمريكا اللاتينية باتجاه اتفاق طموح وملزم يفرض خفضًا تدريجيًا للإنتاج، معتبرة أن تقليل البلاستيك عند المصدر هو السبيل الأكثر فعالية لمواجهة الأزمة. وبين هذين المعسكرين، تدور مفاوضات معقدة قد تحدد شكل التزامات العالم لعقود قادمة. تبرز جهود الدول العربية من خلال عدة جوانب مهمة:
مصر – اجتماعات وطنية تحضيرية
عقدت غرفة الصناعات الكيماوية اجتماعًا في 14 يوليو 2025 مع الوفد المصري المشارِك في مفاوضات جنيف، حيث تم التأكيد على أهمية صناعة البوليمرات المصرية (بقيمة استثمارات تفوق 20 مليار دولار، ودعم قطاع يضم أكثر من 700 ألف عامل) وضرورة الدفاع عن هذه الصناعة، ورفض فرض قيود على الإنتاج، مع الدعوة إلى التركيز على توسيع التدوير وإدارة النفايات.
المشاركة الوزارية في المؤتمر التشاوري:
شاركت الدكتورة ياسمين فؤاد، وزيرة البيئة، في اجتماع وزاري تشاوري ضمن فعاليات مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات (3–يونيو–2025) بهدف التعبير عن الموقف المصري من البنود الخلافية في الاتفاقية، مثل المادة 3 الخاصة بالإجراءات الفنية، والمادة 6 المتعلقة بتقليل الإنتاج، مع التأكيد على أهمية آلية تمويل عادلة للدول النامية.
المغرب – الريادة في الحوار الدولي
ترأس المغرب في مايو 2023 لقاء حوارياً حول التلوث البلاستيكي في إطار منظّمة التجارة العالمية في جنيف. وقد شارك سفير المغرب الدائم، عمر زنيبر، في قيادة هذا الحوار إلى جانب الصين، ضمن مجتمع من 76 دولة تمثل 86% من التجارة العالمية. هذا يدلّ على التزام المغرب الدولي بالتصدّي للتلوث البلاستيكي وتحويل التجارة إلى جزء من الحل، وتعزيز الاقتصاد الدائري.
صوت المجتمع المدني الإقليمي
أكدت المنظمات المدنية الحاضرة في أروقة المؤتمر، أن المفاوضات الحالية تمثل فرصة تاريخية للدول العربية للعب دورٍ محوري في صياغة معاهدة قوية وعادلة. ودعت إلى:
1. تقليص الإنتاج العالمي للبلاستيك،
2. حظر المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد،
3. وضع أهداف طموحة لإعادة الاستخدام،
4. تأمين آليات تمويل داعمة للدول النامية لتحقيق انتقال بيئي عادل.
السياق العام والتحديات
المفاوضات تعرف انقسامًا واضحًا: أكثر من 100 دولة تدعم الحد من الإنتاج وحظر البلاستيك أحادي الاستخدام، بينما تقف دول منتجة للنفط مثل السعودية وروسيا وإيران إلى جانب الولايات المتحدة باتجاه التركيز على إعادة التدوير والإجراءات التطوعية.
هناك قلق متزايد من وجود أكثر من 200–234 من لوبيات الصناعة، لا سيّما قطاع النفط والبلاستيك، في قاعة التفاوض، حيث تفوق أعدادهم الكثير من الوفود الوطنية والعلمية، الأمر الذي يثير شكوكاً بشأن تأثيرهم على تشكيل مضمون الاتفاقية.
في مفاوضات جنيف لصياغة أول معاهدة دولية ملزمة لمكافحة التلوث البلاستيكي، مواقف دول الخليج والمنتجة للبترول، خاصة السعودية، الإمارات، وقطر، جاءت متقاربة ومتناغمة مع خط الدول الكبرى المنتجة للنفط مثل روسيا وإيران والولايات المتحدة. يمكن تلخيصها كالتالي:
الموقف العام
رفض وضع سقف عالمي لإنتاج البلاستيك:
دول الخليج ترى أن فرض قيود مباشرة على الإنتاج سيمسّ بصناعاتها البتروكيميائية التي تُعد من ركائز اقتصادها، خاصة وأن البلاستيك مشتق رئيسي من النفط والغاز.
التركيز على إعادة التدوير والتقنيات:
الموقف الرسمي يفضّل التركيز على تحسين إدارة النفايات وتطوير تكنولوجيا إعادة التدوير، بدلاً من تقليل الإنتاج نفسه.
الخطاب يرتكز على أن الابتكار يمكن أن يقلل من التلوث مع استمرار الاستفادة الاقتصادية من صناعة البلاستيك.
التشديد على “المرونة الوطنية”:
المطالبة بأن تكون أي التزامات في الاتفاقية طوعية وليست إلزامية، بحيث تحدد كل دولة أهدافها وفق قدراتها وظروفها الاقتصادية.
السعودية
• قادت مواقف تحالف المنتجين النفطيين في جنيف، مؤكدة أن الصناعة البتروكيميائية جزء أساسي من استراتيجيات التنويع الاقتصادي (مثل رؤية السعودية 2030).
• دعت إلى عدم تهميش البلاستيك كمادة صناعية أساسية في قطاعات مثل البناء، الزراعة، والرعاية الصحية.
• معارضة قوية لأي نص يلزم بخفض الإنتاج بنسبة مئوية محددة عالمياً.
الإمارات
طرحت خطابًا متوازناً بين تأييد جهود البيئة والاقتصاد الدائري، والحفاظ على تنافسية صناعة البتروكيماويات الوطنية.
حيث ركّزت على “الابتكار الأخضر” مثل البلاستيك القابل للتحلل، وتحفيز الاستثمار في حلول التدوير، بدل فرض حظر شامل.
يذكر أن دولة الإمارات من أوائل الدول العربية التي أصدرت قوانين وتشريعات لتنظيم إنتاج واستخدام المواد البلاستيكية بمختلف أنواعها، حيث نجد المادة رقم 18 من القانون الاتحادي رقم 24 لسنة 1999تفيد بحظر التخلص من جميع المواد البلاستيكية وتشمل الحبال الصناعية وشباك الصيد الصناعية والأكياس البلاستيكية في البيئة البحرية، والمرسوم الأميري في حكومة عجمان قد منع تصنيع الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلل اعتباراً من يوليو 2010 وغرامات تصل إلى 50 ألف درهم.
كما أطلقت وزارة البيئة والمياه في 20 أكتوبر 2009 مبادرة “الإمارات خالية من الأكياس البلاستيكية” عملاً بالقرار الوزاري رقم (77 / 5) لعام 2009 بشأن تأسيس برنامج لخفض استخدام الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلل. وخصصت الوزارة 3 سنوات متتالية لحملة الإمارات خالية من الأكياس البلاستيكية (2009 – 2012)، كما نجد قرار وزاري 2011 خاص بإلزام إنتاج أكياس بلاستيكية قابلة للتحلل في دولة الإمارات العربية المتحدة 2011، وقرار وزاري 2010 خاص بمنع الطباعة على الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلل.
وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن ان نرى جدوى التشريعات والقوانين الناظمة لاستخدام المواد البلاستيكية في إمارة ابوظبي على وجه الخصوص، فمنذ دخول حظر الأكياس البلاستيكية المستخدمة لمرة واحدة حيز التنفيذ، في الأول من يونيو 2022، ضمن سياسة المواد البلاستيكية المستخدمة لمرة واحدة في إمارة أبوظبي، أعلنت هيئة البيئة – أبوظبي عن تجنب 364 مليون كيس بلاستيكي يستخدم لمرة واحدة، والتي تعادل 2,400 طن من البلاستيك، أو 547,000 طن من غازات الدفيئة، وهو ما يعادل أيضاً الانبعاثات الناتجة عن 130,000 سيارة ركاب تعمل بالبنزين لمدة عام.
وفي إطار شراكتها الاستراتيجية مع مبادرة “دبي تبادر”، أعلنت بلدية دبي عن نجاحها في الحدّ من استهلاك ما يزيد عن 4 ملايين قارورة بلاستيكية، وذلك بعد تركيب 10 محطات لتعبئة مياه الشرب النقية في مختلف أنحاء الإمارة، بما فيها الحدائق والشواطئ العامة والأسواق. ويؤكد هذا الإنجاز المهم على التزام البلدية الراسخ بتعزيز الاستدامة، وتحقيق رؤيتها بجعل دبي نموذجًا رائدًا لأنماط الحياة الحضرية الصديقة للبيئة. وتتماشى هذه الجهود مع أهداف إمارة دبي الأشمل بتطبيق أفضل الممارسات المستدامة، والحفاظ على جمالها وتألقها لأجيال المستقبل.
قطر
دعمت موقف “تحالف المنتجين” برفض أي بنود قد تقيد صادرات البلاستيك أو المواد الأولية (مثل الإيثيلين والبوليمرات).
شددت على أهمية تمويل الابتكار في الدول النامية المنتجة للبترول، حتى تكون قادرة على تطوير تكنولوجيا معالجة النفايات.
التحديات التي تواجه مواقف الدول المنتجة للنفط
هذه المواقف تعرّضت لانتقادات من منظمات بيئية ودول داعمة لتخفيض الإنتاج، التي ترى أن التركيز فقط على إعادة التدوير “لن يحل الأزمة” لأن معظم البلاستيك غير قابل لإعادة التدوير بشكل فعّال. فوجود أكثر من 200 ممثل عن لوبيات النفط والبلاستيك في قاعة التفاوض جعل الدول المنتجة للنفط متهمة بالاصطفاف مع مصالح الصناعة على حساب البيئة.
هذا الانقسام العميق بين أولويات الاقتصاد وأهداف حماية البيئة يلقي بظلاله على أجواء التفاوض، ويجعل التوصل إلى صيغة توافقية أمرًا بالغ التعقيد. فالدول الداعية لتقليص الإنتاج ترى أن أي اتفاق لا يتضمن التزامات ملزمة سيبقى بلا أثر حقيقي، في حين تحذر الدول المنتجة للبترول من أن قيودًا صارمة قد تهدد الوظائف، وتُضعف القدرة التنافسية لصناعاتها، وتؤثر على أسواق الطاقة العالمية. ومع وجود أكثر من مئتي ممثل عن لوبيات النفط والبلاستيك داخل قاعات جنيف، تتزايد المخاوف من أن تكون صيغة الاتفاق النهائية أقرب إلى الحد الأدنى من الطموح، إلا إذا تمكن التحالف المؤيد للخفض من حشد دعم سياسي قوي يكسر حالة الجمود ويقود نحو معاهدة تحمي البيئة دون الإضرار الفادح بالاقتصادات الوطنية.
وبينما يترقب العالم نتائج مفاوضات جنيف، تبدو المنطقة العربية أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تكون شريكًا فاعلًا في صياغة قواعد جديدة تحمي المحيطات والأنهار والمجتمعات من طوفان البلاستيك، أو أن تكتفي بدور المتلقي لقرارات قد تعيد تشكيل أسواقها وصناعاتها لعقود. المعاهدة المرتقبة ليست مجرد وثيقة بيئية، بل هي اتفاق اقتصادي واستراتيجي سيحدد مسار التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة أو استمرار الارتهان لاقتصاد يعتمد على موارد ناضبة. في النهاية، سيقاس نجاح هذه المفاوضات ليس بعدد الصفحات الموقعة، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس يوقف نزيف التلوث ويضمن حق الأجيال القادمة في بيئة آمنة وصحية.
خلاصة مفصلة حول نتائج مفاوضات جنيف (INC-5.2) حتى اليوم، مع تسليط الضوء على أبرز التطورات والتحديات الراهنة:
1. الإطار العام والمهمة
• انعقدت الجولة الثانية من الجلسة الخامسة لـ INC (INC-5.2) في جنيف من 5 إلى 14 أغسطس 2025، بعد توقف مفاوضات الجولة السابقة في بوسان بسبب خلافات عميقة. الهدف كان المضي قدمًا في اعتماد نص ملزم لمعاهدة شاملة تغطي دورة حياة البلاستيك بالكامل، من التصميم حتى التخلص.
2. استمرار الانقسام العميق حول الإنتاج
• أكثر من 100 دولة تدعم فرض سقف إلزامي لإنتاج البلاستيك وحظر المواد الكيميائية الضارة، فيما ترفض دول منتجة للنفط (مثل السعودية، روسيا، إيران) ذلك، وتقترح التركيز على إعادة التدوير وإدارة النفايات.
a. زيادة تأثير لوبيات الصناعة
• تبلغ أعداد اللوبيين من قطاعي النفط والبتروكيماويات 234، مما يثير مخاوف من هيمنة مصالحهم على صياغة المعاهدة، خصوصًا وأن عددهم يفوق ظهيرة عدد وفود الدول والمجتمع المدني.
• مصادر تحذر من “الاستحواذ المؤسسي” و”الالتفاف الصناعي” على عملية التفاوض، مما يُضعف المصداقية ويعوّق التقدم.
b. احتمالات الاتفاق والخيارات المطروحة
• حتى الآن لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، بما في ذلك التعجيل بالمُصادقة على نسخة اتفاقية مكتملة.
• وفي حال فشل المفاوضات، هناك احتمال أن تتجه بعض الدول إلى التفاوض خارج إطار الأمم المتحدة أو إلى أسلوب تصويت بديل.
c. مشاركة المجتمع المدني والمبادرات النقابية
• منظمات بيئية مثل WWF وHigh Ambition Coalition تدفع باتجاه اعتماد اتفاق طموح وقوي، يحتوي بنودًا ملزمة لتقليل إنتاج البلاستيك وحظر المواد الخطرة، مع سياسات تمويلية للدول النامية.
ملخص الوضع حتى اليوم
• النتيجة حتى الآن: لا اتفاق بعد. الخلافات الجوهرية مستمرة بين معسكر الإنتاج مقابل معسكر البيئة/الصحة.
• العقبات الأساسية: تأثير قوي للقطاع الصناعي، وعدم وجود توافق على النهج المطلوب.
• السيناريو المتوقع: استمرار النقاشات أو تحرك بعض الدول نحو اتفاقات جزئية أو تصويت بالإجماع في حالة أزمات عدم التوافق.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز