شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 21 مايو 2026
تقف بعض المعالم الطبيعية في وجه الزمن كأنها جزء من ذاكرته؛ جبلٌ تعبره الرياح جيلاً بعد جيل، فتغيّر شيئًا من ملامحه، وتخفف حدّة بعض زواياه، وتصقل صخوره، غير أنها لا تستطيع اقتلاعه من مكانه. يبقى ثابتًا في الجغرافيا، معروفًا لأهله، تهتدي به الطرق، وتُقاس عليه المسافات. واللغة العربية، في كثير من وجوهها، تشبه هذا النوع من المعالم الراسخة.
فعلى امتداد قرون طويلة، مرّت بالعربية رياح سياسية وثقافية وحضارية لا تُحصى. دخلتها مفردات جديدة، وغادرتها أخرى، وتبدلت طرائق التعبير، وتغيرت أساليب الكتابة والخطاب، غير أن بنيانها العميق ظل متماسكًا، قادرًا على استيعاب التغيير دون أن يفقد هويته. وهذا من أسرار اللغات الحية؛ فهي لا تبقى جامدة، ولا تستسلم للذوبان الكامل، وإنما تتحرك داخل مساحة دقيقة بين الثبات والتحول.
وقد عرف التاريخ لغات لم تستطع الصمود طويلًا أمام رياح التحول الحضاري. فاللغة القبطية، التي كانت يومًا لغة الحياة والعبادة والمعرفة في مصر، تراجع حضورها تدريجيًا مع اتساع استعمال العربية، حتى انحصر وجودها في نطاق ديني محدود. ولم يحدث ذلك في لحظة واحدة، وإنما عبر تحول طويل في التعليم والإدارة والثقافة والحياة اليومية. فاللغة التي تغيب عن مجالات الاستعمال الكبرى تبدأ بالتراجع، ثم تنكمش شيئًا فشيئًا حتى تفقد قدرتها على إنتاج الحياة داخلها.
غير أن هذا المثال نفسه يكشف جانبًا آخر من الحقيقة؛ فالعربية لم تنتشر لأنها لغة وافدة فحسب، وإنما لأنها امتلكت يومها قوة علمية وثقافية وحضارية جعلتها قادرة على بناء مجال معرفي جديد احتضن الناس والحياة والمؤسسات. فاللغات لا تعيش بالقوة فقط، وإنما بقدرتها على أن تكون لغة تعليم، وإدارة، وثقافة، وإنتاج معرفة.
وبعض التغيرات اللغوية لا تأتي من الداخل، وإنما تحملها “رياح لغوية” عابرة للحدود؛ عبر الإعلام العالمي، والمنصات الرقمية، والمحتوى السريع، وهيمنة لغات التقنية. وهذه الرياح لا تقتلع اللغة دفعة واحدة، لكنها تعيد تشكيل سطحها اليومي، وتترك أثرها في المفردات وأساليب التعبير وطرائق التفكير، كما تفعل الرياح الطويلة بالصخور التي تبقى ثابتة في أصلها، متغيرة في ملامحها.
والتربة اللغوية، كغيرها من البيئات، تضعف حين تنفصل عن محيطها الطبيعي. فالطفل الذي ينشأ في المهجر بعيدًا عن المجال السمعي والثقافي للغته الأم، يشبه غرسة نُقلت إلى تربة جديدة؛ قد تبقى حيّة، لكنها تحتاج إلى عناية مضاعفة حتى لا تفقد جذورها الأولى. ومع كل جيل جديد، يصبح الحفاظ على الصلة باللغة أشبه بمحاولة تثبيت التربة في وجه التعرية المستمرة.
واللغة، مثل الأرض، تحتاج إلى “ماء ثقافي” دائم؛ قراءة، وحوار، وكتابة، ونصوص حيّة. وحين ينقطع هذا المورد، يبدأ الجفاف أولًا في المفردات، ثم يمتد إلى الخيال، ثم يصل إلى القدرة على التفكير والتعبير. وعندها لا يظهر الضعف في النحو وحده، وإنما في ضيق الفكرة نفسها، وفي العجز عن بناء المعنى الدقيق.
وبعض البيئات اللغوية لا تتعرض لتجوية بطيئة، وإنما لانهيارات مفاجئة، حين تتغير لغة التعليم أو الإدارة بصورة حادة، فيفقد الجيل توازنه بين لغة البيت ولغة المعرفة، وتصبح اللغة الأم حاضرة في العاطفة وغائبة عن العلم والإنتاج.
ولهذا تبدو بعض المخاوف من “تغيّر اللغة” مبالغًا فيها أحيانًا. فاللغات التي تملك جذورًا عميقة، وتراثًا مكتوبًا، ونظامًا داخليًا قويًا، لا تنهار من تغيرات عابرة أو من مفردة دخيلة. الرياح قد تحمل الغبار إلى سطح الصخر، لكنها لا تغيّر تكوين الجبل نفسه.
غير أن الفرق كبير بين التغيير الطبيعي والتآكل البطيء. فالتغيير جزء من حياة اللغة، أما التآكل فيبدأ حين تفقد اللغة ثقتها بنفسها، أو حين تُقصى من مجالات المعرفة والتعليم والإنتاج. عندها لا تعود الرياح تصقل الصخور، وإنما تبدأ باقتلاع التربة من حولها.
ولهذا فإن القضية اليوم ليست كيف نمنع رياح التغيير، فذلك مستحيل، وإنما كيف نجعل العربية قوية الجذور، مرنة البنية، قادرة على استقبال الجديد دون أن تفقد ملامحها. فالمعلم الراسخ لا يخشى الريح، لأنه يعرف أن الزمن قد يغيّر سطحه، لكنه لا يستطيع محو حضوره.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز