شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 10 يوليو 2025
قبل أن أكون عالماً يعرف أسرار الخلية الحية بتفاصيلها وأسرار ها التي تحملها عبر الأجيال وعبر الزمن، وقبل أن أـعلم قراءة خرائط الجينوم في هدوء المختبر، كنت في البداية طفلاً صغيرًا يقرأ سماء الحرب في أفق مدينتي الغالية. كانت بورسعيد، مسقط رأسي، مسرحاً لذاكرتي الأولى، ذاكرة لم تُكتب بحبر الطفولة الهادئ، بل بنار اكتوي بها شعبها عام 1967. وصحيح أن الزمن، كعادته، يغتال الكثير من التفاصيل، ويطمر تحت ركامه وجوهاً وأسماء. لكنه يعجز عن اغتيال الصدى. فلا يزال هناك، في أعمق كهوف روحي، صدى ذلك الصفير الحاد الذي يمزق سكون الليل، وهدير الطائرات الذي كان يحني ظهورنا غريزياً حتى ونحن داخل البيوت. لا أزال أشعر بذلك الاهتزاز الخفي الذي يسري في الأرض قبل أن ينفجر الصوت، وبذلك الرعب النقي الذي يتملك طفلاً يرى جدران بيته – كل عالمه – تتهاوى لتصبح مجرد شاهد على ما كان.
النسيان لم يقوَ على محو صورة الدبابات وأشباح الجنود الرابضين عند عتبة منزل جدي، تلك العتبة التي كانت آخر حدود الأمان قبل أن نُقتلع من أرضنا ونُلقى في أتون الهجرة. ثم أتت حرب 1973، لتصبغ الذاكرة بلون آخر من ألوان الفقد؛ بحزن الأهل الصامت، وقسوة الحياة التي تجبر الجميع على المضي قدماً بقلوب مثقلة.
اليوم، كعالم، أدرك أن تلك الأصوات لم تهز جدران بيتنا فحسب، بل ربما هزت شيئاً في تراكيبنا الخلوية. أدرك أن ذلك الخوف لم يكن مجرد شعور عابر، بل كان ضيفاً كيميائياً ثقيلاً حلّ على أجسادنا النامية. ورغم أن ندوب طفولتي تلك تبدو باهتة وشبه ضئيلة أمام الجحيم المفتوح الذي يعيشه أطفال حروب اليوم، إلا أنها منحتني البصيرة لأرى ما وراء الدموع والأنقاض. لقد دفعتني للبحث عن الجرح الخفي، الجرح الذي لا يُرى بالعين المجردة، بل بمجاهر المختبرات، الجرح الذي تحفره الحرب ليس في ذاكرة العقل فحسب، بل في شفرة الحياة ذاتها.
وفي مختبري، وبين أروقة الجامعات العالمية، اعتدنا على دراسة الحياة من خلال عدسة المجهر، متتبعين التفاعلات الدقيقة التي تشكل كياننا. لكن في السنوات الأخيرة، وجدتُ نفسي مجبر على توجيه هذه العدسة نحو أكثر مسارح الحياة قسوةً ودموية: مناطق النزاع المسلح. إن ما نشهده اليوم، من المشاهد المروعة في غزة، حيث يُسحق الأطفال تحت الأنقاض ويعانون ويلات الجوع، إلى المأساة الممتدة في أوكرانيا، حيث تقتلع الحرب طفولتهم وتشتتهم في أصقاع الأرض، ليس مجرد أزمة إنسانية ذات أبعاد سياسية واجتماعية. إنها، من منظور علمي بحت، عملية بيولوجية واسعة النطاق تُجرى على الهواء مباشرةً، عملية يتم فيها تغيير الحمض النووي لأجيال قادمة. إنها ليست مجرد صدمة نفسية، بل هي بصمة جزيئية، جرح خفي يُحفر في صميم شفرة الحياة، مهدداً بخلق أزمة صحية عالمية متعددة الأجيال.
وفي خضم الدمار المادي والمعاناة الإنسانية التي تخلفها الحروب، من غزة إلى أوكرانيا وما قبلها في سوريا، هناك عدو آخر، صامت وغير مرئي، يشن هجوماً على أضعف ضحايا هذه النزاعات: أطفالنا. هذا العدو لا يستهدف أجسادهم بالرصاص أو الشظايا فحسب، بل يتسلل إلى أعمق مكوناتهم البيولوجية، ليترك بصمات دائمة على حمضهم النووي (DNA)، ويغير مسار نموهم وصحتهم المستقبلية. إنها حقيقة علمية مروعة، أكدتها دراسات حديثة، وتدق ناقوس الخطر حول التكلفة الحقيقية للحروب التي تتجاوز بكثير ما نراه على شاشات التلفاز. هذا المقال ليس مجرد تحليل علمي، بل هو رحلة لفهم ذلك الصدى الذي بدأ في طفولتي، ويكبر اليوم ليصبح صرخة جيل كامل.
ثورة في فهم الصدمة – ما وراء الدموع والقلق
لعقود طويلة، اقتصر فهمنا لأثر الحرب على الأطفال على ما يمكننا رؤيته وقياسه بسهولة: أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، ومعدلات القلق والاكتئاب، والاضطرابات السلوكية. كانت هذه المؤشرات، على أهميتها، بمثابة الظل الذي يخفي وراءه جسماً هائلاً من التغيرات البيولوجية. كنا نعالج الأعراض، بينما يتغلغل المرض في جذور الخلية.
جاءت نقطة التحول مع بزوغ فجر علم الوراثة اللاجينية (Epigenetics)، وهو العلم الذي غيّر فهمنا للوراثة بشكل جذري. ببساطة، إذا كان الحمض النووي (DNA) هو “كتاب الحياة” الذي يحتوي على جميع التعليمات لبناء وتشغيل أجسادنا، فإن علم الوراثة اللاجينية هو “مجموعة أقلام التظليل والملاحظات الهامشية” التي تكتبها البيئة والتجارب على صفحات هذا الكتاب. هذه العلامات الكيميائية لا تغير نص الكتاب نفسه (تسلسل الجينات)، لكنها تحدد أي الفصول (الجينات) سيتم قراءتها بصوت عالٍ، وأيها سيتم تجاهلها أو الهمس بها. إنها طبقة ديناميكية من التحكم الجيني، بمثابة “البرنامج” الذي يشغل “الجهاز”.
نافذة على العاصفة البيولوجية
كانت الدراسة الرائدة التي أجريت على أكثر من 1500 طفل لاجئ سوري في لبنان، والمعروفة بمشروع “BIOPATH”، بمثابة الصدمة الكهربائية التي أيقظت المجتمع العلمي على هذه الحقيقة. لم تكتفِ الدراسة بتوثيق المستويات المرتفعة من الاضطرابات النفسية، بل غاصت أعمق من ذلك، عبر تحليل عينات من اللعاب، لدراسة الآلية اللاجينية المعروفة باسم “مثيلة الحمض النووي” (DNAm).
مثيلة الحمض النووي هي إضافة مجموعة كيميائية صغيرة (مجموعة الميثيل) إلى جزء معين من الجين. تعمل هذه الإضافة كمفتاح تعتيم (Dimmer Switch)؛ يمكنها خفض “صوت” الجين أو إيقافه تمامًا. ما وجده الباحثون كان مذهلاً:
1. بصمة بيولوجية فريدة للحرب: أظهر الأطفال الذين تعرضوا لأحداث عنف مرتبطة بالحرب تغييرات مميزة في أنماط المثيلة في مواقع متعددة عبر الجينوم. الأهم من ذلك، أن هذه البصمة كانت مختلفة عن تلك التي تسببها أنواع أخرى من الصدمات (مثل الإهمال الأسري أو الفقر المدقع)، مما يشير إلى أن الرعب الوجودي للحرب له توقيعه الكيميائي الخاص على جيناتنا.
2. استهداف جينات حيوية: تركزت هذه التغييرات اللاجينية بشكل خاص في الجينات التي تنظم وظائف بالغة الأهمية، مثل:
o النقل العصبي: العمليات التي تسمح لخلايا الدماغ بالتواصل. العبث بهذه الجينات يمكن أن يفسر الأساس البيولوجي لزيادة خطر الإصابة بالقلق والاكتئاب وصعوبات التعلم.
o الاستجابة للتوتر (محور HPA): النظام الهرموني الرئيسي الذي ينظم استجابتنا للضغط النفسي. تؤدي التغييرات هنا إلى حالة من “التأهب المفرط” الدائم، مما ينهك الجسم ويزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والاضطرابات المناعية في وقت لاحق من الحياة.
3. مفارقة “الشيخوخة الجينية البطيئة”: ربما كان الاكتشاف الأكثر إثارة للحيرة هو أن صدمة الحرب ارتبطت بتباطؤ “الساعة اللاجينية”، وهو مقياس للشيخوخة البيولوجية. للوهلة الأولى، قد يبدو هذا جيداً، ولكنه في الواقع مؤشر خطير. يفسره العلماء على أنه علامة على “التوقف النمائي”. فالجسم، في مواجهة خطر وجودي، قد يحول موارده بعيدًا عن عمليات النمو والتطور الطبيعية ويوجهها نحو البقاء على قيد الحياة. إنه أشبه بوضع النمو في “حالة تجمد”، مما قد يؤدي إلى تأخر البلوغ، وضعف النمو المعرفي، واضطرابات في مسار التطور الطبيعي للطفل.
المختبر المفتوح
المبادئ العلمية التي كُشفت في دراسة الأطفال السوريين ليست حكراً عليهم؛ إنها قوانين بيولوجية تنطبق على كل طفل يواجه أهوال الحرب. واليوم، نرى هذه القوانين تتجلى بأبشع صورها في غزة وأوكرانيا.
غزة: عاصفة سامة من الإجهاد البيولوجي
الوضع في غزة يتجاوز كونه مأساة إنسانية ليصبح حالة دراسية قصوى في “البيولوجيا المرضية للتوتر”. يتعرض أطفال غزة لـ “كوكتيل سام” من الضغوطات التي يعرف العلم أنها تترك ندوباً لاجينية عميقة:
• الإرهاب الصوتي والحسي: كشفت أبحاث حديثة في علم الأعصاب أن الضوضاء المفاجئة والعالية للقصف والانفجارات تسبب تنشيطًا مفرطًا ومستمرًا لـ “اللوزة الدماغية” (Amygdala)، مركز الخوف في الدماغ. هذا التنشيط المزمن لا يسبب القلق فحسب، بل يغير فعليًا بنية الدماغ ويؤدي إلى تغييرات لاجينية في جينات الاستجابة للتوتر.
• المجاعة كسلاح بيولوجي: إن التجويع المتعمد الذي يعاني منه أطفال غزة هو عامل لاجيني قوي للغاية. أظهرت دراسات تاريخية على أحفاد الناجين من المجاعة الهولندية في الحرب العالمية الثانية (Dutch Hunger Winter) أن سوء التغذية الحاد، خاصة في مراحل النمو المبكرة، يترك بصمات مثيلة على جينات مرتبطة بالتمثيل الغذائي، مما يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالسمنة والسكري وأمراض القلب في حياتهم البالغة، وهي تأثيرات يمكن أن تنتقل عبر الأجيال.
• الانهيار البيئي والصحي: تدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي يعني انتشار الأمراض المعدية مثل الكوليرا والتهاب الكبد. الاستجابة المناعية الشديدة لهذه الأمراض تترك هي الأخرى بصمتها اللاجينية. علاوة على ذلك، فإن الغبار السام المنبعث من الأبنية المدمرة، والذي قد يحتوي على الأسبستوس والمعادن الثقيلة، وبقايا الذخائر (بما في ذلك تقارير عن استخدام الفسفور الأبيض) تشكل تهديدًا سميًا مباشرًا يضاف إلى العبء البيولوجي.
• فقدان الروابط الآمنة: العلم يؤكد أن العلاقة المستقرة مع مقدم الرعاية (الأم أو الأب) هي أقوى عامل وقائي ضد آثار التوتر السام. في غزة، حيث يُقتل الآباء والأمهات، وتُشتت العائلات، ويصبح كل شخص بالغ هو نفسه ضحية للصدمة، يُحرم الأطفال من هذا “الدرع البيولوجي” الأساسي، مما يتركهم عراة تمامًا في وجه العاصفة.
أوكرانيا: صدمة النزوح والتفكك
في أوكرانيا، تتخذ المأساة شكلاً مختلفاً، ولكنه ليس أقل ضرراً من الناحية البيولوجية. بالنسبة لملايين الأطفال الأوكرانيين، فإن الصدمة الرئيسية هي النزوح القسري والتفكك الأسري.
• سمّية عدم اليقين: إن الانتقال من بيئة مألوفة إلى أخرى غريبة، والعيش كلاجئ، وفقدان الشبكات الاجتماعية، والانفصال عن الآباء (خاصة الآباء الذين بقوا للقتال)، يخلق حالة من التوتر المزمن المنخفض الحدة ولكنه دائم. هذا النوع من التوتر، الذي يفتقر إلى اليقين والمستقبل الواضح، يمكن أن يكون أكثر ضرراً على المدى الطويل من الصدمات الحادة، حيث يبقي محور التوتر في الجسم في حالة تنشيط مستمر.
• فقدان الهوية واللغة: بالنسبة للأطفال اللاجئين في بلدان جديدة، يمثل الصراع من أجل تعلم لغة جديدة والتكيف مع ثقافة مختلفة ضغطًا إضافيًا كبيرًا على الدماغ النامي، مما قد يؤثر على التطور المعرفي والصحة العقلية.
• الدمار البيئي طويل الأمد: الهجمات على المنشآت الصناعية ومحطات الطاقة في أوكرانيا أدت إلى إطلاق سحابة من الملوثات في الهواء والماء والتربة. هذه “السموم البيئية للحرب” لها تأثير مباشر على الصحة، ولكنها أيضًا تعمل كعوامل لاجينية، تغير التعبير الجيني بطرق قد لا تظهر آثارها إلا بعد سنوات أو حتى عقود.
من الجيل الحالي إلى الأجيال القادمة
إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في معاناة هذا الجيل من الأطفال، بل في احتمال أن تصبح هذه الجروح البيولوجية جزءاً من إرثهم العائلي. يُظهر علم الوراثة اللاجينية أن بعض هذه العلامات الكيميائية يمكن أن تنجو من عملية “إعادة البرمجة” التي تحدث أثناء تكوين الحيوانات المنوية والبويضات، وبالتالي يمكن نقلها إلى الجيل التالي.
هذه الظاهرة، المعروفة بـ “التوريث اللاجيني العابر للأجيال” (Transgenerational Epigenetic Inheritance)، لم تعد مجرد نظرية. فقد لوحظت في دراسات على أحفاد الناجين من المحرقة، الذين أظهروا أنماطًا غير طبيعية في جينات تنظيم التوتر، مشابهة لتلك الموجودة لدى أجدادهم، على الرغم من أنهم لم يتعرضوا للصدمة بأنفسهم.
هذا يعني أن أطفال غزة وأوكرانيا اليوم، قد ينقلون عن غير قصد قابلية بيولوجية متزايدة للقلق والاكتئاب واضطرابات التمثيل الغذائي إلى أطفالهم في المستقبل. الحرب، إذن، لا تقتل فقط في الحاضر؛ إنها تزرع بذور المرض والمعاناة في أجيال لم تولد بعد.
الدماغ تحت الحصار
على مستوى الفرد، تترجم هذه التغييرات اللاجينية إلى تغييرات ملموسة في بنية ووظيفة الدماغ. يؤدي التعرض المستمر للتوتر السام إلى:
• تضخم اللوزة الدماغية (Amygdala): يصبح الدماغ في حالة تأهب دائم للخطر، مما يؤدي إلى فرط اليقظة والقلق ونوبات الغضب.
• انكماش الحُصين (Hippocampus): هذه المنطقة ضرورية للتعلم وتكوين الذكريات وتنظيم العواطف. انكماشها يؤدي إلى صعوبات في التعلم، وضعف في الذاكرة، وعدم القدرة على وضع التجارب المؤلمة في سياقها الصحيح.
• ضعف قشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex): “الرئيس التنفيذي” للدماغ، المسؤول عن اتخاذ القرارات والتحكم في الانفعالات والتخطيط للمستقبل. ضعف هذه المنطقة يجعل الأطفال أكثر اندفاعًا وأقل قدرة على تنظيم سلوكهم.
هذه “البنية الدماغية للصدمة” تخلق حلقة مفرغة: فهي تجعل من الصعب على الأطفال التعافي من الصدمة، وتزيد من احتمالية تعرضهم لمشاكل في المدرسة، وفي علاقاتهم، وفي نهاية المطاف، في قدرتهم على أن يصبحوا بالغين وأولياء أمور فاعلين. إننا نخاطر بخلق مجتمعات بأكملها تعاني من عواقب هذا الضرر العصبي، مما يغذي دوامات العنف والفقر وعدم الاستقرار لعقود.
نداء للعقل والعلم – نحو استجابة بيولوجية للأزمة
إن هذه الحقائق العلمية الدامغة تفرض علينا واجبًا أخلاقيًا وعمليًا لتغيير طريقة استجابتنا للكوارث الإنسانية. لم يعد نموذج المساعدات التقليدي القائم على “الطعام والخيام والبطانيات” كافياً. إنه ضروري للبقاء على قيد الحياة، لكنه لا يعالج الجروح الخفية التي تدمر المستقبل. نحن بحاجة إلى ثورة في العمل الإنساني، استجابة مستنيرة بيولوجيًا:
1. “الإسعافات الأولية البيولوجية” الفورية: يجب أن تكون التدخلات التي تهدف إلى تهدئة نظام الاستجابة للتوتر جزءًا لا يتجزأ من الاستجابة الطارئة. هذا يشمل:
o إنشاء “مساحات آمنة” حقيقية: ليست مجرد أماكن للعب، بل بيئات منظمة ويمكن التنبؤ بها، توفر إحساسًا بالروتين والأمان لتهدئة اللوزة الدماغية المفرطة النشاط.
o الدعم الغذائي المستهدف: يجب أن تتجاوز المساعدات مجرد السعرات الحرارية. هناك حاجة ماسة للمغذيات الدقيقة (مثل حمض الفوليك وفيتامينات ب) التي تلعب دورًا مباشرًا في عمليات المثيلة الصحية ويمكن أن تساعد في مواجهة بعض الآثار الضارة لسوء التغذية.
o التدخلات القائمة على الجسد: تقنيات مثل تمارين التنفس العميق واليقظة الذهنية البسيطة، والتي ثبت علميًا أنها تساعد على تنظيم محور التوتر، يجب تعليمها للأطفال ومقدمي الرعاية لهم.
2. تعزيز “الدرع الواقي” البيولوجي: أقوى عامل وقائي هو وجود علاقة قوية ومستقرة مع مقدم رعاية بالغ. يجب أن تركز الجهود بشكل كبير على:
o دعم مقدمي الرعاية: يجب توفير الدعم النفسي للآباء والأمهات والمعلمين لمساعدتهم على التعامل مع صدماتهم حتى يتمكنوا من توفير بيئة هادئة وداعمة لأطفالهم.
o برامج الترابط بين الوالدين والطفل: يجب تنفيذ برامج مثبتة علميًا تعزز التفاعل الإيجابي بين الآباء والأطفال، لأن هذا التفاعل المباشر هو الذي يساعد على “إعادة ضبط” الأنظمة البيولوجية للطفل.
3. الاستثمار في البحث والمراقبة طويلة الأمد: يجب علينا أن نبدأ الآن في إجراء دراسات طولية على أطفال غزة وأوكرانيا. إن تتبع صحتهم الجسدية والنفسية وتطورهم اللاجيني على مدى عقود ليس ترفًا أكاديميًا، بل هو ضرورة لفهم المسار الكامل لهذه الأزمة وتطوير علاجات فعالة للأجيال القادمة.
4. المساءلة القائمة على العلم: يجب استخدام هذه الأدلة العلمية في المحافل الدولية. يجب أن يُفهم “التدمير اللاجيني” لجيل كامل على أنه سلاح حرب ذو تأثير طويل الأمد، ويجب أن يُحاسب مرتكبوه ليس فقط على تدمير الحجر، بل على إلحاق الضرر المتعمد بالشفرة البيولوجية للإنسان.
سباق مع الزمن لشفاء المستقبل
إن الرسالة التي تصرخ بها البيانات من مختبراتنا واضحة وقاطعة: الحرب هي أزمة صحية عامة ذات أبعاد بيولوجية عميقة. الجروح التي تُلحقها بأطفالنا اليوم لا تندمل مع وقف إطلاق النار أو توقيع معاهدات السلام. إنها جروح تُنسج في نسيج حياتهم البيولوجي، وتهدد بإلقاء ظل طويل على مستقبلهم ومستقبل أطفالهم.
لكن العلم، بقدر ما يكشف عن حجم المأساة، يمنحنا أيضًا بصيص أمل. العلامات اللاجينية، على عكس الطفرات الجينية، ليست بالضرورة دائمة. إنها قابلة للتغيير. من خلال التدخلات الصحيحة – بيئة آمنة، تغذية جيدة، علاقات داعمة، وعلاجات مستهدفة – يمكننا مساعدة أجساد الأطفال على “إعادة كتابة” بعض هذه الملاحظات السامة على كتاب حياتهم.
إنها دعوة للعمل موجهة إلى كل واحد منا: العلماء، والأطباء، والعاملون في المجال الإنساني، وصناع السياسات، والمواطنون. يجب أن نصغي إلى الصرخة الصامتة للخلايا، وأن ندرك أن حماية أطفالنا من ويلات الحرب ليست مجرد واجب أخلاقي، بل هي استثمار مباشر في السلامة البيولوجية والجينية لمستقبل البشرية جمعاء. لقد حان الوقت للانتقال من مجرد إحصاء الضحايا إلى شفاء الجروح، المرئية منها والخفية.
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز