شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 04 مايو 2026
تتدرّج المجتمعات في تعاملها مع لغاتها من الوعي إلى الممارسة، ومن الممارسة إلى التنظيم، حتى تصل إلى مرحلة الإلزام. وكما لا تُحمى البيئة الطبيعية بالنيات الحسنة وحدها، بل بمنظومة من القوانين واللوائح التي تضبط السلوك وتحفظ التوازن، كذلك اللغة لا يُصان حضورها بالخطاب الثقافي فحسب، بل بسياسات واضحة وأدوات تنظيمية تُفعّلها في الحياة اليومية. ومن هنا يأتي إقرار دولة الإمارات لقانون اللغة العربية بوصفه خطوة نوعية تنقل اللغة من دائرة الرغبة إلى دائرة المسؤولية المؤسسية.
تحتل القوانين موقعًا مركزيًا في السياسات اللغوية؛ فهي تُحدّد مجالات الاستخدام، وتضبط معايير الخطاب في الإدارة والتعليم والإعلام والخدمات، تمامًا كما تحدد القوانين البيئية معايير الانبعاثات، وإدارة الموارد، وحماية النظم الحيوية. فالقانون، في الحالتين، لا يهدف إلى التضييق، بل إلى حفظ التوازن ومنع التدهور. وإذا كانت البيئة تتأثر بالإهمال والتلوث، فإن البيئة اللغوية تتأثر بالفوضى والاضطراب وغياب المعايير.
وليس هذا النهج خاصًا بدولة بعينها؛ فدول عديدة سنت قوانين لحماية لغاتها كما تسن قوانين لحماية بيئاتها. ففي فرنسا صدر قانون لحماية اللغة الفرنسية في المجال العام، وفي كندا ينظم قانون اللغتين الرسميتين استخدام الإنجليزية والفرنسية بما يحقق العدالة اللغوية، كما أقرّت الصين قانونًا لتعزيز اللغة المعيارية، وسنّت آيسلندا قانونًا لحماية لغتها الوطنية. هذه القوانين، شأنها شأن القوانين البيئية، تعكس إدراكًا بأن الحفاظ على الموارد—سواء كانت طبيعية أو لغوية—يتطلب تنظيمًا واعيًا.
إن قانون اللغة العربية في الإمارات ليس قيدًا على التعدد اللغوي، بل إطارًا يحفظ توازن البيئة اللغوية، ويضمن وضوح الخطاب، ودقة المصطلح، وعدالة الوصول إلى الخدمات. فاللغة، مثل الهواء النظيف، كلما كانت واضحة ومتاحة، كان المجتمع أكثر قدرة على الفهم والتفاعل.
والقوانين، في النهاية، تضع الإطار، لكن الحياة هي التي تمنحها معناها. فحين تتحول إلى ممارسة يومية في المؤسسات، وإلى وعي مجتمعي مسؤول، تستعيد اللغة عافيتها، تمامًا كما تستعيد البيئة توازنها حين تُحترم قوانينها.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز