البيئة البدوية
شبكة بيئة أبوظبي، إعداد عتيق القبيسي، باحث في التراث والموروث الشعبي بالإمارات، 01 أغسطس 2025
لكل بيئة من بيئات دولة الإمارات العربية المتحدة، شيء من الخصوصيّة تميزها عن غيرها من البيئات، كالمهن والحِرَف وأسلوب المعيشة واللهجة، وكذلك الأمثال التي تتناسب مع بيئتهم، ومن أهم البيئات هي البيئة البدويّة، وهي بيئة غنيّه بالأدب عموماّ، سواءً كان شعرًا أو حكاية أو حكمًا وأمثالًا، فالبداوة هي الفصاحة في اللسان، وهي الصبر والجلد وتحمّل مشقّات التنقّل من مكان إلى مكان في طلب المرعى الخصب الذي يمدهم بالغذاء والماء لهم ولحلالهم ان كان إبلًا أو أغنامًا، طبعاً هذا كان في الماضي، لكن اليوم الحمد لله البدوي استقر، وما عاد يحتاج للبحث عن الما والكلأ، لأن كل شي بفضل الله ثم فضل شيوخنا الكرام اصبح متاحًا ومتوفّرًا وقريبًا، ومن أمثالهم المشهورة، المثل الذي يقول:
(إن طار طيرك، قل سبيل)
يقال هذا المثل إذا الواحد منهم فاتته الفرصة دون أن يستغلها، يقولوا له: لا تندم ولا تفكّر، واحتسبها عند الله.
من باب العزاء والمواساة والتصبير، لأن الذي راح لا يعود، مهما زعلت وندمت وتضايقت، ويقولوا له، اعتبرها مثل طيرٍ كان في يديك وأعتقته وطيّرته، وخاطرك راضٍ بذلك وسامح، لأن الندم لن ينفعك.
وعن الثرثار الذي يخوض في كل أمر ويخلط الزين والشين في كلامه، يقولون:
(حاطب ليل)
وهو مثل اللي يسير ليحتطب في الليل ويجمع الجيّد والرّديء من الحطب بدون تمييز، لأنه لا يرى نوع الحطب بسبب الظلام، ويضرب هذا المثل للثرثار الذي يهذر بما يعرف وما لا يعرف، فبمجرّد آن يسمع بشيء هذر وهذى به أينما حلّ وسار، بدون أن يتأكّد من صحّة المعلومة التي يقولها، وهذا أيضًا يقال للذي يكتب وينشر مواضيع فيها شك أو فيها معلومات مغلوطة من الصحفيين.
وفي العفو والتسامح، قالوا:
(دخيل البيت، سالم)
الذي يدخل عليك، يعني يستجير ويلتجئ بك، يدخل بيتك ويقول، (انا دخيلك يا فلان)، حتى لو سبق وبدر منه إساءة أو خطأ في حقّك، فالواجب عليك ان تجيره وتسامحه وتعطيه الأمان، لأن دخوله لبيتك يعتبر اعتذارًا وطلبًا للصفح والمسامحة، أو انّه يكون مطلوب بدين أو ثأر وجاء يحتمي عندك، ولم يأت إليك اِلّا لأنّه يعرف انّك ستجيره وتحميه، والعرب إن جاءهم مستجير أجاروه، حتّى لو كان مخطئًا في حقّهم.
وفي الدلالة على قرب المكان، إذا شخص سألهم، قالوا:
(فَرّة حصاه)
يعني أن المكان قريب جدّا، كأن تأخد حصاة وترميها، فالمسافة بينك وبين المكان المطلوب حيث وقعت الحصاة، وهذا الوصف هو وصف مجازي، لكن الواقع قد تسير يومين لتوصل إليه، لكن هم يقولون (فرّة حصاه) لأنهم يعتبرونه قريب منهم.
وعن الذي لا يستقيم ويعتدل إلّا باستخدام القوّه والقسوة معه، قالوا:
(البعير ما تييبه إلّا هلبةٍ من ذيله)
والهلبه هي الخصلات التي في نهاية ذيل البعير يجلدونها ويجعلونها مثل خيط صغير، ويثقبون أنف البعير ويعقدونها فيه، ويربطون فيها الخطام، وهذا يساعدهم ليتحكمون فيه، لأنه لو حاول أن يعاند، يحس بالألم ويتخلّى عن العناد ويتبع صاحبه على ما يريد، ويقال هذا المثل للشخص العنيد راعي المشاكل الذي تحتاج ان تكون شديدًا وقاسيًا معه، لأنّك لو تراخيت أو تساهلت معه عاد للمشاكل وضر نفسه والناس اللذين من حوله.
وفي الذي يعمل عملًا ولا يتقنه، أو يقوم به من وراء خاطره، أي بغير نفس، قالوا:
(دَهَنها على وبرها)
الناقة حين يصيبها مرض من الأمراض الجلديّة، وليوصل العلاج للجلد المصاب وتنتفع به لا بدّ من حَلقِها، يعني إزالة الوبر عن المكان المصاب، وبعد ذلك تدهن بالدهان المناسب للمرض، لكن هذا الذي كان متقاعسًا أو الذي يشتغل من وراء خاطره وبدون نفس أو من دون معرفه وخبرة، دهنها من فوق الوبر، فكان كأنّه لم يعمل شيئًا.
ويقال هذا المثل في انتقاد الذي لا يؤدّي المطلوب منه على الشكل الصحيح، وإذا طُلب منه أداء أي عمل قام (يرقّع ترقّيعًا) كما يقولون، ولم يبذل الجهد المناسب لأداء المهمة على أصولها.
ومن الأمثال التي تقال حين يتذكر الناس شخصًا معيّنًا، ويدخل عليهم فجأة بدون موعد، قالوا:
(الذيب عند طاريه)
وهو يرد عليهم (ابشروا بالخير)، لأنّه يعرف انّهم ما ذكروه اِلّا لحاجةٍ لا يحلّها ولا يسدّها اِلّا هو، وهذا من الأمثال والحوارات التي للأسف بدأت تندثر من الكثير من مجالسنا هذه الأيام.
وإذا دخل أحدهم ديرة ولقيها خالية، أو فيها ناس لكن اللذين جاء من أجلهم لم يكونون فيها، قال:
(ديرة خلا، يْعَوي ذيبها)
ديرة خَلا يعني ديرة خاليه ما فيها أحد، والخَلا هو السيح الخالي الذي ليس فيه لا شجرة ولا نبتة، وهو من فصيح اللغة العربية، (الخلاء من الأرض هو الفضاء الواسع الخالي الذي لا أحد ولا شيء فيه)
وأحياناً الواحد منّا يزور دار وخاطره في رؤية أشخاص معيّنين، لكنّه لا يراهم، فيحس بأن هذه الدار أو المكان خال، رغم ان فيه أناس يتحركون، لكنّه ما يرى فيها أحد، فيحس انّها مثل السيح الخالي الذي ليس فيه غير عواء الذئب، وهو دليل والاستيحاش والشعور بالوحدة.
ومن الأمثال التي تحث على الادخار والتوفير، يقولون:
(ديمه على ديمه تسمّن البهيمة)
والديمة هي زخّات المطر الخفيف المستمر، أقوى قليلًا من النفاف لكنّه لا ينقطع، والبهيمة اللي جمعها بهائم، هي الماشية أو المواشي، وعند أهلنا في البوادي والواحات أن نزول المطر الخفيف باستمرار يسمح للأرض انها تشرب الماء بهدوء فتخصب المراعي وينبت عشبها الذي ترعى منه مواشيهم وتسمن.
ويقال هذا المثل للحث على توفير ولو قليل من المال لكن بشكل مستمر، يتوفر لك مبلغ كبير بعد فتره من الزمن، ينفعك وقت الحاجة.
وفي ذم التكبّر والغرور والتعالي على الناس، قال المثل:
(لمربيات في كل وادي)
وقصّة هذا المثل تقول: كان هناك شاب في مقتبل العمر وربّه أعطاه القوّه الجسديّه دونًا عن كل شباب العشيرة، واغتر بشبابه وقوّته وتكبّر وتجبّر على أقرانه، فلاحظت أمّه غروره وتكبّره وان الناس بدأوا يتحاشونه أينما كان، فطلبت منه الذهاب إلى الوادي الفلاني يأتي لها بالحطب، وهي تدري ان هناك شابٌ قوي يضرب بقوّته المثل، فراح الولد، ولمّا وصل رأى ذاك الشاب الذي يكسر أغصان السمر بيده، لا فأس وخصّين ولا منشار، فرجع إلى امّه مندهشًا وأخبرها بما رآى، واليوم الثاني أرسلته إلى وادٍ غير الوادي الأمسي، ولمّا وصل لقي فتىً يقتلع أشجار السمر بعروقها بيده، فانبهر من قوته العجيبة، ولمّا عاد إلى امّه وأخبّرها، قالت له: يا ولدي، (المربيات في كل وادي)، ولا تظن انّك انت الوحيد الذي أعطاه الله الصحة والقوّه، فكما تظن نفسكك الأقوى فاعلم بأن هناك من هو اقوى منك، فتعلّم الولد الدرس، وترك عنه التجبّر والغرور، وسارت كلمة الوالدة مثلًا يقال ويُتداول إلى يومنا هذا.
ومن الأمثال التي تقال في الذي لا يعتدل في سيره ولا في عمله، يقولون:
(والّا خَب والّا بَرَك)
هذا التشبيه مأخوذ من البعير، يعني إمّا انّه خَب، يعني ركض، كنايه عن السرعة والاستعجال، أو انّه بَرَك، يعني جلَس بلا عمل ولا شغل، وهذا طبع مذموم عند العرب، فالاتزان والوسطية هو الأمر المحمود في كل شي، وهذا المثل يقال للذي ليس لديه توازن في أموره، وإذا عمل عملاً عمله بدون اتقان، فإمّا أن يكون متسرّعًا في عمله فلا ينجزه حسب المطلوب، أو انّه يكون خاملًا ومتقاعسًا ولا يعمل أي شيء أبدًا.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز